العزلة كاشفة الحقائق.. عندما تسقط الأقنعة

وأنا أعيش هذه العزلة النفسية والجسدية التي منحتني صورة للحقيقة التي كانت مقنعة بكثير من الكذب البراق. نعم، منحتني كثيرًا من التجلي، والخلوة بأغوار الأشياء المغلفة بجلد حرباء متلون.

نضجت كثيرًا، وأدركت واسعًا، وأصبحت أكثر تمييزًا للألوان السبعة. خصوصًا حين يرتديها من حولك، ولا تفهم أنها صبغة لجوهر يملك لونًا واحدًا لا يستطيع تغييره، حتى ولو تقلب بين الثلج ودهن نفسه بحليب الإبل.

عرفت ما معنى أن تكون هامشًا بقلم رصاص لكاتب بليد يمحوك في الدقيقة ستين مرة.. وكنت تحسب نفسك نضجًا جاهزًا منقحًا لكرنفال كبير يستطيع تقديمك أمام الكاميرات المضيئة.

هذه العزلة القصيرة والطويلة.. منحتني الوقوف بنافذة الريح التي تدور على كل العقول المريضة، والسقوف المتصدعة، والأعين العمياء التي لا تظهر إلا صورة رديئة لظلام حالك متصل بشبكية المصالح القذرة.

نعم، اتضحت الصورة كثيرًا حين نظرت إليها من رأسها، تلك التي كانت تبدو وكأنها حقل أخضر تجري من تحته الأنهار… كبرت الصورة قليلًا فإذا به طحلبٌ متورم في مستنقع، ووحل متكدس بطين متخثر.

نعم، كل الأشجار تيبست وهي في قلب الصيف، والأوراق تساقطت وهي في منتصف الربيع، والغصون ذبلت تحت أسنة هذا الجدب الغاشم، والطيور ماتت بأعشاشها حين كانت الأنهار صناعية غير حقيقية.

لا أخفيكم أنني غارق في بحر الخيبة، لكن العزاء والمرسى والمنجى من هذا الخذلان المميت أنني الآن وحيدًا فريدًا، إلا من بعض الجبال التي تحيط بي، وبعض الآمال التي لا تنطفئ، وبعض الأنهار.

عزلة قصيرة ستكفيك يا صديقي لتكتشف الكوارث المزروعة تحت عمائم سوداء وبيضاء.. وفي أكمام المقربين، وبين أصابع الأهل والإخوان والأصدقاء.

عزلة بسيطة ستكفيك لتكتشف زيف العلاقات بين الناس

عزلة قصيرة تتظاهر فيها بالانكسار، تمثل الضعف.. وقصيدة واحدة تصور فيها الاستسلام والإفلاس ستجعلك تكبر عشرين سنة وتصغر مثلها.. ستعيدك لشهقة الطلق الذي تخرج بعدها باكيًا لا تعرف أحدًا إلا أمك، ولن يكون بجانبك غير قابلة أو ممرضة تنتظر الأجر بعدها.

عزلة قصيرة تكفيك لكي تكون قبرك الأخير وكفنك الوحيد.. أو تكون قصرك الواسع ومحرابك الذي تناجي به ملك الملوك، تخبره بكل شيء… بمعاصيك، بفقرك، بحاجتك له، والارتماء في أحضان رحمته الواسعة.

عزلة واحدة ستدفع فيها جميع فواتير الابتسامات الصفراء المتقطعة، والأحاديث العبثية، والقصائد الطويلة التي سجلتها بصوتك المتقطع بذبذبات الواجب المزعوم، والأواصر المتكسرة.

ستدفع فيها أقساطك المتأخرة لثلاجة البرد القارس، ونزلات البرد التي كنت تتظاهر بالجلد وهي تنهش من حبال صوتك، وأنت تمثل دور الوفي، وتصور مشهد الصادق الذي يقدر روابط الدم والنسب الوثيق….

ستتعرف على نفسك وأنت تسمع توصيفها من أولئك الذين كانوا يشيدون بك.. ستعرف أنك أصبحت قصيرًا جدًا، وقد كنت طويلًا تلامس النجوم برأسك.. ستعرف أنك غير نافع، وقد كنت بلسمًا لجروحهم وضمادًا لها.. لن تجد اسمك بين دفاترهم، وقد كنت عنوانًا لغلاف كتابهم الأخير.

سيتهمك أقرب الناس بالفشل، وسيقدم لك النصائح وكأنه مشفق محب… سيتهمك بالتقصير، وأنك أصبحت مضيعًا للنوافل، وقد كنت تخزن معه وتضيع صلاة العصر والمغرب.

ستتوالد بين يديك المشكلات، وتتراكم عليك الديون.. لن تكون بحاجة إلى منقذ لأنه غير موجود، ولن تكون بحاجة إلى إشعال حرب على هذا الواقع المسلح؛ لأنك وحيد بلا قبيلة تحميك ولا وطن يشد أزرك.

ستشعر بالحزن من كل هذا، وتأخذ جوالك وتفتح واتساب، فلن ترى رسالة لك من أحد يسألك كيف حالك ويستفسر عن أخبارك، فتحسب أن النت ضعيف فتغلقه وتفتحه مرة أخرى، ولن يتغير شيء، فتتذكر أن أمك ليس لها واتساب، وأن أباك قد مات.

ستشعر بالانطفاء تمامًا.. وقد حلقت فوق رأسك الهموم، وغارت النجوم، وضاقت الجهات، وصارت كأنها عنق زجاجة أو عين ديك.. وأنت كذلك تمر عليك نفحة من ملكوت الله تقول لك إن الكريم ما زال فوق عرشه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة