المسرح الحركي هو اتجاه مسرحي معاصر يعتمد على لغة الجسد وإلغاء الحوار لنقل المعاني فيتحول الجسد إلى لغة كونية تلتقي فيها الثقافات.
شهدت القاهرة واحدة من أبرز الفعاليات الفنية المعاصرة باستضافة عرض فرقة «Kataklò» الإيطالية، إحدى أهم فرق المسرح الحركي «Physical Theatre» في العالم.
ولم تكن هذه الاستضافة عرضًا فنيًّا عابرًا، بل جاءت بصفتها حدثًا ثقافيًا يظهر انفتاح الساحة المسرحية المصرية على التجارب العالمية، ويؤكد قدرة الفنون الحركية على تجاوز الحدود اللغوية والثقافية.
لقد مثَّل عرض «Kataklò» حالة فريدة من التفاعل الجمالي بين الجمهور المصري وفن يعتمد بصورة أساسية على الجسد بوصفه وسيطًا تعبيريًا، بعيدًا عن النص الحواري التقليدي، وهو ما يطرح أسئلة جديدة عن طبيعة المسرح التجريبي في مصر، ووسائله، ومستقبله في العالم العربي.
تأسيس فرقة «Kataklò» الإيطالية
تُعد فرقة «Kataklò Athletic Dance Theatre» واحدة من أبرز الفرق الأوروبية المتخصصة في المسرح الحركي، وقد تأسست في إيطاليا على يد الراقصة والمخرجة جيوليا ستاشولي «Giulia Staccioli»، التي سعت منذ البداية إلى خلق شكل مسرحي يجمع بين:
- الرقص المعاصر
- الأداء الرياضي
- التمثيل الجسدي
- التعبير البصري
ويظهر اسم «Kataklò» طبيعة الفرقة، إذ يُشير إلى الحركة والصدام والديناميكية، وهي العناصر الأساسية التي يقوم عليها أسلوبها الفني.
تعتمد الفرقة على ممثلين يتمتعون بقدرات جسدية عالية، وغالبًا ما يكونون قادمين من خلفيات رياضية «جمباز، ألعاب قوى، رقص»، وهو ما يمنح عروضهم طاقة حركية استثنائية تمزج بين الصرامة التقنية والانفعال التعبيري.

خصوصية المسرح الحركي «Physical Theatre»
ينتمي عرض «Kataklò» إلى ما يُعرف بـ«المسرح الحركي»، وهو أحد أبرز اتجاهات المسرح المعاصر، الذي يقوم على:
- تقليل أو إلغاء الحوار المنطوق
- استخدام الجسد كلغة رئيسة
- الاعتماد على الإيقاع والصورة
- خلق تجربة بصرية–حسية مكثفة
وفي هذا النوع من المسرح، لا يكون النص هو مركز العرض، بل يصبح الجسد «نصًا حيًا»، ويتحوَّل الفضاء المسرحي إلى مساحة طاقة وتفاعل. وعليه، فإن استقبال الجمهور المصري لهذا النوع من العروض يمثل خطوة مهمة في تطوير الذائقة المسرحية، والخروج من الاعتماد التقليدي على الحوار.
عرض «Kataklò» في القاهرة
جاء عرض الفرقة في القاهرة محمَّلًا بطاقة جسدية عالية، اعتمدت على:
- تشكيلات حركية جماعية
- تناغم دقيق بين الأداء الفردي والجماعي
- انتقالات سريعة بين الإيقاعات
- استخدام الضوء والموسيقى بوصفهما عنصرين سرديين
لم يكن العرض قائمًا على قصة خطية، بل قدَّم لوحات متتابعة تحمل دلالات إنسانية عدة، مثل: الصراع، والتوازن، والتواصل، والهشاشة البشرية.
وهو ما يجعل المتلقي شريكًا في إنتاج المعنى، إذ لا يُفرض عليه تفسير واحد، بل يُترك له مجال التأويل.
استقبال الجمهور المصري لعرض «Kataklò»
أظهر الجمهور المصري خلال العرض تجاوبًا لافتًا مع التجربة، على الرغْم من اختلافها عن النمط المسرحي السائد. ويمكن تفسير ذلك بعوامل عدة:
- الفضول تجاه الشكل غير التقليدي
- قوة الأداء الجسدي المباشر
- البعد البصري الواضح
- القابلية الإنسانية العامة للغة الجسد
وقد ساعد ذلك في:
- كسر الحاجز بين الجمهور والمسرح التجريبي
- تعزيز تقبُّل أنماط أداء جديدة
- توسيع دائرة المتلقي المسرحي
الدلالات الثقافية لاستضافة عرض «Kataklò»
لا يمكن النظر إلى استضافة عرض «Kataklò» بمعزل عن سياقها، فهي تحمل عدة دلالات ثقافية مهمة:
1- الانفتاح على التجارب العالمية
تعكس الاستضافة رغبة المؤسسات الثقافية في نقل أحدث الاتجاهات المسرحية إلى الداخل، وخلق حوار مباشر مع التجارب الدولية.
2- دعم المسرح التجريبي
يتقاطع عرض «Kataklò» مع مسار طويل تقوده مصر عبر مهرجانات مثل: مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، ما يعزز من حضور التجريب خيارًا فنيًّا معتبرًا.
3- تحفيز الفنانين المحليين
مشاهدة هذا النوع من العروض تفتح آفاقًا جديدة أمام المخرجين والممثلين وطلاب المعاهد الفنية، وتدفعهم إلى التفكير خارج الأطر التقليدية.

الجسد كلغة عابرة للثقافات
أحد أهم ما يميز عرض «Kataklò» هو اعتماده على لغة الجسد، وهي لغة:
- لا تحتاج إلى ترجمة
- تتجاوز الحواجز اللغوية
- تصل مباشرة إلى المتلقي
وهذا ما يجعل المسرح الحركي قادرًا على الآتي:
- خلق تواصل عالمي
- تقديم موضوعات إنسانية مشتركة
- توحيد التجربة الجمالية بين ثقافات مختلفة
تأثير العروض الحركية على المسرح العربي
تُمثِّل مثل هذه العروض فرصة لإعادة التفكير في عدة مفاهيم داخل المسرح العربي، منها: «مركزية النص / دور الممثل / طبيعة العرض المسرحي». وهذا قد يسهم في: «تشجيع التجارب الجسدية / تطوير الأداء غير اللفظي / دمج المسرح بالرقص والفنون البصرية»، وقد يفتح الباب أمام ظهور جيل جديد من المسرحيين أكثر جرأة في استخدام الجسد.
عرض «Kataklò» بين الفرجة والتأمل.. طبيعة تلقي هذا النوع من المسرح
لا يعتمد المسرح الحركي على السرد التقليدي، بل يراهن على:
- الإحساس
- الإيقاع
- التأثير البصري
ولذلك، فإن تلقيه يتطلب:
- انفتاحًا ذهنيًا
- استعدادًا للتأويل
- التخلي عن انتظار «الحكاية المباشرة»
وهذا التحول في التلقي يمثل أحد أهم مكاسب مثل هذه العروض.
التحديات التي تواجه المسرح الحركي
على الرغْم من نجاح العرض، فإن المسرح الحركي يواجه بعض التحديات في السياق العربي، مثل:
- محدودية انتشاره
- قلة التدريب المتخصص
- اعتياد الجمهور على المسرح النصي
- نقص الدعم الإنتاجي لهذا النوع من التجارب
ومع ذلك، فإن استمرار استضافة فرق عالمية قد يسهم في:
- تجاوز هذه التحديات تدريجيًا
- خلق بيئة أكثر تقبُّلًا للتجريب
عرض «Kataklò» كجزء من حراك ثقافي أوسع
يمكن قراءة هذه الاستضافة ضمن حراك ثقافي أشمل تسعى به القاهرة إلى:
- إعادة تأكيد دورها كمركز ثقافي إقليمي
- دعم الفنون المعاصرة
- تعزيز التبادل الثقافي الدولي
وهو ما يعيد إلى الأذهان دور مصر التاريخي في احتضان الفنون وتطويرها.
بصفتي كاتبًا مسرحيًّا أرى أن استضافة عروض مثل عرض فرقة Kataklò الإيطالية تتجاوز فكرة الترفيه لتصبح ضرورة ثقافية؛ لقد برهنت هذه الفرقة الإيطالية على أن لغة الجسد في المسرح تستطيع النطق بما تعجز عنه آلاف الكلمات.
إن المسرح التجريبي في مصر يحتاج إلى مثل هذه الصدمات الجمالية ليتحرر من قوالب الحوار التقليدية، ويدفع المبدع والجمهور معًا لقراءة المعنى من نبض الأجساد وحركتها في الفضاء المفتوح.
ما المسرح الحركي؟
هو أحد اتجاهات المسرح المعاصر الذي يعتمد على الجسد والحركة أداة رئيسة للتعبير وسرد الأحداث، متخليًا عن الحوار المنطوق أو مقللًا منه إلى الحد الأدنى، معتمدًا على الإضاءة والموسيقى والإيقاع البصري.
من هي فرقة Kataklò الإيطالية؟
هي فرقة أوروبية شهيرة تأسست على يد المخرجة "جيوليا ستاشولي"، وتشتهر بتقديم عروض مسرحية حركية تدمج بين الرقص المعاصر والأداء الرياضي، ويعتمد أعضاؤها على خلفيات قوية في الجمباز وألعاب القوى.
ما الفرق بين المسرح الحركي والمسرح التقليدي؟
يرتكز المسرح التقليدي بشكل أساسي على النص المكتوب والحوار المنطوق لتوصيل القصة، في حين يعتمد المسرح الحركي على لغة الجسد والإيماءات والتشكيلات الحركية لخلق حالة بصرية تترك مساحة واسعة لتأويل المشاهد.
ما هي أهمية عروض المسرح التجريبي في القاهرة؟
تسهم هذه العروض في كسر الأنماط التقليدية للفرجة، وتطوير الذائقة الفنية للجمهور، إضافة إلى تحفيز المخرجين والممثلين المحليين على استكشاف أدوات تعبيرية جديدة والانفتاح على التجارب العالمية الرائدة.
وفي النهاية، فإن استضافة عرض «Kataklò» الإيطالي في القاهرة لم تكن فعالية فنية، بل تجربة ثقافية متكاملة كشفت عن إمكانات جديدة للمسرح، وأكدت أن الجسد يمكن أن يكون وسيلة تعبير لا تقل عمقًا عن الكلمة، بل قد يتجاوزها.
فقد أتاح هذا العرض فرصة نادرة للجمهور المصري للتفاعل مع شكل مسرحي عالمي متطور، وفتح الباب أمام تساؤلات حيوية حول مستقبل المسرح وحدوده، ودور التجريب في الحفاظ على حيويته.
وفي زمن تتغير فيه أدوات التعبير بسرعة، يظل مثل هذا اللقاء بين الثقافات عبر لغة الجسد تذكيرًا بأن المسرح، في جوهره، هو فن إنساني قادر دائمًا على التجدد، ما دام مستعدًا للمغامرة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.