يُعرف عبد الرحمن الأوسط بأنه الحاكم الذي قمع الفتن الداخلية بيد من حديد، وشيّد صرحًا حضاريًا وعلميًا من ذهب في قلب تاريخ الأندلس. في هذا المقال، نستعرض سيرة عبد الرحمن الثاني، رابع أمراء الإمارة الأموية في الأندلس، ونغوص في تفاصيل عهده الذي شهد تحديات جسام وإنجازات خالدة، من مواجهة الثورات وغزو الفايكنج، إلى رعاية أعظم العقول في عصره.
من هو عبد الرحمن الأوسط؟ (النشأة والحكم)
قبل عهد عبد الرحمن الأوسط، كانت الإمارة الأموية في الأندلس قد رسخت وجودها السياسي والعسكري، لكنها كانت بحاجة إلى دفعة حضارية كبرى. ويعد عهد عبد الرحمن الأوسط (822-852م) هو العصر الذهبي للإمارة الذي مهد الطريق لعصر الخلافة اللاحق.

وُلد عبد الرحمن الأوسط عام 176ه من أم ولد تدعى حلاوة، ويُعرف في المصادر الأوروبية بعبد الرحمن الثاني، وفي المصادر العربية بعبد الرحمن الأوسط؛ لتوسطه بين عبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر. وكان والده قد أعده لتسلم ولاية العهد، فاعتنى بتعليمه وتثقيفه، وعلَّمه علوم الفقه والحديث والشعر والأدب، وتولى الحكم عام 206ه.
الثورات الداخلية التي حدثت في عهده
وهي مجموعة ثورات نتناولها كالتالي:
ثورة الذميين (207ه)
لم يمضِ شهر واحد من حكم عبد الرحمن حتى حدثت ثورة من قبل أهل الذمة عام 207ه، وكان سببها ظلم والي البيرة، فذهبوا إلى عبد الرحمن بن الحكم يطلبون أموالهم، فبعث عبد الرحمن من يسكتهم ويفرقهم فلم يتفرقوا، فأخرج إليهم جمعًا من الجند فقتلوا منهم عددًا كبيرًا وانتهت ثورتهم.
ثورة عبد الله البلنسي (207ه)
وفي عام 207ه ثار على عبد الرحمن عم أبيه عبد الله بن عبد الرحمن البلنسي، وتمكن من السيطرة على مدينة (تدمير) واجتمع إليها كثير من أنصاره، ولكن البلنسي مات هناك وانتهت ثورته.

ثورة المضرية واليمانية (207ه - استمرت لسنوات)
وفي العام نفسه حدثت صراعات بين القبائل المضرية واليمانية نتيجة خلاف تافه بين مضري ويماني في شرق الأندلس من كورة تدمير، فبعث إليهم عبد الرحمن الأوسط جيشًا بقيادة يحيى بن عبد الله بن خلف فلم يفلح في القضاء على الثورة، فظل يبعث الجيوش فلم تفلح في القضاء على الثورة، وظلت الثورة لسنوات عدة إلى أن استنزفت كلتا القوتين، فانتهت، وقام عبد الرحمن إلى المقر الذي اشتعلت منه الثورة وهي مدينة اله Ello وبنى مدينة مرسية التي أصبحت عاصمة كورة تدمير ومقر واليها.
ثورة هاشم الضراب (216ه - 224ه)
قام حداد من حدادي طيطلة يُدعى (هاشم الضراب) بإعلان الثورة على عبد الرحمن الأوسط في عام 216هـ، فانضمت إليه جموع كثيرة من طليطلة، فلما علم عبد الرحمن بذلك أرسل جيشًا ليطفئ لهيب ثورته، فاستطاع جيشه قتل هاشم، ولكن الثورة ظلت مستمرة إلى أن أُخمدت عام 224ه بعد أن دامت ثماني سنوات.
حركة تمرد إيولوخيو والقديسين
قام رجل مسيحي يدعى إليخيو بتأليب بعض مسيحيي قرطبة للنيل من المسلمين والإسلام، فقام رجل يُدعى برتكتو بنقاش مع مسلم فتطور النقاش إلى أن نال من الدين الاسلامي شتمًا وسبًا، فنهاه المسلمون فلم ينتهِ، فذهبوا به إلى القاضي فحذره فلم يرتدع، وجهر بالشتم والسب في مجلس القاضي فأمر بقتله. وقام رجل يُدعى إسحاق فنال هو الآخر من المسلمين، فحذره فلم ينتهِ، فحكم القاضي بقتله،. وقام رجل وراء رجل بفعل الشيء نفسه إلى أن وصلوا إلى 48 رجلًا، وسمى إيولوخيو هذه الحركة باسم حركة شهداء قرطبة.
غزو الفايكنج للأندلس (229ه)
في عام 229ه نزل الفايكنج بالساحل في أربعة وخمسين مركبًا وأربعة وخمسين قاربًا. وقد تمكَّن وهب بن عبد الله بن حزم والي لشبونة من صدهم، ولكن سرعان ما توجه الفايكنج إلى إشبيلية واستطاعوا بسط سيطرتهم عليها، ثم عزموا على الاتجاه إلى قرطبة، ولكن عبد الرحمن أنقذ الوضع وبعث جيشًا بقيادة يحيى بن الحكم الجياني، ويحيى بن حبيب، فاستطاعوا هزيمتهم وقتلوا كثيرًا منهم، وانتهت عملياتهم وكانت قد دامت في الأندلس مائة يوم.
النهضة العلمية في عهد عبد الرحمن الأوسط
في عهد عبد الرحمن الأوسط انتشر العلماء في كثير من المجالات:
ففي مجال العلوم التجريبية ظهر عباس بن فرناس الذي كان أول من حاول الطيران، وهو أول من اخترع قلم الحبر، واخترع أيضًا صناعة الزجاج من الحجارة، وصنع الآلات لمراقبة حركة الكواكب والنجوم.

وفي مجال علم التاريخ ظهر في عهده المؤرخ عبد الملك بن حبيب، وكان يُلقب بعالم الأندلس، وكتب كتابًا مشابهًا لتاريخ الطبري، وهو ما زال مخطوطًا ولم يُطبع.
وفي مجال الأدب والشعر اشتهر عدد من الأدباء مثل عباس بن ناصح، والزرياب، وعبد الله بن الشمر، والشاعر يحيى الغزال. قد أسس عبد الرحمن مكتبة عظيمة في قرطبة.
بعض أدوار المرأة في ظل إمارة عبد الرحمن الأوسط
كان عبد الرحمن الأوسط يشجع جواريه المقربات منه على بناء المساجد لوجه الله، وكان هناك مسجد الشفاء، ومسجد طروب، ومسجد الفجر. وشاركت المرأة في الحياة العلمية، حيث كان في الربض الشرقي من قرطبة مائة وسبعون امرأة لنسخ المصاحف بالخط الكوفي، وكان هناك عدد من النساء تفقهن في الدين ودرسن الأدب.
أهم إنجازات عبد الرحمن الأوسط العمرانية والاقتصادية
- اهتم عبد الرحمن الأوسط بالعمران، فشيَّد القصور والمتنزهات التي جلب لها المياه من الجبال، وأعاد إصلاح قنطرة سرقسطة، وبنى كثيرًا من المساجد مثل جامع جيان وجامع إشبيلية. وأضاف بهوين إلى جامع قرطبة، ولكنه تُوفي قبل أن يُتم بناءهما.
- بلغ الخراج في عهده ألف ألف دينار، أي مليون دينار.
- أنشأ أول أسطول حربي كبير في الأندلس لمواجهة خطر الفايكنج.
وفاة عبد الرحمن الأوسط
توفي عبد الرحمن الأوسط عام 238ه (852م)، وصلى عليه ابنه محمد الذي خلفه في الحكم. لقد ترك عبد الرحمن الأوسط إرثًا خالدًا كحاكم قوي ومصلح، أرسى دعائم الاستقرار في الإمارة، وأطلق شرارة النهضة العلمية والحضارية التي بلغت ذروتها في عصر الخلافة الأموية، ليثبت أن القوة العسكرية والحضارة يمكن أن يسيرا جنبًا إلى جنب.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.