كيف نجا عبد الرحمن الداخل من العباسيين وأسس الدولة الأموية في الأندلس؟

كانت رحلة الأمير الشاب عبد الرحمن بن معاوية من دمشق إلى الأندلس هروبًا من بطش العباسيين، وميلادًا لأسطورةٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ ستغير وجه القارة الأوروبية لقرون.

في وقتٍ كانت فيه الخلافة الأموية تتهاوى في المشرق، كان «صقر قريش» يخطو بمفرده، مُسلحًا بالعزم والنبوءة، ليعبر القفار والبحار ويؤسس ملكًا عظيمًا في الأندلس.

في هذا المقال، نستعرض تفاصيل هذه الملحمة الإنسانية، وصراعه المرير ضد الفتن الداخلية والمؤامرات الدولية التي قادها كبار ملوك زمانه.

رحلة الهروب الكبير: من دمشق إلى كورة فلسطين

نجح الأمير عبد الرحمن بن معاوية في الإفلات من أيدي العباسيين، رغم المحاولات الكثيرة التي بذلها هؤلاء لاقتناصه، واستطاع أن يصل سليمًا إلى كورة فلسطين. وهناك التقى بغلامه بدر، وبسالم أبي شجاع، غلام شقيقته.

وكانا يحملان إليه نفقة وشيئًا من جوهر، وانطلق وما تطلَّى معه من موضع إلى موضع بعيد حتى وصل إلى مصر، ثم سار منها إلى برقة، فبقي فيها مستترًا مدة، ثم رحل عنها فأوغل في إفريقية. وقد توافى بها عدد من أهل بيته، وكان يلي إفريقية والمغرب منذ أيام مروان بن محمد، سنة 129هـ، رجل يُعرف بعبد الرحمن بن حبيب الفهري.

استقل بولايته منذ أن قُتل مروان، وخرج عن طاعة الخليفة العباسي السفاح والمنصور. وخاف عبد الرحمن بن حبيب من وجود عبد الرحمن بن معاوية في المغرب، وخاف من نشاطه السياسي وسطوته، فأضمر له العداء، وعمد إلى مطاردته والتخلص منه.

وكان عبد الرحمن بن معاوية في الواقع يهدف إلى تكوين إمارة أموية في المغرب أو الأندلس تكون استمرارًا للدولة الأموية في المشرق، فقد كان شابًا طموحًا، في العشرين من عمره، رشيق الحَملة، فيضَ أملٍ في إحياء هذه الدولة في الغرب. وكان يدفعه إلى ذلك ويُشدِّد عزمه ما أُثر عن نبوءة مسلمة بن عبد الملك له وهو ابن عشر سنوات.

عبد الرحمن بن معاوية

في ضيافة قبيلة نفزة

وقاسى عبد الرحمن بن معاوية مرارة العيش في أرض المغرب طريدًا شريدًا، وأطال له الفرار والاختفاء دون ضعف أو استسلام، مثابرًا صبورًا، واستقر به المطاف أخيرًا عند أخواله من قبيلة نفزة، وكانت تقيم قريبًا من سبتة بمصر الأندلس.

وكانت الأندلس وقتئذٍ تموج بالفوضى والاضطراب بسبب الفتن والعصبيات القبلية. وحينها لاحت لعبد الرحمن بن معاوية بارقة من الأمل؛ فلا بد له، وهو سليل بني أمية العظام، أن يجد لنفسه وسط هذا النزاع مجالًا يجدد فيه دولة أجداده. وتملَّكه هذا الأمل تملُّكًا شديدًا، وشرع في استغلال هذا الوضع لمصلحته، مستأنفًا من جديد محاولاته التي أخفقت في المغرب.

التخطيط لدخول الأندلس: التحالف مع الموالي واليمانية

واتصل هو بالمغرب بموالي المروانية -الموالين لبني أمية- في الأندلس عن طريق مولاه بدر. وبفضل هؤلاء المروانية استطاع أن يعتمد على العصبية اليمانية الموتورة من المضرية والقيسية، كما سبق أن أسلفنا القول.

وكان اليمانية يتوقون للثأر من المضرية الذين أطاحوا بسلطانهم. فلما عرض عليهم بدر، موالي عبد الرحمن الأموي، رغبة مولاه في دخول الأندلس بشرط أن تساعده اليمانية وتنصره، رحبوا به ترحيبًا بالغًا يفصح عن توقٍ دفين للثأر واستعادة النفوذ.

صقر قريش يحلِّق في سماء الأندلس

وما إن وصلت هذه الأنباء الطيبة إلى عبد الرحمن حتى بادر بركوب البحر إلى الأندلس، فدخلها في أواخر ربيع الآخر سنة 138هـ «755م»، ولذلك سُمِّي بالداخل.

واستقبله موالي المروانية استقبالًا حافلًا بدَّد ما عاناه من آلام وتشريد. وأقبل اليمانية إليه من كور الأندلس، والتفوا حول عبد الرحمن بفضل الصداقة والمودة.

وكاد أن يتلفهم وجهه من أمراء فاس، ولم يلبث المتمردون من هذه البلاد، في وقت نشبت فيه الإحن بين العصبيتين اليمانية والمضرية، فاصطفت اليمانية على أمره، وآزروه، وناصره كثير من جند الأندلس، وانضمت إليه جنود الأمصار، حتى تضخم عدد أنصاره.

واستطاع بفضل سياسته أن يكسب قلوب الناس، وبحسن سياسته أن يحبب نفسه إلى الناس بجميل سيرته، حتى انقاد له كل قيس، وأطاعه كل صميم.

موقعة المصارة: الحسم وتجدد المجد الأموي

واستطاع أن يهزم والي الأندلس يومئذٍ، يوسف بن عبد الرحمن الفهري، ومن اعتمد عليهم من القيسية، بزعامة الصميل بن حاتم بن ذي الجوشن، في موقعة المصارة التي جرت في ظاهر قرطبة في العاشر من ذي الحجة سنة 138هـ. وتُعد هذه الواقعة أخت واقعة مرج راهط التي وقعت في أرض الشام سنة 64هـ، في دلالتها على صراع العصبيات ومصائر الدول.

وبانتصار عبد الرحمن تجددت دولة بني أمية في الأندلس، إذ دخل قصر قرطبة دخول الأبطال، وأصبح أمير الأندلس بغير منازع.

موقعة المصارة

وشهدت الأندلس في بداية عهد عبد الرحمن الداخل صراعًا متواصلًا بين الأمير وبين خصومه السياسيين والمنافسين عليه من القيسية الموتورين واليمانية الذين التفوا عليه.

ولكن عبد الرحمن الداخل انتصر على أعدائه ومنافسيه بفضل دهائه، وقوة شكيمته، ومضاء عزمه، كل ذلك دون أن يتراخى عن تجديد ما طمس لبني أمية في المشرق من معالم الخلافة. فشيَّد الدور، وأقام القصور، وبنى المسجد بقرطبة، وحصَّن المدينة بسور يدور حولها.

وإليه يرجع الفضل الأعظم في تمصير قرطبة وتجميلها، وتنظيم شؤون الإدارة والحكم فيها. ويشير ابن حيان إلى ارتقاء الأندلس في عهده من مجرد ولاية تابعة للخلافة في المشرق إلى مصاف الدول الكبرى، وإلى التطور الكبير الذي طرأ على شؤون الإدارة ونظم الحكم في ظل هذا الأمير، فيقول: «ولما ألقى الداخل الأندلس ثغرًا قاصيًا غفلًا، من حلية الملك عاطلًا، أرهف أهلها بالطاعة السلطانية، وحنكهم بالسيرة الملوكية… ولم يلبث أن دانت له بلاد الأندلس، واستقل له الأمر فيها».

ويرجع الفضل في نجاح سياسته وتوطيد ملكه إلى وزرائه وحجابه، الذين أحسن اختيارهم وانتقاهم من بين من أدخلوه الأندلس من مواليه، وأيدوه ونصروه وأخلصوا له.

وعمل عبد الرحمن الداخل على إحاطة نفسه بهالة من فخامة الملوك وأبهة الخلفاء، فزوَّد حاضرته قرطبة بروائع المنشآت والعمائر. وقامت فيها حركة عمرانية ومعمارية لم تشهد لها نظيرًا من قبل، واتخذت قرطبة منذ ذلك الحين مظهر المدن الكبيرة، وأصبحت جديرة بأن تكون دمشق الأندلس.

