عبد الله النديم أحد أبرز رموز الوعي الوطني المصري في القرن التاسع عشر، واشتهر بلقب خطيب الثورة العرابية، استخدم الصحافة الساخرة مثل مجلة التنكيت والتبكيت لمقاومة الاحتلال والاستبداد.
في هذا المقال، نستعرض قصة حياة شخصية عبد الله النديم والصحافة الوطنية، وسر اختفائه لسنوات، وأهم كُتب عبد الله النديم التي كونت وجدان الأمة، كيف تشكّلت شخصية عبد الله النديم؟ وما دوره الحقيقي في الثورة العرابية والصحافة الوطنية؟ ولماذا ظل اسمه حاضرًا في تاريخ مصر الحديث حتى اليوم؟
في تاريخ النضال الوطني المصري يبرز اسم عبد الله النديم بوصفه أحد أبرز رموز الوعي الشعبي في القرن التاسع عشر، وصوتًا صادحًا بالحرية في وجه الاستبداد والاحتلال.
جمع النديم بين الأدب والسياسة والصحافة، فكان خطيبًا مفوَّهًا للثورة العرابية، وصحفيًا جريئًا سخَّر قلمه لإيقاظ الضمير الوطني. تنقّل بين الفصحى والعامية ليصل إلى مختلف طبقات المجتمع، وخلّف مؤلفات مهمة على الرغم من ضياع كثير منها، كما عاش مطاردًا سنوات طويلة بعد فشل الثورة.
برز عبد الله النديم كخطيبٍ بارزٍ في الثورة العرابية، حيث استخدم الصحافة والخطابة لإيقاظ الوعي الوطني ومقاومة الاستبداد والاحتلال، خاصة عبر مجلته الساخرة «التنكيت والتبكيت».
من هو عبد الله بن النديم؟
هو عبد الله بن مصباح بن نديم الإدريسي الحسني، من الأشراف، ويصل نسبه إلى الحسن حفيد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وُلد في قرية الطيبة بمحافظة الشرقية في تاريخ ميلاد يختلف عليه الذاكرون لسيرته، فبعض الآراء تقول إنه وُلد في عام 1842م، وآراء أخرى تذكر أنه وُلد عام 1845م لوالد بسيط كان يعمل نجارًا في ترسانة الإسكندرية، ومن أجل ذلك انتقلت العائلة مع الوالد للعيش في الإسكندرية، لكن سُرِّح والد عبد الله من عمله بعد هزيمة محمد علي في الشام عام 1841م على يد الجيش العثماني، وعُقدت اتفاقية على إثرها أُغلقت الترسانة في الإسكندرية.

بعد ذلك افتتح والده فرنًا صغيرًا في منطقة القباري في الإسكندرية، وهناك تربى عبد الله، وحفظ القرآن الكريم، ودرس في المسجد الأنور مدة، وبعد ذلك ترك الدراسة فيه، ثم ذهب إلى الأدب، وأخذ يتنقل بين المجالس الأدبية.
بعد ذلك انتقل إلى القاهرة للعمل موظفًا في التلغراف، وكان ذهابه إلى القاهرة أكثر جدوى لشغفه، فقد وجد هناك كبار المثقفين وعلى رأسهم أستاذه الأعظم جمال الدين الأفغاني، وعمل مدة في قصر الأميرة خوشيار زوجة الخديوي إسماعيل، لكنه فُصل بسبب تردده إلى مجالس الشيخ جمال الدين الأفغاني، بل إن خليل الآغا مدير القصر دبَّر له مؤامرة لقتله، لكنه نجا منها بأعجوبة، وبعدها فصلوه من وظيفته الحكومية، فكان ذلك سببًا كبيرًا في كراهيته أسرة محمد علي.
محاولة قتل عبد الله النديم
توجد قصة أخرى بخصوص محاولة قتل عبد الله النديم، وهي أن (النديم) كتب شعرًا مسيئًا في خليل آغا قائلًا:
شوف الآغا في النغنغا
زي التيران في المزرعة
لو كنت أنا صاحب الآغا
كنت اشتريتله بردعة
ويقال إنه حين سمع خليل آغا بذلك الشعر أمر بضرب النديم بالقباقيب وجلده.
عبد الله النديم خطيب الثورة العرابية
برز اسم النديم بقوة خلال أحداث الثورة العرابية بقيادة أحمد عرابي، حتى اشتهر بلقب عبد الله النديم خطيب الثورة العرابية. فقد كان النديم يخطب في المساجد والميادين بلغة تجمع بين البلاغة والحماسة، فلامست مشاعر العامة وأيقظت الحس الوطني عند المصريين. فإذا سألت عزيزي القارئ: من هو شاعر الثورة العرابية؟ فالإجابة بالتأكيد عبد الله النديم، الذي امتاز بأسلوب أدبي حماسي، عبّر عن روح الثورة وأهدافها، وعن تطلعات البسطاء في الحرية والعدل.
