ليس غريبًا أن يعود المصري القديم إلى المسرح المصري، لكن اللافت في «كتاب الموتى - الاسم المفقود» أن العودة لا تأتي في صورة احتفالية بالماضي ولا بوصف الحضارة المصرية القديمة مجرد خلفية بصرية لعرض معاصر، وإنما تأتي من سؤال أكثر تعقيدًا: ماذا يمكن أن يقول إنسان عاش منذ آلاف السنين للإنسان الذي يعيش اليوم وسط الشاشات والصور والسرعة وتعدد الهويات؟ وكيف يمكن لمفاهيم مثل الموت والعبور والذاكرة والاسم والبحث عن الذات أن تنتقل من عالم البرديات إلى خشبة مسرح تجريبي؟
هذا السؤال هو المدخل الأهم لقراءة العرض المصري الذي شارك ضمن المسابقة الرسمية للدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، من إخراج عزت إسماعيل.
عندما يصبح كتاب الموتى سؤالًا عن الأحياء
المفارقة الأساسية في العرض أن «كتاب الموتى» الذي يبدو من عنوانه مرتبطًا بالموت يمكن أن يتحول على المسرح إلى وسيلة للحديث عن الحياة، فالإنسان المصري القديم لم يكن يتعامل مع الموت على أنه نهاية صامتة، وإنما كان يراه رحلة لها قوانينها وأسئلتها وطقوسها، وكانت النصوص الجنائزية المرتبطة برحلة المتوفى إلى العالم الآخر تحمل تصورات عن الحساب والعبور والحق والنور والهوية، وعندما يستعيد المسرح هذه المادة اليوم فإنه لا يحتاج إلى إعادة شرحها كما كانت، وإنما يستطيع أن يسأل: ماذا بقي من هذه الأسئلة في الإنسان المعاصر؟ وهل تغيرت مخاوفنا فعلًا أم تغيرت فقط الأدوات التي نواجه بها هذه المخاوف؟

الاسم المفقود.. لماذا الاسم تحديدًا؟
العنوان الفرعي «الاسم المفقود» هو أكثر عناصر التجربة قدرة على فتح باب التأويل، لأن الاسم ليس مجرد علامة للتعريف بالإنسان، وإنما يمكن أن يصبح رمزًا للهوية والوجود والذاكرة، وحين يفقد الإنسان اسمه فإن السؤال لا يعود فقط إلى من يكون هذا الشخص، وإنما إلى ماذا يبقى منه إذا اختفت العلامات التي كان يعرف بها نفسه ويعرفه بها الآخرون، وهذه الفكرة تبدو شديدة المعاصرة في زمن أصبحت فيه للإنسان صور متعددة: صورة في الواقع وصورة على مواقع التواصل وصورة مهنية وصورة رقمية، حتى أصبح السؤال عن الهوية أكثر تعقيدًا من مجرد معرفة الاسم.
وعلى هذا الأساس يمكن قراءة العنوان على أنه انتقال من سؤال المصري القديم عن بقاء الاسم بعد الموت إلى سؤال الإنسان الحديث عن بقاء ذاته وسط عالم قادر على صناعة آلاف الصور عنه، فالمصري القديم كان يخشى أن يختفي اسمه من الذاكرة، والإنسان المعاصر قد يخشى شيئًا آخر: أن يبقى اسمه وصورته في كل مكان في حين تختفي شخصيته الحقيقية خلف هذه الصور، وفي الحالتين يظل سؤال واحد يربط الماضي بالحاضر: من هو الإنسان الذي نريد أن يبقى بعد أن تتغير كل الأشياء من حوله؟
عرض لا يعيد الماضي.. بل يضعه في مواجهة الحاضر
شارك «كتاب الموتى – الاسم المفقود» ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وقُدِّم على مسرح الجمهورية يومي 2 و3 سبتمبر 2026، وهو من إخراج عزت إسماعيل، وقُدِّمت التجربة من خلال مزيج من الحركة والرقص المعاصر والموسيقى والصورة والتكنولوجيا، وهو ما يجعلها أقرب إلى بناء مسرحي متعدد اللغات بدلًا من الاعتماد على الحوار على أنه الوسيلة الوحيدة لصناعة المعنى.
وهذا الاختيار مهم لأن التعامل مع الحضارة المصرية القديمة على المسرح يقع أحيانًا في فخ الصورة الجاهزة، فتتحول الرموز الفرعونية إلى ديكور وتتحول الملابس والأقنعة والأشكال القديمة إلى وسيلة لإثارة الإعجاب البصري فقط، أما التجريب الحقيقي فيبدأ عندما تصبح هذه الرموز قادرة على إنتاج معنى جديد، وهو ما يحاول العرض أن يفعله من خلال نقل فكرة العبور من عالم الموتى إلى عالم الإنسان المعاصر، ومن خلال وضع الجسد والصورة والتكنولوجيا في مواجهة الرموز القديمة.
الجسد يروي ما لا يقوله الكلام
اختيار الرقص والحركة في «كتاب الموتى - الاسم المفقود» ليس تفصيلًا جماليًا، لأن الجسد في هذا العرض هو أحد أهم الأدوات التي تحمل فكرة الرحلة، فالإنسان الذي يعبر من حالة إلى أخرى لا يحتاج دائمًا إلى خطاب طويل كي يعبر عن خوفه أو مقاومته أو بحثه عن الخلاص، ويمكن للحركة والإيقاع والوقوف والسقوط والتجمع والانفصال أن تقدم هذه الحالات بصورة مباشرة وحسية، وهو ما يجعل المتفرج شريكًا في بناء المعنى بدلًا من أن يكون مجرد متلقٍ لحكاية مكتملة.
وهذا النوع من المسرح يضع المتلقي أمام تجربة مختلفة، فبدل أن يتلقى المعلومات من الحوار، يبدأ في قراءة الصورة والحركة والموسيقى والإضاءة، وقد يصل متفرجان إلى تأويلين مختلفين للمشهد نفسه، وهذه ليست بالضرورة مشكلة في المسرح التجريبي، بل قد تكون إحدى أدواته الأساسية، لأن التجربة لا تقدم دائمًا إجابة واحدة بقدر ما تفتح مساحة للتأمل.

من الظلام إلى النور
تتحرك التجربة بصريًا من العتمة نحو النور، وتظهر الأرواح في فضاء شديد الظلمة قبل أن يبدأ الضوء في تشكيل مسارات مختلفة أمامها، ثم تظهر مفردات مرتبطة برحلة العبور في المخيال المصري القديم، ومن بينها المركب المرتبط بالانتقال إلى العالم الآخر، وهي عناصر لا تأتي بوصفها إعادة بناء أثرية للماضي، وإنما تدخل في تشكيل عالم مسرحي جديد يوظف الرمز القديم داخل رؤية معاصرة.
وفي هذا التشكيل البصري، يصبح الضوء أكثر من مجرد عنصر في تصميم الإضاءة؛ إذ يمكن أن يُقرأ على أنه معرفة أو خلاص أو انتقال أو كشف، في حين يصبح الظلام حالة من فقدان اليقين. وبين الاثنين تتحرك الشخصيات وكأنها تبحث عن طريق لا تعرف نهايته، وهذه الصورة تمنح العرض فرصة لأن يتجاوز الحكاية الفرعونية المباشرة إلى معنى إنساني أوسع يمكن أن يصل إلى متفرج لا يعرف شيئًا تقريبًا عن النصوص المصرية القديمة.
لماذا يحتاج الماضي إلى التكنولوجيا؟
قد يبدو الجمع بين «كتاب الموتى» والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا مفارقة مقصودة، لكنه في الحقيقة من أكثر عناصر الفكرة منطقية؛ لأن العرض لا يريد أن يعيد الإنسان القديم إلى عصره، وإنما يريد أن يضع تصوراته أمام أدوات عصرنا. ولذلك تصبح الشاشة والصورة الرقمية والتقنيات البصرية جزءًا من الحوار بين زمنين: زمن كان الإنسان فيه يسجل حضوره على جدران المقابر والبرديات، وزمن يسجل فيه الإنسان حضوره عبر الهواتف والشاشات والمنصات الرقمية.
وبين الكتابة على الجدران والنشر على الشاشة توجد مسافة آلاف السنين، لكن تشابهًا واضحًا يجمعهما في الرغبة الإنسانية في ترك أثر؛ فالمصري القديم أراد أن يبقى اسمه وصورته وذكراه، والإنسان المعاصر يترك صوره وكتاباته ومقاطع الفيديو وبياناته في فضاء رقمي لا يمحى بسهولة. وفي ضوء ذلك، يمكن للتكنولوجيا داخل العرض ألا تكون مجرد استعراض بصري، وإنما أن تصبح جزءًا من السؤال الفلسفي الذي يطرحه العمل عن معنى أن يظل الإنسان حاضرًا بعد غيابه.
ماعت.. من الحساب القديم إلى مواجهة الذات
من المفاهيم التي تمنح استلهام «كتاب الموتى» قوته الدرامية فكرة «ماعت» المرتبطة في الفكر المصري القديم بالحق والنظام والاتزان، وهي فكرة يمكن للمسرح الحديث أن يعيد النظر فيها بعيدًا عن معناها التاريخي المباشر. فالحساب يمكن أن يتحول إلى مواجهة للإنسان مع نفسه، ومع ما فعله وما تركه وما أصبح عليه. وحين تخرج هذه الفكرة من سياق العالم الآخر وتدخل إلى الحياة المعاصرة، فإنها تطرح سؤالًا صعبًا: هل يستطيع الإنسان أن يقف أمام صورته الحقيقية بعيدًا عن الأقنعة التي صنعها لنفسه؟
وبذلك، يصبح الموت مجرد نقطة انطلاق وليس موضوعًا نهائيًا؛ لأن الرحلة الحقيقية يمكن أن تكون رحلة اكتشاف الذات، وما يواجهه الإنسان ليس مصيره بعد الموت فقط، وإنما صورته أمام نفسه. وهو ما يجعل استلهام الحضارة المصرية القديمة قادرًا على إنتاج خطاب معاصر بدلًا من الاكتفاء بإعادة سرد معتقدات قديمة.
عزت إسماعيل.. اختيار الحركة بوصفها لغة
يرتبط العرض بتجربة عزت إسماعيل في مجال الرقص والحركة المعاصرة، وهو ما يفسر جانبًا مهمًا من اختياره لهذا الشكل المسرحي. فحين يكون الجسد جزءًا أصيلًا من مشروع المخرج، يصبح من الطبيعي أن تُقرأ المادة المصرية القديمة من خلال الحركة، وليس من خلال الحوار وحده. ولذلك يتحول «كتاب الموتى» من نص تاريخي إلى مادة بصرية يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها فوق الخشبة.
وتشارك في التجربة مجموعة من الفنانين في مجالات الأداء والحركة والدراماتورجيا والكوريغرافيا والموسيقى والإضاءة والأزياء، وهو أمر يكشف أن العرض لا يقوم على عنصر منفرد، وإنما على تركيب جماعي. فالصورة النهائية التي يراها المتفرج هي نتيجة تفاعل الجسد مع الموسيقى والإضاءة والفيديو والفضاء، وليست مجرد تنفيذ لرؤية بصرية منفصلة عن بقية عناصر العرض.

لماذا يصلح «كتاب الموتى» للمسرح التجريبي؟
المادة نفسها تحمل قدرًا كبيرًا من القابلية للتجريب؛ لأنها لا تقدم حكاية واحدة مغلقة بقدر ما تفتح أمام الفنان مجموعة ضخمة من الرموز والأسئلة والصور. فهي تضم رحلة وعبورًا وموتًا وحسابًا ونورًا وظلامًا واسمًا وهوية، وهذه كلها مفردات يمكن أن تتحول من اللغة المكتوبة إلى الحركة والصورة والموسيقى. ولذلك فإن اختيارها في مهرجان متخصص في المسرح التجريبي لا يبدو بحثًا عن غرابة الموضوع بقدر ما يبدو بحثًا عن مادة تسمح بإعادة تشكيل اللغة المسرحية.
والتجريب بهذا المعنى لا يعني أن العرض يتخلى عن الجمهور، بل يعني أنه يطلب من الجمهور طريقة مختلفة في المشاهدة. فالمتفرج لا ينتظر فقط أن يعرف ماذا حدث، وإنما يبحث أيضًا عن معنى ما يراه. وقد يخرج من العرض وهو يحمل سؤالًا أكثر مما يحمل إجابة، وهذه إحدى القيم الأساسية التي يمكن أن يحققها المسرح عندما يرفض أن يقدم كل شيء بصورة مباشرة.
المصري القديم ليس بطلًا في العرض
أحد أهم التحولات التي يمكن ملاحظتها في الفكرة أن المصري القديم ليس هو الشخصية الرئيسية بالمعنى التقليدي؛ فالمادة التاريخية هي المدخل، لكن الإنسان المعاصر هو الهدف. وهذا فارق كبير بين عرض يستلهم الحضارة القديمة وعرض يعيد إنتاجها؛ ففي الحالة الأولى يكون الماضي مادة للتفكير في الحاضر، أما في الحالة الثانية فيصبح الماضي هو الغاية نفسها.
ولذلك، فإن قيمة «كتاب الموتى – الاسم المفقود» لا تقاس بقدرته على تقديم صورة دقيقة للمصري القديم فقط، وإنما بقدرته على جعل المتفرج المعاصر يرى نفسه داخل هذه الرحلة. فالخوف من فقدان الاسم يمكن أن يصبح خوفًا من فقدان الهوية، والعبور يمكن أن يصبح انتقالًا بين مراحل الحياة، والحساب يمكن أن يصبح مواجهة مع الذات، والبحث عن النور يمكن أن يصبح بحثًا عن معنى وسط عالم شديد الارتباك.

التراث عندما يتوقف عن كونه متحفًا
ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في التجربة كلها؛ فالتراث لا يصبح حيًا بمجرد أن نعيد ارتداء ملابسه أو نكرر رموزه، وإنما يصبح حيًا عندما نستطيع أن نسأله أسئلة جديدة. و«كتاب الموتى – الاسم المفقود» يحاول أن يفعل ذلك من خلال وضع مادة شديدة القدم أمام أسئلة شديدة الحداثة: الهوية الرقمية والذاكرة والصورة والتكنولوجيا والبحث عن الذات. وبذلك يتحول التراث من مادة محفوظة في المتحف إلى مادة تدخل في حوار مع الإنسان الموجود أمام الخشبة.
وهذه الطريقة في التعامل مع الحضارة المصرية القديمة تستحق الانتباه؛ لأنها تفتح للمسرح المصري طريقًا مختلفًا. فبدلًا من أن يظل التراث مجرد مصدر للموضوعات التاريخية، يمكن أن يصبح مصدرًا للأفكار والأسئلة، ويمكن للمسرحي أن يأخذ منه مفهومًا أو رمزًا أو سؤالًا ثم يعيد وضعه في سياق مختلف. ومن هذا التحول تحديدًا يبدأ التجريب الحقيقي، عندما يصبح الماضي مادة لتوليد الحاضر لا مجرد صورة له.
وعلى هذا النحو، تتحول التجربة من عرض مستلهم من «كتاب الموتى» إلى مواجهة مع سؤال إنساني قديم لا يزال حاضرًا: ماذا يبقى من الإنسان عندما يرحل؟ وهل الخلود هو أن يبقى الاسم أم أن يبقى الأثر؟ وربما لهذا السبب تحديدًا تبدو المادة المصرية القديمة مناسبة جدًا للمسرح التجريبي؛ لأنها تسمح بأن نبدأ من الموت ثم نكتشف أننا نتحدث عن الحياة، وأن نبدأ من المصري القديم ثم نجد أنفسنا أمام الإنسان المعاصر، وأن نبحث عن الاسم المفقود فنجد في النهاية أن السؤال الحقيقي ليس أين ذهب الاسم، وإنما ماذا فعل صاحبه لكي يستحق أن يبقى.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.