المنصور العباسي ومحاولات استرداد الأندلس

ولكن أبا جعفر المنصور لم يتركه يهنأ بهذه الإمارة، فسعى سعيًا حثيثًا إلى خلعه وإسقاطه، وتحويل الأندلس إلى ولاية عباسية.

ففي سنة 146هـ سيَّر إليه المنصور قائدًا من قواد العباسيين، هو العلاء بن مغيث اليحصبي، عبر البحر من إفريقية، فنزل الأندلس ولبس السواد، ودعا لأبي جعفر المنصور في باجة بغرب الأندلس. وكان المنصور قد أرسل إليه بسجل ولواء، فاجتمع إليه خلق كثير، وتطلع أكثر أهل الأندلس إلى خلع عبد الرحمن، وعلى الأخص جماعات اليمانية التي عقدت العزم على التخلص من ابن معاوية.

ويبدو أن العلاء بن مغيث قد أحسن اختيار التوقيت للقضاء على دولة عبد الرحمن الفتية؛ فقد كانت الثورات تجتاح الأندلس في شمالها وجنوبها، وكان الأمير مشغولًا وقتئذٍ بإخماد إحدى ثورات القيسية بمدينة طليطلة.

حصار قرمونة

وعلم، وهو يقيم الحصار على هذه المدينة، بثورة العلاء وانضمام الثورات إليه، فخرج لمواجهة العلاء، غير أن العلاء زحف إليه بجموع كثيفة، فاضطر الداخل إلى التحصن في قرمونة الواقعة بالقرب من إشبيلية.

وتحصن عبد الرحمن الداخل بقرمونة مع مواليه وثقات رجاله، وقدم العلاء ونازله بقرمونة، وحاصره بها ما يقرب من شهرين حتى ساءت حالته، ونفدت مؤونته، ودب اليأس برجاله. وكذلك انخذل عن العلاء أكثر أنصاره لطول الحصار. وأدرك عبد الرحمن أن هذه هي فرصته الحاسمة للانقضاض على عسكر العلاء، وأنه لا بد له من المغامرة بكل شيء.

فجمع قواته «وكانوا لا يتجاوزون السبعمائة»، وأمر بنار فأوقدت عند باب إشبيلية من أبواب مدينة قرمونة، ثم أمر بأغماد السيوف فطُرحت في النار، وقال لهم: «اخرجوا معي لهذه الجموع خروج من لا يحدث نفسه بالرجوع». وسلَّ سيفه في مقدمة أصحابه، واندفع من باب المدينة، وخلفه كماة رجاله، وانقضوا على جيش العلاء فمزقوه شر ممزق، حتى بلغ عدد القتلى منه سبعة آلاف، وسقط العلاء نفسه صريعًا.

فأمر عبد الرحمن، مبالغًا في السخرية من خصمه المنصور، أن يُبعث رأس العلاء إليه. فأُخذ رأس العلاء، وصُبِر، ولفَّ في السجل واللواء، ووُضع في سفط، وبُعث به مع رجل من أهل قرطبة كان قاصدًا مكة لأداء الحج. وأمره أن يضع السفط في مكة أمام سرداق المنصور الذي كان يحج ذلك العام، ففعل القرطبي ما أمره به الأمير.

فلما نظر إليه المنصور ارتاع، وقال: «إنا لله، عرضنا بهذا المسكين للقتل. الحمد لله الذي جعل البحر بيننا وبين هذا الشيطان».

شهادة المنصور في عبد الرحمن الداخل

وقد شهد له أبو جعفر المنصور بقوة الحيلة وشدة البأس وطول المراس، فذكروا أنه قال يومًا لبعض جلسائه: «أخبروني من صقر قريش من الملوك؟» قالوا: «ذاك أمير المؤمنين»، «الذي راض الملوك، وسكن الزلازل، وأباد الأعداء، وحسم الأدواء» «يقصدونه هو». قال: «ما قلتم شيئًا». قالوا: «فمعاوية». قال: «لا». قالوا: «فعبد الملك بن مروان». قال: «ما قلتم شيئًا». قالوا: «يا أمير المؤمنين، فمن هو؟» قال: «صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية، الذي عبر البحر، وقطع القفر، ودخل بلدًا أعجميًا منفردًا بنفسه، فمصَّر الأمصار، وجند الأجناد، ودون الدواوين، وأقام ملكًا عظيمًا بعد انقطاعه بحسن تدبيره وشدة شكيمته».

«إن معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان، وذُلِّل له صعبه، وعبد الملك ببيعة أبرم عقدها، وأمير المؤمنين بطلب عترته واجتماع شيعته، وعبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحبًا لعزمه. وطد الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور، وقتل المارقين، فأذل الجبابرة الثائرين». فقال الجميع: «صدقت، والله، يا أمير المؤمنين».

المؤامرة الدولية الكبرى: المهدي العباسي وشارلمان

وفي خلافة المهدي العباسي تجدَّدت لدى الدولة العباسية فكرة القضاء على إمارة عبد الرحمن الداخل في الأندلس. واستفادت الدولة العباسية هذه المرة من التجربة الأولى الفاشلة، فلم تبعث داعية من دعاتها هذه المرة، ولا جيشًا من إفريقية لغزو الأندلس، وإنما اعتمد المهدي على الدهاء والدس.

المؤامرة الدولية الكبرى

فقد اتفق المهدي مع بعض ثوار الأندلس من العرب المعارضين للوجود الأموي على أن يعلنوا ثلاث ثورات في آن واحد في الداخل، فينتهز شارلمان بن ببين القصير، ملك الفرنجة، الذي كانت تربطه بالخليفة العباسي علاقات ودية، الفرصة، ويغزو الأندلس، ويسقط النظام الأموي.

أما الثوار العرب الذين اعتمد عليهم في الأندلس فهم:

  • عبد الرحمن بن حبيب الفهري الصقلبي، وسُمِّي بالصقلبي لأنه كان طويلًا أشقر أزرق أمعر، وقد ثار ابن حبيب بتدمر في سنة 162هـ.
  • سليمان بن يقظان الأعرابي، والي برشلونة، وثار معه بسرقسطة حسين بن يحيى الأنصاري، من ولد سعد بن عبادة.
  • الرماحس بن عبد العزيز الكناني، والي الجزيرة الخضراء، وقد ثار سنة 164هـ.

ولم يكن شارلمان يزهد في امتلاك الأندلس، فقد كان قد فرغ من حروبه في أوروبا، وضم إليه لمبارديا وسكسونيا وبافاريا، وامتد ملكه حتى الدانوب.

وكان «شارلمان» يحلم منذ ذلك الحين بطرد المسلمين من الأندلس، ويطمع في ضم مملكة القوط القديمة إلى إمبراطوريته. ويبدو أن المؤامرة لم تكن وليدة الصدفة، بل دُبِّرت بعلم المهدي وموافقته، وليس أدل على ذلك من التجاء الرماحس بن عبد العزيز الكناني إليه بعد أن فشلت ثورته على ابن معاوية في الجزيرة الخضراء.

وهناك دليل آخر، هو رسالة أرسلها صاحب الأندلس إلى المهدي العباسي ثلبه فيها وسبَّه ولعنه، فرد عليه المهدي برسالة مماثلة عدَّد فيها مثالب بني أمية.

وبدأ عبد الرحمن بن حبيب الفهري الصقلي بالعبور إلى إفريقية، ثم عاد بجيش كبير من البربر نزل به في مدينة تدمير، وبادر بمكاتبة سليمان بن يقظان بالدخول في أمره، ومحاربة عبد الرحمن الأموي، والدعاء إلى طاعة المهدي.

وكان سليمان ببرشلونة، فلم يجبه، فاشتد غيظه عليه، وقصد بلده فيمن معه من البربر، فهزمه سليمان، فعاد الصقلي إلى تدمير.

وكانت مهمة سليمان بن يقظان الأعرابي الزحف إلى سرقسطة وإعلان الثورة مع أحد المغامرين العرب، وهو حسين بن يحيى الأنصاري. أما الرماحس، فكان عليه أن يعلن الثورة في جنوب الأندلس في الوقت نفسه، حتى يعجز عبد الرحمن الداخل عن القضاء على الثورات جميعًا. ولكن الثوار لم يتضامنوا فيما بينهم، واختلفوا في توقيت حركاتهم، وتفرقت جهودهم، فاستطاع عبد الرحمن الداخل أن يقضي على كل ثورة على حدة.

فبدأ عبد الرحمن بأخطرهم، وهو عبد الرحمن بن حبيب الفهري الصقلي، فسار إليه الأمير في العدد والعدة، وأحرق السفن تضييقًا عليه في الهرب. فهرب الصقلي إلى جبل منيع بناحية بلنسية، ومن هناك أرسل إلى سليمان بن يقظان ببرشلونة يدعوه إلى الدخول في أمره، ويسأله أن يمده بمعونته، ولكن سليمان لم يجبه، فاشتد به السخط، ولجأ عند رجل من البربر يقال له مشكار البربري، فاطمأن إليه الصقلي.

وكان عبد الرحمن الداخل قد أعلن أنه يبذل ألف دينار لمن يأتيه برأسه، فاغتاله مشكار طمعًا في المكافأة، وأتى برأسه. وكان ذلك في أواخر سنة 162هـ «778م».

ثم صرف عبد الرحمن الداخل همَّه بعد ذلك لمقاتلة الرماحس، فأرسل إليه وزيره عبد الله بن خالد على رأس جيش، باغته بالهجوم على قصره في الجزيرة الخضراء، ففرَّ الرماحس على مركب جاز به البحر حتى قدم إلى الخليفة العباسي.

وأما سليمان الأعرابي، فقد ثار بسرقسطة، وثار معه حسين بن يحيى الأنصاري، في أواخر سنة 163هـ، فبعث إليهما ابن معاوية قائده ثعلبة بن عبيد الجذامي في عسكر كثيف. فقاتلهما ثعلبة قتالًا عنيفًا، وعاد يومًا إلى مخيمه، فاغتنم سليمان غرَّته، وانتهز غفلته، فخرج عليه وأسره، فتفرق عسكره.

وعمل سليمان على الإفادة من أسيره، فترك على سرقسطة صاحبه حسين بن يحيى الأنصاري، ومضى هو وأسيره إلى إفرنجة، حيث قابل شارلمان، وسلَّمه ثعلبة، وحرَّضه على دخول الأندلس.

ويذكر ابن الأثير أن سليمان «استدعى قارلة ملك الإفرنج، ووعده بتسليم البلد وتغلبه إليه، فلما وصل إليه لم يصبح بيده غير ثعلبة، فأخذه وعاد إلى بلاده، وهو يظن أنه يأخذ به عظيم الفداء. فأهمله عبد الرحمن مدة، ثم وضع من طلبه من الفرنج، فأطلقوه».

الصمود وكسر الحصار

وأيًا ما كان الأمر، فقد كان شارلمان ملتزمًا بالاتفاق المعقود بينه وبين المهدي، ولهذا لم يتردد في السير إلى الأندلس. فخرج على رأس جيوشه في ربيع سنة 778م متجهًا نحو جبال البرتات «البرانس»، فاجتازها إلى رنشقالة، وهاجم بنبلونة واستولى عليها، ثم واصل زحفه إلى سرقسطة، وهو يعتقد أنها ستفتح له أبوابها، مطمئنًا إلى أن سليمان قد مهَّد السبيل أمامه لدخولها.

حصار البرانس

ويبدو أن حسين بن يحيى الأنصاري طمع في الانفراد بولايتها، فأغلق أبوابها أمام جيوش شارلمان، وأصم أذنيه عن توسلات صاحبه سليمان.

وطال وقوف شارلمان أمام المدينة عبثًا حتى يئس من فتحها، لا سيما وقد وصلته أنباء مزعجة مؤداها قيام اضطرابات وفتن في بلاده، فاضطر إلى رفع الحصار عن المدينة، وقفل عائدًا إلى بلاده. وقد أُرغم سليمان على التراجع معه لعجزه عن تحقيق ما وعده به من إدخاله المدينة.

معركة رنشقالة وانكسار شارلمان

انسحب شارلمان بجيشه إلى غالة، ولما بلغ بنبلونة سحب حاميتها الفرنجية وهدم أسوار المدينة. ولكن عبد الرحمن الداخل لم يتركه يرحل في سلام، فقد أثار عليه قبائل البشكنس، وكانوا ينقمون على شارلمان تخريبه عاصمتهم بنبلونة، فترصدوا مؤخرة جيشه الكبير وهو يجتاز أحد دروب شعاب رنشقالة، وأمطروها وابلًا من السهام وكتل الحجارة في كمين محكم، حتى قضوا على هذه المؤخرة قضاءً مبرمًا.

وقُتل في رنشقالة عدد كبير من أعظم قواده، نذكر منهم إيجهار «Eggihard» وأنسيلم «Anselme»، كما قُتل صفيه وأعظم قواده رولان «Roland». فحزن شارلمان لقتله حزنًا بالغًا، وكان مصرعه موضوع أنشودة من شعر الملاحم الفرنسية تُعرف بأنشودة رولان.

وفي أثناء المعركة تمكن ولدا سليمان الأعرابي من تخليصه، ورجعا به إلى سرقسطة. وهكذا انتصر الأمير عبد الرحمن على المتآمرين عليه، واضطر شارلمان إلى مهادنته ليتفرغ لمشاكله الداخلية.

وفي ذلك يقول المقري: «وخاطب عبد الرحمن قارلة «أي شارلمان» ملك الإفرنج، وكان من طغاة الإفرنج، بعد أن تمرَّس به مدة، فأصابه صلب المكسر، تام الرجولية، فمال معه «أي شارلمان» إلى المداراة، ودعاه إلى المصاهرة والسلم، فأجابه للسلم ولم تتحقق المصاهرة».

فشل المؤامرة ونهاية أحلام العباسيين

ويؤيد ليفي بروفنسال ما ذكره المقري، مستندًا إلى أن شارلمان لم يُقدِم على أي مغامرة أخرى في إسبانيا منذ حملته الفاشلة التي نفَّذها سنة 778م حتى سقوط برشلونة سنة 801م.

وأيقن شارلمان أنه لن يتمكن من بسط نفوذه على الأندلس ما دام لا يرتكن في إسبانيا نفسها على قوى مناوئة للأمير الأموي، كما اتضح لديه بوضوح استحالة تغلبه على الإسلام في إسبانيا ما لم يؤمِّن بلاد الفرنجة والغرب المسيحي.

ولذلك عمد في السنة نفسها التي رجع فيها إلى بلاده من حملته الفاشلة إلى ضم مقاطعة أقطانية إلى مملكته، بقصد مراقبة نشاط أمراء الأندلس الموالين لقرطبة أو الخارجين عن طاعتها على تخوم البرانس، أو الحد من هذا النشاط. ومنح شارلمان هذه المملكة الكارولنجية إلى ابنه لويس، الذي سُمِّي فيما بعد بلويس التقي. وتألفت من المملكة الكارولنجية ومملكتي غسقونية وسبتمانية جبهةٌ قوية تتصدى لأملاك المسلمين في إسبانيا.

وقد أثمرت هذه السياسة الواقعية، إذ سلَّم أهالي جرندة مدينتهم سنة 785م إلى ممثلي السلطات الفرنجية، وتبع ضياع جرندة سقوط مدينة برشلونة في يد الفرنجة سنة 801م. وبينما كان جيش شارلمان يتراجع عن سرقسطة، كان جيش عبد الرحمن الداخل يتأهب للسير نحوها حسمًا للأمر بالقضاء على سليمان الأعرابي وصاحبه الأنصاري.

وقبل أن يصل الداخل إلى سرقسطة، أوعز حسين بن يحيى الأنصاري إلى أحد أتباعه بقتل الأعرابي في المسجد سنة 164هـ «780م» حتى ينفرد بحكم سرقسطة. ولكن عبد الرحمن الداخل حاصر المدينة ودخلها. وهكذا فشلت المؤامرة الدولية الكبرى التي دبَّرها المهدي بالاتفاق مع ثوار الأندلس وشارلمان.

ولكن سلسلة المؤامرات العباسية لم تنته بعد، واستمرت في عهد خلفاء عبد الرحمن الداخل، ممثلة في تأييد الأغالبة التابعين للدولة العباسية في إفريقية لثوار الأندلس الناقمين على أمرائها، وعلى الأخص الثائر عمر بن حفصون الخارج على الأمير الأموي عبد الله «275–300هـ».

وكان ابن حفصون يطمع في الاستيلاء على الأندلس كلها وولايتها هو وأولاده من بعده بدلًا من بني أمية، بدليل أنه أظهر الميل إلى الدعوة العباسية وكاتب ابن الأغلب أمير إفريقية. ولكن هذه المحاولة فشلت كسابقتها، وانتهى الأمر بفقد العباسيين الأمل نهائيًا في إسقاط الحكم الأموي بالأندلس.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة