عسر الحساب (الديسكالكوليا).. لماذا يكره طفلي الرياضيات وكيف أساعده؟

تعد صعوبات تعلم الرياضيات من أكثر التحديات التي يواجهها الأطفال في المراحل الدراسية الأولى، إذ قد يتحول الخوف من الأرقام إلى نفورٍ دائم من المادة، غير أن الدراسات التربوية الحديثة أثبتت أن هذه المشكلة ليست دلالة على ضعف في الذكاء، بل نتيجة عوامل معرفية وعصبية محددة يمكن معالجتها.

في هذا المقال سنناقش الأسباب العلمية وراء كره الطفل للرياضيات، ونوضح مفهوم «عسر الحساب» وكيفية اكتشافه مبكرًا ووضع الحلول الفعالة لتجاوزه.

«دائمًا أواجه صعوبة في تعلم الرياضيات وحل المسائل». كم مرة سمعت هذه العبارة من ابنك أو ابنتك بعد عودتهما من المدرسة وفي أثناء كتابة واجباتهما؟ الأسوأ أن يصل شعور هذا الابن أو هذه الابنة إلى نقطة تقبّل أن الفشل في حل المسائل الرياضية والأمور المالية أمر طبيعي ومقبول!

والسؤال الآن: هل كنتَ واحدًا من هؤلاء الأطفال الذين شعروا بالضياع والتيه في حصة الرياضيات؟

في هذا المقال، سوف نجيب على السؤال الذي يشغل بال كثير من الآباء والأمهات ممن يواجه أطفالهم صعوبة في تعلم الرياضيات: لماذا يكره طفلي الرياضيات؟

لكل عقلٍ طريقته... والتعلُّم الفردي هو المفتاح

في حقيقة الأمر، إنَّ هذه الصعوبات لا تقتصر فقط على الأطفال الصغار، بل قد تستمر مع الإنسان ما لم يتعامل معها بطريقة صحيحة في وقت مبكر، وهنا تتضح أهمية التدخل المبكر مع الطفل.

غير أن الخبر المهم هو ما أظهرته نتائج الدراسات الحديثة، أنَّ الطلاب يمكنهم تجاوز هذه التحديات، وأن يصبحوا أكثر ثقة وقدرة على النجاح في تعلم الرياضيات، بل ويحبونها، من خلال أساليب تعلم فردية ومتكاملة في وقت مبكر، مع مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين. هذا يشبه إلى حد كبير استفادة الأطفال المصابين بعسر القراءة عبر دروس متخصصة لعسر القراءة باستخدام دروس متسلسلة ومنظمة ومتعددة الحواس، ويمكنهم في النهاية أن يصبحوا قرّاءً جيدين، بل ويحبون القراءة.

كل هذا يمكننا تحقيقه من خلال تحفيز عقول الأطفال بالطريقة التي تناسب قدراتهم.

تعريف عسر الحساب

ترجع جذور كلمة عسر الحساب إلى اللغتين اليونانية واللاتينية: dys «من اليونانية» تعني الصعوبة أو الخلل، وcalculia «من اللاتينية» مشتقة من calculare أي إجراء العمليات الحسابية، لذا فإن dyscalculia تعني «عسر الحساب» أو صعوبة في إجراء العمليات الحسابية. وهذا مشابه لمصطلح «عسر القراءة» الذي يمكن ترجمته إلى «صعوبات القراءة».

يمكن القول إذن إن عسر الحساب هو صعوبة تعلم محددة تتمثل في ضعف في تعلم الرياضيات، وهو ما قد يؤثر على العمليات الحسابية وحل المشكلات أو كليهما، ويُصنف ضمن مشكلات التعلم عند الأطفال.

تعريف عسر الحساب

الجزء المهم الذي يجب على الآباء والأمهات حتى المعلمين والمعلمات، معرفته جيدًا هو أن عسر الحساب أمر فطري، أي يولد به الطفل، وقد يستمر معه ما لم يتم التدخل المبكر بشكل مناسب.

على الرغم من عدم وجود تعريف متفق عليه عمومًا لعسر الحساب حتى الآن، فإن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-5) (DSM-5) يعدد مظاهر أساسية لذلك هي:

· صعوبات في إدراك الأرقام.
· ضعف في حفظ الحقائق الرياضية الأساسية، مثل جدول الضرب.
· بطء في العمليات الحسابية.

تشير التقديرات إلى أن ما بين 4-7% من الطلاب يعانون من عسر الحساب، لذا يتوقع المعلم وجود طالب أو أكثر في كل فصل دراسي يواجه هذه الصعوبات.

أعراض عسر الحساب عند الأطفال

الواضح أن أعراض عسر الحساب عند الصغار تختلف عنها عند الكبار. على سبيل المثال، يواجه الأطفال واحدًا أو أكثر من المشكلات التالية:

· صعوبة في العد بدقة مقارنة بأقرانهم.
· صعوبة ربط رقم بحجم أو كمية ذهنيًا، كأن يدرك مثلًا أن الرقم 9 أكبر بكثير من الرقم 5، وهو ما يسمى «حس الأرقام».
· صعوبة في حفظ تسلسل أيام الأسبوع أو ترتيب الأحداث.
· صعوبة حفظ وتطبيق الحقائق الرياضية للجمع والطرح.
· صعوبة تعلم جداول الضرب، وإن حصل، يتم نسيانها تمامًا في اليوم التالي.

