عبر التاريخ الطويل عرفت المجتمعات الإنسانية طبقتين اجتماعيتين فقط هما الأسياد والعبيد، ولم تزل هاتان الطبقتان حتى يومنا هذا وإن تغيرت الأسماء والصفات.
فقديمًا كان هذا العرف في العالم كله وظل لأحقاب طويلة، ومع تقدم البشرية أصبح لهذا المفهوم متغيرات وأسماء، لكنها بقيت بالمفهوم العام نفسه "أسياد وعبيد".
قد يهمك أيضًا حرية المرأة في الوطن العربي
العبودية بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم
ففي عصر الرسالة المحمدية كانت أولى محاولات البشرية التصدي للعبودية، وذلك عبر التشريع الإسلامي الذي حض على عتق الرقاب وتحرير العبيد.
ففي كل حركة مخالفة للمسلم من حركات حياته أمره بعتق رقبة، وكان هذا إيذانًا ببدء تحرر العبيد للوصول إلى الحرية التامة للمجتمعات.
لكن في حقيقة الأمر، فإن مفهوم العبودية لم يكن ليزول بسهولة من العقول، فبقي العبيد المحررون حديثا ينظر إليهم نظرة دونية، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم حضَّ على المساواة بقوله: "لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى...".
فقد بقيت الفروقات بين الأسياد والعبيد واضحة ملاحظة في المجتمع الإسلامي، وقد تكون أحيانا مقنعة.
فالصحابي والتابعي هو مسلم درجة أولى، وبقية المسلمين الذين دخلوا الإسلام فيما بعد درجة ثانية، حتى أن سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قسم العطاء من بيت المال حسب أقدمية المسلم بدخوله الإسلام، أما الأمويون فقد كانوا يفرقون بين المسلم العربي المسلم والمسلم غير العربي، أي الأعجمي.
أمَّا في المجتمعات الأوروبية فكذلك كان هو الحال تحت مسمى الأقنان والنبلاء؛ فالأقنان هم العبيد والنبلاء هم الأسياد.
وفي العصور الحديثة حين دعا الفلاسفة والعقلاء والمصلحون إلى نشر العدالة والمساوة، ودعوا إلى ردم الفجوة العميقة بين الأغنياء والفقراء لتعيش البشرية كلها بوئام وسلام لكن دون جدوى.
وحين نشأت التجمعات الصناعية والزراعية بقي المفهوم نفسه، صاحب المعمل هو السيد والعامل هو في حقيقة الأمر ليس إلا عبد عند صاحب المعمل، وكذلك الحال في عالم الزراعة بين الإقطاعي والفلاح، في حقيقة الأمر لم يتغير شيء سوى الأسماء.
قد يهمك أيضًا جمال المجتمع العربي الأصيل
مفهوم العبودية في العصر الحالي
فالسيد هو ولي نعمة المسوَّد، ولذلك كان لزامًا عليه طاعته، وأي عدم التزام في طاعة سيده تعني فصله وطرده من عمله، فإذًا هي العبودية المقنعة.
ورحم الله مَن قال: أشرف رب عمل هو الدولة، فحق العامل فيها كفله الدستور ولا أحد يستطيع غبنه حقه.
واليوم وفي هذا العالم المادي والكبير، وتواصل البشر عبر الدول في عصر التقدم والحضارة، بقي منطق الأسياد والعبيد يهيمن على حياة الشعوب، فالدول الغنية والمسيطرة على الثروات هي السيد، والدول الفقيرة البائسة هي العبيد.
وما يشد الانتباه أن هذه الدول الغنية لا تملك مقومات الثراء، بمعنى لا توجد عند غالبيتها ثروات باطنية ولا مواقع جيوسياسية مهمة، على عكس غالبية الدول الفقيرة، فهي تمتلك مخزونات كثيرة من الثروات الباطنية والثروات الحيوانية والمواقع الهامة على خارطة العالم، وكل أسباب الثراء.
ومع هذا هي فقيرة، والسبب هو لصوصية تلك الدول التي تسمى العالم الأول، فغالبية تلك دول العالم الأول استعمرت تلك الدول الفقيرة، ونهبت ثرواتها عبر سنوات طويلة في القرنين الماضيين، فكان هذا سببًا في ثرائها.
والسبب نفسه كان في فقر تلك الدول المعدمة. وتراهم لا ينفكون يتحدثون عن الإنسانية والحضارة والتقدم والرقي، ويرسلون المساعدات لتلك الدول باسم التحضر والإنسانية.
وفي الحقيقة، إنهم لا يرسلون سوى النذر اليسير مما نهبوه من تلك الدول البائسة.
قد يهمك أيضًا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.