عروس بيروت

أحقاً هذا حلم؟؟ أم إنه كابوس؟؟!! ماذا يحدث الآن؟ أين أنا؟ ربما فقدت ذاكرتي، لكن كيف!! اهتزت الأرض من تحتي فجأة، تبدلت ابتسامتي إلى ذعر وخوف. صوت الصراخ يتكاثر من حولي، الجثث تتراكم أمامي، الكل يحاول الاختباء تحت ظل أي شجرة، ربما تشعره ببعض من الأمان أو تبعث في نفسه شيئا من الطمأنينة.
تزاحمت الأسئلة في رأسي ولكن بلا أجوبة. ماذا يحدث الآن؟ هل هذا خيال؟ أم واقع؟ هل أصبحت جزءاً من روايات الرعب التي جعلتني أتذوق طعما مختلفا للقراءة، بل ذوبت فيها عشقاً.
أو ربما هذا مشهداً تفصيلياً في فيلم سينمائي، ولكن السؤال الذي جال بخاطري كيف أصبحت جزءاً من هذا الفيلم؟ انقلبت الدنيا من حولي في أهم يوم في حياتي، يوم رتبت له الكثير والكثير، يوم تحلم به كل فتاة منذ طفولتها يوم زفافي، لكن هناك لحظات فاصلة تقلب حياة الإنسان رأساً على عقب، تزرع المرارة في قلبه، تحفر ذكرى لا يقوى عقله على نسيانها ولا يتحمل قلبه توابعها.
تبدلت ابتسامتي في أقل من ثانية إلى دموع، خوف، رعب، هرج ومرج هنا وهناك. نساء وأطفال غارقون في دماءهم ، تغير الكادر الذي التقطه المصور من فرحة عروس إلى حزن لا نهاية له  إلى فيضان من الدماء وخراب مدمر.
ظللت أصرخ وأجرى باحثة عن مكان أختبئ فيه ، أين أهلي؟! أين المصور؟! أين زوجي شريك حياتي؟! في غمضة عين أصبحت وحيدة ، شعرت ببرد قارس يجتاح جسدي في عز صيف أغسطس. أغمضت عيناي كي أتأكد أن ما يحدث حقيقة. تلطخ ثوبي بالدماء ، تساءلت إلى من تنتمي هذه الدماء، أهي دماء طفل أم سيدة أم شيخ كبير. لا يهم فصيلة تلك الدماء، لأن الوجع والقهر واحد والنتيجة خراب مستمر.
صراخ النساء وبكاء الأطفال كان أعلى بكثير من صوت انفجار مرفأ بيروت، سيظل صوت صراخهم يرن في أذني طيلة حياتي، المشهد سيظل عالقا في ذاكرتي مهما طال بي الزمن.
تمنيت في هذه اللحظة فقط أن أفقد ذاكرتي، ربما أنسى ذلك المشهد أو أن أصاب بفقدان السمع حتى أتوقف عن سماع صرخات الأطفال. امتلأت مستشفيات بيروت بالجرحى والمصابين على الرغم من أنها لازالت مكتظة بمصابي وباء كورونا.
لم ينفجر مرفأ بيروت وحده، بل انفجرت معه معاني الإنسانية، وفقدت الرحمة جوهرها وتولد الخوف والخراب وانهدمت المنازل. أجساداً تحت الأنقاض، أشلاء مبعثرة، متفحمة، مبهمة الملامح. حالة طوارئ في بلد لم ينجو من كارثة ما حتى تتولد أخرى، شعب يتحدى المستحيل، يقهر الظروف، يبتسم رغم وجعه، يحلم ولا يزال يحلم على الرغم من الحروب التي خاضها محب للحياة رغم قسوتها.
لبنان لا يعرف الاستسلام أو الهزيمة، شعبه لا ينكسر بسهولة.
سننهض، سنقاوم، سنعود كما كنا إلى الأفضل بل إلى أفضل حال مما كنا عليه.
أنا بخير، لم يمسني سوء ظاهرياً، لكن داخليا تحول يوم زفافي إلى مآتم، انعكست الآية من برقيات التهنئة إلى برقيات تعازي ومواساة، فقدت مذاق فرحتي، إحساسي بالزمن، افتقدت شعوري بالحلم وتحقيقه في نفسي.
ضاعت خارطتي، ولا أستطيع استعادة ملامح طريقي كي أتمكن من استرجاع نفسي مرة أخرى. نعم أنا حية على قيد الحياة، سليمة، معافاة، هذا فقط من الخارج، لكن في باطني لست بخير، تائهة، ضائعة، مقهورة، بائسة، يائسة من كل شيء حولي. باختصار ماتت روحي واندفنت تحت الأنقاض، ولكن جسدي لازال حياً.

ربتت يد على كتفي إنها يد زوجي، بكيت، انهمرت دموعي، سجدت على الأرض شكرا لله، تنهدت، انفجرت باكية في حضنه، صامتة، كأن احبالي الصوتية انقطعت، وتفرقت عن بعضها، حمدت الله على أننا وجدنا بعض. بعد فترة من الصمت والعناق بيننا، نظر زوجي إلى السماء وقال أشرقت شمس يوم جديد وستشرق بيروت ولو بعد حين.

بقلم الكاتب


اسمى مروة محمد , مهندسة اتصالات . أهوى القراءة واعشق الكتابة, شغوفة بقراءة المقالات و البحث فى التاريخ.أعمل فى مجال تكنولوجيا المعلومات

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

بيروت الحبيبة وانفجارات بيروت تذكرني بما جرى بالصف على ملجأ العامرية اثناء الحرب العراقية الإيرانية تصوري قصف ملجأ وليس ثمنه عسكرية الناس نيام آمنين بالمجلة الذي يضم المئات من الأطفال والنساء والشيوخ رحم الله لشهداء بيروت والشفاء للجرحى والحمد لله على سلامة الناجين احسنتي النشر مع التقدير

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Oct 28, 2020 - سماح القاطري
Oct 28, 2020 - مها فوزي
Oct 28, 2020 - مها فوزي
Oct 24, 2020 - Ali Salh
Oct 22, 2020 - نورا بونعيم
نبذة عن الكاتب

اسمى مروة محمد , مهندسة اتصالات . أهوى القراءة واعشق الكتابة, شغوفة بقراءة المقالات و البحث فى التاريخ.أعمل فى مجال تكنولوجيا المعلومات