عبد الله النديم بين الفصحى والعامية
من القضايا اللافتة في تجربة النديم الأدبية تأرجح عبد الله النديم بين الفصحى والعامية، فقد أدرك النديم أن اللغة وسيلة تأثير، فمزج بين الفصحى الرصينة والعامية المصرية الساخرة. استخدم النديم الفصحى في المقالات الجادة والخطب الرسمية، في حين لجأ إلى العامية في النقد الاجتماعي الساخر، ليصل إلى مختلف طبقات المجتمع، ويجعل كلمته أكثر انتشارًا وتأثيرًا.
عبد الله النديم والصحافة الوطنية
عرف النديم دور الصحافة ومكانتها وتأثيرها في جموع الشعب، فكان له دور محوري في دعم الصحافة الوطنية باعتبارها أداة مقاومة فكرية، لذا فقد سخَّر قلمه للدفاع عن مبادئ الثورة العرابية، وكتب مقالات تنادي بالعدالة الاجتماعية وترفض التدخل الأجنبي. ولم يخشَ في قول الحق لومة لائم. حتى بعد فشل الثورة ظل في نضاله الوطني بفضل موقعه كونه صحفيًّا وكاتبًا.
ومن أبرز منابره الصحفية مجلته «التنكيت والتبكيت» التي اتخذها وسيلة للنقد السياسي والاجتماعي بأسلوب ساخر جريء، منتقدًا سياسات الخديوي والتغلغل الأجنبي في شؤون البلاد.

ومجلة «التنكيت والتبكيت» هي صحيفة أدبية ساخرة، أصدرها الأديب والخطيب المصري عبد الله النديم في 6 يونيو 1881م، بهدف نقد الأوضاع الاجتماعية والسياسية بأسلوب كوميدي ساخر.
وقد خاطبت هذه الصحيفة جميع فئات المجتمع بلغة سهلة، وتضمنت مقالات، وحوارات، وأزجالًا تهدف للإصلاح ومحاربة الجهل؛ لذا فقد كانت علامة فارقة في الصحافة المصرية.
تستطيع أن تعد القرن التاسع عشر هو قرن مواجهة الاحتلال. ومن ضمن صور هذه المقاومة ما قدمه عبد الله النديم من إسهامات صحفية من أجل تأجيج مشاعر المصريين ومناداته الدائمة لمساندة الأفكار التي تقف حائلًا ضد الاستعمار الذي أتى بداعي حماية المصالح البريطانية داخل الأراضي المصرية.
كُتب عبد الله النديم
كتب عبد الله النديم مؤلفات عدة، لكن غالبها اختفى لعدة أسباب، منها أن عبد الله النديم كان مطلوبًا من الحكومة المصرية بسبب آرائه، فكانت مؤلفاته تمثل خطرًا على من يحملها، أما السبب الثاني فلأن عبد الله النديم جمع مؤلفات له في آخر أيامه وأحرقها؛ وذلك لأن بعضًا منها كان يحتوي ذمًا لبعض الشخصيات والإساءة إليهم.
شكَّلت كتب عبد الله النديم جزءًا مهمًا من التراث الفكري الوطني. وقد تنوَّع إنتاجه بين الشعر، والرسائل الأدبية، والمؤلفات السياسية والدينية، واستغل أسلوبه الساخر ولغته الواقعية القريبة من القلوب في توصيل أفكاره للناس.

أشهر مؤلفات عبد الله النديم
- النحلة في الرحلة.
- الاحتفاء في الاختفاء.
- موحد الفصول وجامع الأصول.
- الفرائد في العقائد.
- اللآلئ والدرر في فواتح السور.
- أمثال العرب.
- كتاب المسامير الذي ألفه خصيصًا لمستشار السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وكان اسمه أبا الهدى الصيادي، وكان النديم يسميه أبا الضلال، وفضح في ذلك الكتاب أبا الهدى فضيحة نكراء، وقال في ذلك الكتاب إن: «أبا الضلال كان مغرمًا بالغلمان، وكان له عشيق اسمه محمد شكيب».
- ثلاثة دواوين شعر، الأول يتكون من 4000 بيت، أما الثاني فيتكون من 10000 بيت، والأخير يتكون من 3000 بيت شعر.
- بعض الرسائل في مجال السجع، لم يتبق منها سوى 14 رسالة، وهي:
- الساق على الساق في مكابدة المشاق.
- كان ويكون.
- المترادفات.
عبد الله النديم ومذكراته السياسية
تظهر تجربة عبد الله النديم ومذكراته السياسية مرحلة دقيقة من تاريخ مصر، فقد وثَّق فيها رؤيته للأحداث وتحليله للأوضاع الاجتماعية والسياسية. وتُعد كتاباته شهادة مهمة على صراع المصريين مع الاحتلال، وعلى طبيعة الحياة الفكرية آنذاك.
أين اختفى عبد الله النديم؟
بعد فشل الثورة العرابية اضطر عبد الله النديم إلى الهروب خوفًا من ملاحقة الخديوي والاحتلال البريطاني، بعد أن ذاع صيته كونه واحدًا من المقاومين الشرسين لهذا الاستعمار الغاشم. فقد وصل إلى مراحل عالية من المقاومة حتى إنه كان ينتقد الشعب المصري ذاته بعدِّه غير مساند للقوى التي تقاوم هذا الاحتلال بالقدر الكافي.
لذا فقد اختفى عبد الله النديم عن الأنظار، وحُكم عليه غيابيًا بالنفي، وظل مختفيًا مدة تسع سنوات، حيث كان بارعًا في التخفي وانتحال شخصيات كثيرة، حتى ألقي القبض عليه عام 1891م في قرية «الجميزة» وهي إحدى قرى محافظة الغربية، وأمر الخديوي توفيق بنفيه، فاختار يافا، وظل بيافا عدة أشهر حتى توفي الخديوي توفيق.
ظل عبد الله الديم على مبادئه ومناصرًا للحرية ولكل من ينادي بالحرية واستقلال البلاد إلى أن توفي في عام 1896.
من أقوال عبد الله النديم
قد لا نجد ما نختم به أفضل مما قاله عبد الله النديم نفسه للمصريين مشجعًا إياهم في أوقات الثورة العرابية:
- «لعن الله من يكره الحرية».
- «أيها المصريون، لا حياكم الله ولا بياكم، ما دمتم تعيشون كالسأمة تأكل من حشائش الأرض، وتقبِّلون أيديكم المتشققة ظهرًا لبطن، أيها المصريون شمُّوا رائحة أجسادكم فإنها نتنة، ونيل الله يجري بأرضكم، استمعوا إلى أنين أمعائكم، وواديه يملؤه الخير، لعن الله من يقعد متفرجًا ملومًا محصورًا، لعن الله من لا يتبعنا، لعن الله من منع عن نفسه أطايب الطعام وهي حِلّ له، لعن الله من يكره الحرية».
عبد الله النديم: صوت الثورة وضمير الأمة
في النهاية فلم يكن عبد الله النديم مجرد كاتب أو خطيب، بل كان مثقفًا مناضلًا جمع بين الكلمة والفعل، وبين الفكر والعمل، وقد مثّل نموذجًا للمثقف الذي سخَّر قلمه لخدمة قضايا وطنه، فاستحق أن يبقى اسمه حاضرًا في تاريخ النضال الوطني المصري كصوت للحرية وضمير للأمة.
من هو عبد الله النديم؟
هو أديب وصحفي وخطيب مصري بارز عاش في القرن التاسع عشر، عُرف بدفاعه الشرس عن استقلال مصر ومقاومته للاستبداد والاحتلال البريطاني، ويعد من أهم الشخصيات الفكرية في تاريخ مصر الحديث.
لماذا سُمي عبد الله النديم خطيب الثورة العرابية؟
لأنه كان يمتلك موهبة فذة في الخطابة، حيث سخّر بلاغته وحماسته لإشعال الروح الوطنية لدى المصريين في الميادين والمساجد لدعم مطالب الزعيم أحمد عرابي.
ما هي أشهر المجلات التي أصدرها عبد الله النديم؟
أصدر مجلة التنكيت والتبكيت عام 1881م، وهي مجلة أدبية سياسية استخدمت الأسلوب الساخر ومزجت بين الفصحى والعامية لنقد الأوضاع الاجتماعية والسياسية في مصر.
كم سنة ظل عبد الله النديم مختفيًا؟
ظل النديم مختفيًا ومطاردًا في قرى مصر مدة 9 سنوات كاملة (منذ فشل الثورة العرابية)، متخفيًا تحت شخصيات متعددة حتى أُلقي القبض عليه عام 1891م ونُفي إلى يافا.
في النهاية فلم يكن عبد الله النديم كاتبًا أو خطيبًا فحسب، بل كان مثقفًا مناضلًا جمع بين الكلمة والفعل، وبين الفكر والعمل، وقد مثّل نموذجًا للمثقف الذي سخَّر قلمه لخدمة قضايا وطنه، فاستحق أن يبقى اسمه حاضرًا في تاريخ النضال الوطني المصري كصوت للحرية وضمير للأمة.
شاركونا في التعليقات: ما هو أكثر موقف أثار إعجابكم في قصة كفاح عبد الله النديم؟ وهل قرأتم أيًّا من مقالاته الساخرة من قبل؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.