أعراض عسر الحساب

أعراض عسر الحساب عند الكبار

أما البالغون، غالبًا ما يتضمن عسر الحساب واحدًا أو أكثر من المشكلات التالية:

  • عدم الارتياح لجميع أنواع الأنشطة المتعلقة بالأرقام.
  • ارتكاب أخطاء في نسخ وحفظ أرقام الهواتف، وتسجيلات الدخول، والتواريخ.
  • صعوبة في الحسابات اليومية مثل تقدير إجمالي المشتريات أو الباقي، أو الإكرامية في المطعم أو مشاركة الفاتورة، أو حساب الكسور عند الحاجة إلى طهي الطعام لعدد أكبر من الأشخاص مقارنةً بالوصفة، وهكذا.
  • إدارة الشؤون المالية بشكل عام: حساب مصرفي، دفتر شيكات، متابعة مدفوعات بطاقات الائتمان وفهم معدل النسبة السنوية «APR».
  • فهم الاتجاهات واستخدام الخرائط والرسوم البيانية، وحساب المسافة والسرعة.
  • إدارة الوقت وتفويت المواعيد النهائية.

حين تزرع الدعم مبكرًا يزهر التفوق لاحقًا

تظهر فحوص الدماغ، باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، أن الأطفال وحتى البالغين الذين يعانون من عسر الحساب يتم في الغالب تجاهل مناطق الدماغ الأكثر تجهيزًا للمهام الحسابية، ويتم استخدام مناطق أخرى أقل كفاءة بدلًا منها، وهو ما يعني أنه قد يستغرق وقتًا أطول ويؤدي إلى المزيد من الأخطاء عند حل المسائل الرياضية.

لحسن الحظ، يمكن تدريب الدماغ على تطوير تلك الصلة القيّمة بالأرقام والأحجام والأنماط، من خلال تدخلات تعليمية مدروسة، من شأنها تعزيز الصلة بين الدماغ والأرقام.

التشخيص خطوة أولى

ولأن عسر الحساب غير معروف على نطاق واسع حتى الآن، فإن عددًا من الطلاب حاليًا لا يتم تشخيصهم في وقت مبكر، الأمر الذي يترتب عليه مشكلات نفسية تبدأ بفقدان الثقة وصولًا إلى كره تعلم الرياضيات.

لمعرفة الطلاب الذين يمكنهم الاستفادة من هذا التدخل، يجب إجراء فحص شامل على مستوى المدرسة لتحديد الطلاب المعرضين للخطر، وترتيب تقييم أكثر تعمقًا لمهارات إدراك الأرقام والرياضيات لمن يحصلون على درجات منخفضة في الفحص.

لا يجب اعتبار التقييم تصنيفًا، بل يهدف إلى تقديم اقتراحات للتسهيلات والحلول العلاجية المرتبطة بنقاط القوة والضعف لدى ذلك الطالب أو البالغ.

إنها بداية لتدخل فعال قائم على البحث، والذي يتضمن في معظم الحالات تعليمًا منظمًا ومتسلسلًا ومتعدد الحواس، ويفضل أن يكون فرديًا أو في مجموعات صغيرة، باستخدام أدوات عملية وتمثيل بصري.

لا يجب النظر إلى التقييم على أنه تصنيف فحسب، بل يهدف إلى تقديم اقتراحات للتسهيلات والحلول العلاجية المرتبطة بنقاط القوة والضعف لدى ذلك الطالب أو البالغ.

كيف أساعد طفلي الذي يعاني من صعوبات في الحساب؟ (استراتيجيات للمنزل)

إن علاج عسر الحساب يبدأ من المنزل عبر الدعم والتفهم. إليك بعض الاستراتيجيات العملية التي يمكنك تطبيقها:

  • استخدام أدوات محسوسة (Manipulatives): استخدم المكعبات، الخرز، أو قطع النقود لجعل مفاهيم العد والجمع والطرح شيئًا ملموسًا يمكن للطفل لمسه ورؤيته.

  • ربط الرياضيات بالحياة اليومية: اطلب من طفلك عد الأطباق على المائدة، أو مساعدتك في قياس مكونات وصفة طبخ، أو حساب باقي النقود في المتجر. هذا يوضح له أن الرياضيات مفيدة وواقعية.

  • اللعب بالأرقام: استخدم ألعاب الورق (الكوتشينة)، الدومينو، أو الألعاب اللوحية التي تعتمد على العد ورمي النرد. اللعب يزيل حاجز الخوف ويجعل التعامل مع الأرقام ممتعًا.

  • تقسيم المهام: عند حل مسألة كلامية، ساعد طفلك على تقسيمها إلى خطوات صغيرة وبسيطة. ارسموا المشكلة معًا، وحددوا المطلوب خطوة بخطوة.

إن النتائج حقًا ملهمة، لقد استفاد كثير من الطلاب من هذه التدخلات، وحققوا تقدمًا ملحوظًا في الرياضيات، وأثَّر ذلك على الصحة العامة؛ لذلك عليك ألا تتأخر عندما تتوقع أن تستفيد أنت أو أحد أحبائك من هذه المساعدة الإضافية في الرياضيات، بالحصول على الدعم المناسب في الوقت الصحيح، عندها سيتغير مسار حياتك وقد يكون ذلك هو بداية علاج كره الرياضيات لديه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة