قصة " عبقرية أمير الثعالب ".. قصة قصيرة

في الصباح الباكر من كل يوم يفتح الراعي باب الحظيرة، وتخرج الأغنام إلى المرعى الذي يبعد ميلين عن الحظيرة، بما أن مناخ المنطقة معتدل إلى حار نسبياً، تنمو الأعشاب قبل نظيرتها في المناطق الباردة والمعتدلة البرودة، وبالتالي تكثر قطعان الأغنام في المراعي، أما في المناطق الباردة والمعتدلة البرودة شمالًا لا تزال الأغنام تتغذى على العلف الجاف فتكون في حظائرها في مأمن من الذئاب وبنات آوى والثعالب والضباع.

كثيرًا ما يقتني الراعي حمارًا وكلبًا أو كلبين، الحمار ليحمل عليه طعام الإفطار والغداء ولوازم الشاي، والأشياء الصغيرة والخفيفة، أما الكلاب فلحراسة الأغنام، زاد الراعي على المألوف واقتنى ثورًا فتيًا، لا يزال عجلًا، بما أن الأغنام لا تسطيع منافسة العجول كان يأكل العشب النامي والطري، لذلك كان نُموّه سريعًا.

ثعلب أعرج، عامله قطيع الذئاب المجاور باحتقار لرائحته النتنة من أكل الجيف، فكانوا عندما يتوفر الطعام لهم يمنعوه، فيظل بعيدًا إلى أن يستكفي الجميع، فإن بقي شيء أكل، وإن لم يبق شيء بات جائعًا، كره الثعلب الحياة قرب ذلك القطيع، خاصة وأنه في أواخر الشتاء يكون الطعام  نادرًا وإن وُجِد يكون قليلًا، واتجه نحو الجنوب إلى المناطق الأكثر دفئًا، بدأ هناك الربيع وموسم ولادة الأغنام قد اقترب.

سار الثعلب تسعة أيام بلياليها على ثلاثة أطراف؛ لأن الطرف الرابع مكسور من الفخذ، وكان يتغذى على  بقايا الجيف والحيوانات النافقة وجذور بعض الأشجار، حتى وصل إلى مراع مليئة بالأعشاب الخضراء اليانعة، كانت أغنام ذلك الراعي ترعى هناك، "كم أنت محظوظ أيها الاعرج" قال الثعلب ذلك، وعضّ الطرف المكسور، فسمع طقطقة خفيفة في رجله، ولكنه شعر بارتياح عندما عضّ نفسه، ضغط على جزأي الكسر في عظم الفخذ، فعادت العظام إلى مكانها دون قصد منه، وما هي إلا أيام قلائل حتى تعافى ومشى طبيعيًا.

ظل الثعلب في اليوم الأول يراقب الكلاب، فلاحظ أنها تتكاسل، ومن ثم تنام تحت أشعة الشمس الدافئة في منتصف النهار، فيسرع إلى الخراف حديثة الولادة، ويقتل إحداها ويتركه في مكانه، في الليل وبعد أن تعود الأغنام إلى حظيرتها، يرجع ويأكل من ذلك الخروف حتى يشبع، ثم يجُرّ ما تبقى منه إلى جحره.

سمع الثعلب مرة ضباح أنثى، كان الضباح قريبًا، إنه نداء التزاوج، سار إليها فرحًا، فاستقبلته بحذر، وعندما اطمأنّت له، سارت معه إلى جحره الذي كانت تفوح منه رائحة اللحم الطازج، فأكلت وأكلت بشراهة، إنها المرة الأولى التي تأكل بها لحم خروف طازج، كان يتركز طعامها على الطيور والأرانب والفئران والجيف، في اليوم الثالث طلبت منه أن تبلغ أخواتها وبنات أعمامها وتأتي بمن يقبل منهم المجيء معها، "على الرحب والسعة، قدومهم مكسب لي ولك، طالما أنك ستلدين من ذريتي، فلن تخذلينني".

تساءل الثور لماذا لا تحرك الأغنام ساكنًا سوى الهروب من وجه الثعالب؟ "إنها لا تظهر عندما تكون الكلاب في نشاطها، ولا تقترب مني، احترامًا أم خوفًا؟ سألتصق بالكلاب وأمنعها من النوم". 

راقبت الثعالب المشهد، واحتارت في أمرها، اقتربت الشمس من المغيب، وبدأت معدها بالقرقرة، أحست بالجوع.

جمع الراعي أغنامه بمساعدة الكلاب وعدّها، لقد تنفس الصعداء ليست ناقصة، أما الثعالب فجلست في وكرها، وأكلت ما زاد من طعام الأمس، ولم يشبع أي منها، "على هذا المنوال، سنعود لأيام التعب والشقاء، لأيام الأرانب والجري وراءها، واصطياد الطيور في غفلتها، والهروب من الذئاب ومطاردتها، فلا بدّ من إيجاد وسيلة للاستيلاء على المرعى، عندئذِ سنربي الأغنام على طريقتنا، مثلما أذَلّتنا الذئاب، سنذل الأغنام ونتلذّذ في ذلك"، قال الثعلب صاحب الجحر، الأعرج سابقًا.

وهنا انبرت له أم أولاده، وقالت: "من المبكر لأوانه الاستيلاء على المرعى، فالغنم جبانة، ولا يستطيع الجبان أن يصبح بطلًا بين ليلة وضحاها، يكفينا أن نتدبر أمرنا، يومًا بيوم".

في الحظيرة اجتمع العجل بالفحل، وقال له: "أمر مؤسف أن تظل الأغنام جبانة، ويتناقص عددها، بينما أنا والكلبين نحمي القطيع".

سأدعو كل كبش بالغ عاقل للاجتماع هذه الليلة، وسوف نرى ماذا نستطيع أن نفعل.

وفي اليوم التالي قرّر قطيع الثعالب أن ينقل وكره إلى داخل المرعى، وبالقوة إذا لزم الأمر، ولكنه لم يلزم، ما أن علم أمير الثعالب بما حصل لأبناء عشيرته من جوع وأذى، وأنهم مهدّدون بالفناء، تفاهم مع الكلاب والثور والفحل الأكبر، وحقق لكل منهم كل ما يريده ويحلم به، على أن يستفيد قطيع الثعالب جزئيًا من المرعى، وإن استفاد كليًا منه، يكون الخير مضاعفًا.

اجتمعت كبار الأكباش، والتي أصبحت بالغة وتنافس الفحل، لتتدارس الوضع، كيف يمكن أن تطيح بالثعالب؟ واحد قال بأن المراعي فسيحة من حولهم، ولا يجد مانعًا في الانتقال إليها، وقال آخر بأنه لا حول له ولا قوة، وفي ثورة غضب انشق عنهم الثالث واتهمهم بالجُبن، "لنا قرون، وسننطح من يعادينا".

كان الصغار نائمين، فنهضوا على صوت الشتائم والمهاترات، واختلسوا السمع لعلهم يفهمون شيئًا، ولم يفهموا، فقال أصغرهم، ويطلقون عليه «الغضيب»، أنّ عنده خطة، لكنها مكلفة، من سيدفع الثمن؟ طلبوا من العجل، وقد أصبح ثورًا أن يعاونهم بالثمن، فقال "سأوفر العناء عليكم، وعَلَيّ، نتقاسم المرعى، أو يأخذوه كله ويعطونا في مكان ما مرعى غيره، بديلًا عنه".

أما ولم يعجبهم هذا الحل، غضب الثور منهم واتفق مع الثعالب، أما الكلاب، فقالت: "مهما عملنا لن نكون أكثر من كلاب، نتعب ونخلص بالعمل وبالتالي لا نسلم من شرّ الغنم أثناء خروجها وهي مندفعة، تدوس علينا، أما ملاكها فيرموننا بالحجارة لدى كل غلطة، لننأى بأنفسنا ونظل بعيدين عن الثعالب وحيلها ومكائدها".

ولما استشاروا كبش غنمهم الأكبر قال: أنا بصراحة مع الثعالب، قالوا بأنه عندما تنمو الأعشاب في الشمال، وفي نفس الوقت تزدهر المروج في الجنوب بالورود والزهور، سيقومون بإخلاء المرعى بالتدريج، فلنجربهم، وقال الصغار: "لا يفلح الأرض إلا عجولها، ولا يسرح جديانها إلا بمروجها"، سنتحمل الثمن كله وحدنا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة