الطبيب عبد الله الربيعة.. جراح التوائم السيامية وصانع الأمل

تُعد مسيرة الدكتور عبد الله الربيعة بن عبد العزيز الربيعة مثالًا يُحتذى في العطاء، فقد جمع ببراعة فائقة بين المهارة الجراحية الاستثنائية في أدق العمليات الطبية والقيادة الإنسانية الرائدة على المستوى العالمي، يغوص هذا المقال في تفاصيل حياة جراح الإنسانية، مسلطًا الضوء على أبرز محطاته المهنية، إنجازاته في مجال فصل التوائم السيامية، أدواره القيادية، ونشاطه البارز في العمل الإغاثي.

في زوايا المستشفيات البيضاء حيث يمتزج صمت القلق بأنين الأمهات ونبض الأجهزة يوجد رجل لا يشبه غيره، خطواته هادئة، لكن كل خطوة تحمل قرارًا بين حياة وموت، وبين أمل ودمعة، اسمه ليس فقط لافتة على باب غرفة عمليات، بل صفحة ناصعة في كتاب الطب الإنساني، إنه الدكتور عبد الله الربيعة الذي جعل من مشرطه رسالة، ومن مهنته رسالة، ومن كل طفل ينقذه دقة جديدة في قلب الوطن.

مولد ونشأة عبد الله الربيعة

ولد عبد الله بن عبد العزيز الربيعة في 11 فبراير 1955 في العاصمة الرياض، لم يكن في طفولته ما يشير إلى أنه سيُعرف ذات يوم بجراح القلوب الصغيرة، لكنه كان يملك شيئًا لا يدرس في الجامعات، وهو دهشة البدايات وإصرار العارف بأن للعلم أفقًا لا ينتهي أبدًا ما دمت حيًا.

ولد عبد الله الربيعة بن عبد العزيز الربيعة في 11 فبراير 1955 في العاصمة السعودية الرياض

دراسة عبد الله الربيعة

أكمل دراسته الجامعية في جامعة الملك سعود، وتخصص في الجراحة العامة، ثم ارتحل إلى كندا؛ لينال الزمالة الملكية في جراحة الأطفال من جامعة ألبرتا عام 1987، وهناك في برد الغرباء تشكلت بداياته الحقيقية، بدأ يلمس بيديه الصغيرة أجسادًا أصغر تئن في حيرة من الحياة، وهناك أيضًا اكتشف شغفه بفصل التوائم السيامية، التحدي الذي كان يبدو ضربًا من الجنون في عيون كثيرين.

لكن عبد الله لم يكن يرى في التوائم السيامية حالات معقدة، بل معجزة تنتظر من يفك رموزها بعد مشيئة الله عز وجل، ولقد أجرى أول عملية فصل لتوأم سيامي عام 1990 لطفلتين من السودان، ومن تلك اللحظة تحول إلى عنوان للدهشة في كل نشرة وبريق في أعين أهل كل طفل يولد بمصير مزدوج، وأجرى الدكتور عبد الله الربيعة أكثر من 50 عملية فصل توائم سيامية من أكثر من 20 دولة بمعدلات نجاح أبهرت الأوساط الطبية محليًا وعالميًا.

كان الدكتور عبد الربيعة يقود فريقًا طبيًا متكاملًا وكان يدير غرفة العمليات كمن يقود أوركسترا بدقة وبصبر وبإيمان

لم تكن عملياته طبية بقدر ما كانت إنسانية، كان يقود فريقًا طبيًا متكاملًا، كان يدير غرفة العمليات كمن يقود أوركسترا بدقة وبصبر وبإيمان أن الحياة تستحق أن تقاتل من أجلها، وعرف عنه أنه لا ينام قبل كل عملية إلا بعد الاطمئنان على أدق التفاصيل بنفسه، لم يكن مجرد طبيب، بل ضامنا لأمل عائلي كامل.

عبد الله الربيعة من وزير الصحة إلى المشرف على مركز الملك سلمان

وفي سنوات لاحقة تقلد مناصب عدة؛ منها وزير الصحة (2009-2014)، لكنه لم يتخلَ عن قلبه الأبيض، كان يذهب إلى العمليات حتى وهو وزير، ويختصر الرسميات في لمسة طفل، ويكتب تقاريره بأنفاس طبيب لا ينسى أنه في خدمة الحياة لا في خدمته.

وفي عام 2015 تولى قيادة مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية ليوسع دائرة إنسانيته من غرفة العمليات إلى خريطة العالم، وأصبح اسم الربيعة مرادفًا للمساعدة الطبية في مناطق الكوارث من اليمن إلى باكستان ومن إفريقيا إلى الشرق الأوسط.

تكريمات وجوائز عبد الله الربيعة

نال الدكتور عبد الله الربيعة عدة أوسمة وتكريمات؛ منها وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى، وجوائز دولية اعترافًا بجهوده، لكن كل ذلك لم يغير فيه شيئًا، بل ظل كما هو طبيبًا يبتسم لطفل لا يفهم اللغة، لكنه يعرف أن يد هذا الرجل كانت سببًا في أن يبقى.

نال الدكتور عبد الله الربيعة عدة أوسمة وتكريمات منها وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى وجوائز دولية اعترافًا بجهوده

وإلى اليوم لا يزال يواصل عمله بعقل يقظ وقلب نابض بالرحمة، ويشغل منصب المستشار في الديوان الملكي، ويقود مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، فقد تجاوزت إنسانيته حدود غرفة العمليات إلى أروقة العالم المنكوب، فهناك في مناطق الصراع والمجاعة لا يزال يمد يده لا ليجري عملية فصل، بل ليجمع شتات الإنسانية في أكثر لحظاتها هشاشة، وبين جراحة الأمس وإغاثة اليوم يقف عبد الله الربيعة شاهدًا على أن الطب ليس مهنة، بل حياة تعاش من أجل الآخرين.

فبعض الأطباء يكتبون وصفات، وبعضهم يكتبون التاريخ، والدكتور عبد الله الربيعة كتب بكفيه حياة جديدة لعشرات الأطفال، وجعل من الطب جسرًا بين الأمل والواقع، لم يكن فقط من أنقذ الأجساد، بل من منح العائلات فرصة أن تحلم بضحكتين بدلًا من دمعتين، حين تصبح الأيادي مشرطًا من رحمة، والعلم طريقًا إلى الحياة، لا بد أن نذكر الدكتور عبد الله الربيعة.

تتجاوز سيرة الدكتور عبد الله الربيعة حدود القصة الملهمة لتصبح نموذجًا عالميًا في تسخير العلم والمهارة لخدمة الإنسانية. بصفته جراحًا رائدًا في مجال فصل التوائم السيامية وقائدًا فعالًا للعمل الإغاثي عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، ترك الدكتور الربيعة بصمة لا تُمحى في حياة مئات الأطفال وعائلاتهم في أنحاء العالم، مسيرته المهنية والإنسانية تُجسد أرقى معاني العطاء والالتزام، وتؤكد أن الطب، حين يمتزج بالرحمة والإنسانية، يصبح قوة قادرة على تغيير العالم وإنقاذ الأرواح، ليظل اسمه محفورًا في سجلات الطب والإغاثة كرمز للأمل والعطاء غير المحدود.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة