عزيزة

عزيزة.. عزيزة.. ها أنتِ ذا، أين كنتِ؟! استيقظت الهانم الصغيرة من حوالي ربع ساعة، هيا اسرعي.... آه يا وداد انتبهي على الفستان إنه يساوي راتب عام كامل لك.

كان الوضع يشبه خلية النحل لكن بصورة هادئة، خدم يسيرون بخطوات منظمة لكن خفيفة.

يحدث كل ما تحدثنا وسنتحدث عنه داخل جدران منزل عبود باشا، في غرفة من الغرف تجلس فتاة بشعر أسود متوسط الطول، وجمال عادي فقط ما يبرزه مجموعة الملابس الفخمة والزينة.

- آه ها أنت ذا يا وداد، ساعديني في ارتداء الفستان كي لا أتأخر أكثر

على مائدة طعام تتسع لـ 20 فردًا، لم تشغل عائلة عبود باشا سوى 3 مقاعد فقط، زوجته، وصفية، وعلى رأس الطاولة هو، السيد عبود.

- لا أريد الذهاب للحفلة التنكرية اليوم.. قالتها صفية وهي تنظر لطبقها، كادت تنفعل والدتها لكن صدّها رد زوجها الهادئ "ستذهبين، لا يجوز ألا تحضر ابنة عبود باشا حفلة كهذه".

استأذنت صفية في حركة احتجاجية طفولية تعلم جيداً أنها لن تجدي نفعاً ورحلت.

على بعد خطوات تقف الخادمات  يستمعن للحديث في هيئة تماثيل جامدة.

- وداد، لمَ قد لا تريد السيدة الصغيرة حضور الحفلة ؟

- لا أعلم يا عزيزة، ربما لأنها اعتادت الحفلات من صغرها فلا تبالي بتفويت بعضها.

- أتمنى حضور حفلة كهذه، وأن أرتدي فستاناً أنيقاً، ويأتي شاب لطيف يراقصني طوال الحفلة.

- بالطبع يمكنك حضور واحدة، في أحلامك، أما عن الشاب الوسيم، فهم هكذا طالما يملكون المال، المال يجعلهم جميلون، انظري إلى نفسك، أنتِ تشبهين السيدة الصغيرة، لكن لا أحد يستطيع أن يرى ذاك الشبه من وراء مجوهراتها الثمينة.

جلست صفية أمام مرآتها صامتة، تنظر بشرود إلا اللاشيء، حتى أعادها للواقع صوت عزيزة وهي تعرض عليها فنجان القهوة

- سيدتي أنتِ بخير؟

- نعم ياعزيزة شكراً لكِ... أيمكنك الجلوس معي قليلاً

عادت عزيزة من جوار الباب  لتقف بالقرب من سيدتها

-اجلسي أمامي

بعدما جلست تناولت صفية الفنجان وبدأت تتحدث

- لا أريد الذهاب إلى الحفلة، لا أطيق النظر إلى وجوههم ولا أن أسمع نصائحهم وتعليقاتهم ، أشعر أنني مقيدة، لا أختار ماذا أرتدي ولا ماذا أقرأ، كل شيء محكوم، حتى أنني لا يمكنني شرب القهوة بالطريقة التي تعجبني ويجبرونني على رفع إصبعي الصغير بتلك الطريقة السخيفة عند مسك الفنجان.

- سيأتي يوم تتزوجين فيه وترحلين عن هذا المنزل سيدتي ، أظنه سيكون شخصاً لطيفاً لا يبالي بآرائهم

- أنت على حق، لمعت عينا صفية  

- استأذنك الآن كي أعود لعملي

بعد ساعتين من خروج عزيزة من غرفة السيدة الصغيرة، وفي غمرة انشغالها في العمل، لمحت صفية وهي تسير بحذر نحو باب جانبي حتى لا تمر على الصالون حيث تجلس والدتها، شيء ما بداخلها جعلها تناديها بصوت هامس

- سيدتي! أين تذهبين؟

لم تستطع صفية التمثيل انها لا تسمعها إذ كانت عزيزة تقف على مسافة قريبة منها، التفت وقالت "سـ أتمشى في الحديقة قليلاً"

- في هذا الجو، الشمس حارقة في الخارج، ثم إن مصفف الشعر سيصل بعد قليل

- نعم في هذا الجو، ويمكن لمصفف الشعر الانتظار،

التفتت لها مرة أخرى "لا تخبري أحدًا، سأعود سريعاً"

راقبتها عزيزة وحجمها يصغر كلما اشتد مشيها حتى صارت بقعة صغيرة في نهاية الطريق.

دخلت عزيزة إلى غرفة صفية كي ترتبها كما تفعل يومياً، إلا إنها تجرأت هذه المرة لغياب صاحبة الغرفة، اقتربت من خزانة الملابس وقررت أن تجرب فستان السهرة المنتظرة، ارتدته ببطء ورهبة كأنما تغير جلدها، نظرت لنفسها في المرآة لترى سيدتها، كانت تشبهها حقاً، ظلت تدور يمينا ويساراَ بالفستان وتحاكي رقصة متخيلة وجود شاب يمسك بيدها حتى دق الباب فجأة.

- سيدتي، مصفف الشعر هنا

كان صوت وداد على الباب، ستعرفها من النظرة الأولى إذا رأتها، عليها أن تنزع الفستان بسرعة وترتدي ملابسها

فتحت وداد الباب في اللحظة التي كانت فيها عزيزة متمسكة بسحاب الفستان ودخل وراءها مباشرة مصفف الشعر،صمتت وداد قليلاً قبل أن يتحدث مصفف الشعر ليخبرها أن الفستان رائع وأن برأسه تصفيفة تليق به، وطلب من وداد أن تساعد سيدتها في تبديل ملابسها.

وقفا وراء الستار الخشبي، همست عزيزة "لمَ لم تخبريه أنني لست هي؟ "

اهدأي، لقد جائتك الفرصة لتحققي حلمك، لا تفوتيها إذا، لن يعلم أحد من تكونين، سترتدين القناع طوال الحفلة ولن تتحدثي كثيراً، لن يتعجب الباشا وزوجته صمتك إذ يعلمان أن صفية لا تريد حضور الحفلة"

-ماذا إذا عادت السيدة

لن تعود السيدة قبل أن تنتهي الحفلة، لقد قرأت رسالة قادمة لها من ذاك الشاب ، سيكونان سوية الليلة، هيا

نزلت عزيزة بخطى تبدو هادئة، شعرت وهي تنزل الدرج ان العالم ينظر لها و يفغر فاه، أن خطوتها تحطم الأرض تحتها، لكن في الواقع لم يكن أحد يهتم لأمرها سوى وداد.

دخل الجميع إلى الحفلة، مكان مليء برائحة الثراء، سيدات مثقلات بحلّي باهظة، ورجال في ملابس فاخرة، بقيت عزيزة تقف في ركن هادئ خشية أن يكشف أمرها، لمحت باباً مفتوحاً في نهايته سماء، ذهبت إليه، كانت شرفة واسعة جميلة، وقفت تنظر للسماء كانت بلا أي نجوم بسبب الإضاءة ، "حتى منظر النجوم يختلف في ملابس الأغنياء"

- مرحباً

انتفضت عزيزة لسماع الصوت، ورأت شاباً نبيلاً

- اعتذر إن كنت أزعجتك، لكنني رأيتك لا تندمجين مع المحيطين، ففتحت باب الشرفة آملا أن تدخلي، أنا أيضا لا أحب الزحام، ترقصين؟

تحدثا طويلاً، عن كل شيء، جربا الرقص وكانت فظيعة، ضحكاً كثيراً كانت سعيدة حقاً، إلا أنهما أرادا لو تستمر تلك الليلة أعواما، لكنها انتهت

عادوا إلى المنزل، لوهلة نسيت من تكون وصعدت على الدرج بسعادة نحو غرفتها كـ صفية، وارتمت على السرير الذي ظنته ملكها، دقائق وفتح باب الغرفة بعنف ووقف أمامها عبود وزوجته وفي عينيهما نظرات خوف وفزع ممزوجة باندهاش وتفحص، انفرج فم عبود باشا عن الأسئلة

- من أنتِ؟ من تكونين؟! كيف جئت إلى هنا، لمَ أنتِ هنا بينما جثة ابنتي ملقاة في أحد الشوارع!

جلست عزيزة على السرير مجدداً

- أنا عزيزة، الخادمة عزيزة

انهارت الزوجة، بينما بقى لدى عبود باشا بعضاً من قوة ليستمع إلى عزيزة ويعلم أن ابنته هي من رحلت بإرادتها والرسالة التي وضعتها عزيزة في يده برهان على ذلك.

نهض وطلب من عزيزة أن ترحل ولا تعود أبداً، رحلت مع الفجر

- من انتِ؟

- أنا عزيزة، لقد كنت خادمة من قبل، أحتاج إلى عمل..

حزن الشاب عليها سنوات، حتى تزوج  فقط ليكمل نسل العائلة، وسمى ابنته الأولى "صفية" ظناً منه أنها حقاً صفية.

بقى في قلبها ذكرى السماء في تلك الليلة، وبعض من الضحكات، بقيت تلك الأشياء عالقة برأسها كحلم جميل، بقيت محتفظة بمشبك الشعر الذي نسيت أن تنزعه عند رحيلها، حتى ظن أولادها أنه إرث من أجدادها الأثرياء، وأنهم لولا الظروف لكانوا يحضرون تلك الحفلات.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
May 11, 2021 - معاوية الذهبي
May 10, 2021 - ALHAMAIONY #الهمايوني
نبذة عن الكاتب