عَبَرات فلسطيني

الفصل 1

رفرف علم الصهاينة اليهود على بقعة من أطهر البقاع على سطح الأرض، وحلّقت طائراتهم في جوِّها، وعاث فيها المفسدون غير آبهين بقدسيّة المكان، قُتل المسلمون الأبرياء رجالاً ونساءً وأطفالاً وعجائز، كلهم بلا استثناء.

ترمّلت النساء، وثكلت الأمّهات، وحُرم الأطفال من آبائهم، وحُرموا من براءتهم..

يا حسرتاه.. لم يعرفوا معنًى للعب أو الدراسة، لم يذوقوا حلاوة الاستقرار والأمان، وسمير واحد منهم.

استُشهد والده وهو دون الثامنة، وفقد أخاه في إحدى الغارات الإسرائيلية الغاشمة، بقي وحيداً مع أمه العاجزة، وذاق مرارة الفقر بعدما كان غارقاً في العز والعمل.

لم ينس أبداً ذلك اليوم الذي دخل فيه رجال -بهيئة غريبة، ولباس عجيب- منزلهم، وأرادوا نهب خيراته، فتصدى لهم والده فلم يتوانوا في رميه برشاشاتهم القوية..

استعاد مشهد والده مُضرجاً بدمائه جثة هامدة سالت عبراته على وجنتيه واستقر في فؤاده بغض ومقت لإسرائيل وأعوانها.

ها هو الآن في مدرسته التي بقي فقط نصفها وذهب الآخر جرّاء قصف عنيف استهدف تلك المنطقة..

جاءه صديقه وخليله رائد، ألقى عليه التحية وجلسا يتسامران ويضحكان ضحكات سلبت الأحداث الأخيرة جمالها إلى أن رن الجرس مُسفراً عن أوان وقت الدرس.

دخلوا إلى قاعة درسهم وكان درسهم اليوم حول فتح القدس الثاني على يد صلاح الدين الأيوبي، كان المعلم يسرد وقائع حطين وعزّ المسلمين وتسامحهم مع أهل المِلل الأخرى.

لم يقتلوا الأبرياء رغم قدرتهم، لم ينهبوا بلادهم وهي في متناولهم، سمع من معلمه أهمية القدس والأقصى في نظر المسلمين، وهناك أوقفه يسأله ويستفسره:

-ولماذا لا يهُبّ المسلمون لنصرة القدس ما دام مهماً بالنسبة لهم؟

أجابه المعلم دون اكتراث:

-لقد حاولوا، لكن قوتهم لا تكفي لطرد الكيان الصهيوني.

جلس على مضض غير مقتنع بإجابته وأمضى باقي الحصول في شروده لا يفقه من كلام مهامه شيئاً.

الفصل 2:

كان يسير في شوارع القدس على غير هُدى، يُخضع رأسه ذلاً كلما مر على نفر من جند إسرائيل، ثم يرمقهم بمقت ما ابتعد عنهم.

نظر إلى يمينه فوجد الأقصى في انتظاره، سرى إليه بسرعة وكأنه تائه وجد طريقه.

جلس في فنائه يتأمل الجدران القابعة في الصمت، يعلم ما في هذه الجدران من أهمية فعليها يتصارع اليهود والمسلمون، جلس يخاطبها آملاً أن تطفئ حيرته:

-أخبريني يا جدران.. لماذا لا يَهُب المسلمون لنجدتك؟ أَرَضوا بالمذلة أم أنهم كما قال معلمي لا يستطيعون؟

لا جواب إلا أنهم فرقتهم فعلت هذا، فلو أنهم اتحدوا ما تركوكِ لليهود.

-آه ماذا يفعل صلاح لو رآكِ بهذه الحال؟

أَلاَ لَيْتَ صَلَاح ُيَعُودُ يَوْمًا

فَأُخْبِرُهُ بِأَنَّ الأَقْصَى أَسِيرْ

فَلَا شَكَّ أَنَهُ سَيُجَنُّ حَتْمًا

وَيَعْزِمُ لِنُصْرَتِهِ عَلَى المَسِيرْ

وفي الغد كانت الصدمة الكبرى صديقه وخليله رائد.

-استُشهد رائد.

ظل يكرر هذه العبارة وهو ينتحب، ما أسوأ الشعور بفقدان أعز الناس عليك، فبعد أبيه وأخيه يأتي دور رفيق دربه وطفولته..

لقد بقي وحيداً، من سيعينه ويواسيه؟

ومن سيسليه بالأحاديث وبجانب من سيجلس في المدرسة؟

الفصل 3:

استيقظ صباحاً مفعماً بالأمل والتفاؤل، ربما حلم أثناء نومه أن المسلمين استعادوا القدس..

كانت البسمة تضيء وجهه، لم يكن يعلم أن هذا اليوم هو يومه الأخير، ودع أمه بعدما طبع قبلة على جبينها ثم غادر المنزل.

 كان في طريقه للمدرسة حين استوقفه أحد جنود الاحتلال، وطلب منه هويته، أعطاها له فسمح له بالمغادرة بعد ما شتم الفلسطينيين والإسلام، فثارت دماء سمير، وانقضّ على الجندي يكيل له اللكمات والصفعات، غير أن رشاشات الاحتلال كانت له بالمرصاد..

فانهال الرصاص من كل صوب ينهش جسداً أعزلاً لا حول له ولا قوة، سقط سمير جثة هامدة وعلى ثغره ابتسامة رضا بما وصل إليه..

لم يجزع من الموت..

وفِيمَ الجزع وقد مات وهو يدافع عن دينه ووطنه؟

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب