اعترافات سنوية عن عبثية الإنجاز ورتق الأيام المهترئة

في لحظة مكاشفة تفتقر للزيف، يبرز السؤال الوجودي: ماذا جنينا من ركضنا العبثي؟ هذه السطور هي مرثية لعام مضى، اعتراف صريح بالاغتراب النفسي وسط زحام لا وجهة له. هي محاولة لترجمة الصمت إلى كلمات، ورتق تمزقات الروح بصبر فتاة التطريز، فتصبح الكتابة هي النافذة الوحيدة المتبقية في غرفتنا المظلمة.

في هذه الخاطرة المفتقرة للترابط وإلى الرغبة في أي ترابط، أسرد بلا اكتراث سيرتي السنوية الخالية من الأفعال، أو الإنجاز إذا صح التعبير، عامي الذي بلا حياة، إنها اعترافاتي الخاصة، وإذا لم أقل فيها شيئًا ذا قيمة فلأنه ليس لدي ما أقوله.

فما حدث، وما يحدث للجميع أو لنا فحسب، هو حدث عارض، وليس من شيء جديد، ثم إنه لا يقبل الفهم، وإذا كنت أكتب ما أشعر به فهو لأنني بفعل الكتابة أخفض من حمى الإحساس، على الرغم من أن ما أكتبه لا أُكسيه أي أهمية؛ لأنه لا أهمية لشيء.

كل ما في الأمر أنني إزاء ما أحسه أخلق مشاهد عدة، أجعل منها احتفالات أو مآسي خاصة، وبفضل المرارة التي تجرعتها، ويتجرعها الجميع ولكن بطرق مختلفة، تتخلق تلك المشاهد، ومنها أذكر أنني ذات مرة صادفت فتاة تعمل في التطريز، أو أنها مبتدئة في هذه الحرفة، عندما سألتها عن سر مهنتها، قالت: لكي تعيش، معناه أن تضع الغرزة تلو الغرزة بكل حذر من الإبرة المعكوفة، هكذا قد يمكن لأناملك الدامية أن تحظى بلقمة عيش كريمة، ودونها يمكنك التسول في أحياء الفقراء إلى أن يميتك الجوع أو البرد، هذا إذا لم ترحب بك رصاصة طائشة، أو تُزَج في السجن بتهمة اللاشيء.

وهنا قد لا أعني انتهاء قصتي، فثمة ما تَبقى، كثير مما تَبقى أحاسيس مروعة، تُوقد ذهني حِدةٌ موجهَةٌ لتدمير الذات، ثمة طاقة حلم، ثمة إرادة ميتة يهدهدها التأمل، بين الغرزة والغرزة ثمة حياة، غرزة إبرة معكوفة. وعليك أن توزع ضحكاتك البلهاء على العامة من غير اكتراثك بالألم.

لقد كانت لدي طموحات وأحلام جبارة، ولدت وهي تشغل مخيلتي، ربما هي لا تقل أهمية عن طموحات النادل وفتاة التطريز؛ لأن الأحلام في متناول الجميع، كأكواب الشاي التي يناولنا إياها هذا النادل الآن، لكن ما قد يجعلنا متميزين هو القدرة على تحقيقها أو تحققها فينا، في الحلم نحن سواء، النادل، وفتاة التطريز، وأنا، وما قد يميزني عنهما هو معرفتي بالكتابة الفعل الخاص بي، منقذي من ضوضاء العالم، وأنا ممتن لهذا الفعل لأنني بفضله أستطيع أن أقول اليوم إنني تجاوزت أو اقتربت من الموت مقدار عامٍ، لا أنني تخطيت عامًا وأنا ما زلت بكل قواي العقلية.

كل ما أملكه الآن هو قلمي، وما تبقى من الورق، وكثير من الأرق.

ثم إنني بفضل الكتابة أغدو متأملًا شرهًا أو حالمًا أكثر مما يجب، من أمنياتي مثلًا؛ أتمنى لو أن العالم كان ملك يدي، ليس طمعًا في السيطرة عليه أو التحكم في مصيره، إنما أتوق لتغييره، على الرغم من أنني لا أقوى على تغيير أي شيء على مستوى غرفة نومي، لا أستطيع أن أحرك فيها شيئًا، فالتغيير كما يبدو لي أصعب مما أظن.

غير أنني أتوق لتغيير العالم، كونه أكثر فوضى من غرفتي، وفي الأقل حينها لن يوجد متحكم في أوقاتي، ولن أستيقظ كل صباح من أجل عمل شاق يضمن لي رغيف خبز فقط.

لكن العالم لم ولن يكن ملك يدي، وكل ما أملكه هو الآن، وقلمي، وما تبقى من الورق، وكثير من الأرق، وأنا هو ما أنا إياه الآن، ولا يمكنني أن أكون غير ما أنا عليه، ولا يعني هذا أنني سئمت العيش أو أنني متشائم، أو حتى كسولًا، إنما كان يمكنني أن أكون غير ما أنا عليه، لكني كنت أفتقر لشيء ما، شيء بإمكانه أن يخرجني من هنا، وإلا ستبقى رسالتي السنوية كما هي، لا شيء فيها ذو قيمة، وليس فيها ما يستحق أن يقال.

وحينئذ لم يَبقَ شيء يشعرني ولو بالانتماء، أشعر كما لو أنني ولدت في زمن ليس لي، في بلد ممزق يتقن فن الخراب، وأنا فيه خريطة ممزقة في قرية خراب.

نُصلب فيها دون قضبان، ونُجلد بغير سياط، نركض في عدوٍ عبثيٍ لا وجهة له، نلهث في الزحام ولا أحد منا يبلغ النهاية؛ وحدهم الموتى وصلوا.

يبدو أننا اقتربنا من الحقيقة منذ بدأنا نحسد الراحلين كلما عبرنا فوق المقابر، لا لأننا سئمنا الحياة، بل لأن الحزن صار هو القماشة الوحيدة التي نرتديها، والأسى حمل ثقيل يشد خطواتنا نحو اللاشيء، ولا شيء نرجو غير النهاية، نهاية نضع فيها الإبرة جانبًا، ونكف عن رتق أيامنا المهترئة، ونطمئن أن ما مضى من وجع كان كافيًا لئلا يعاد مرة أخرى، ولكن كيف لنا ذلك، وقد تملكنا التعب ونحن نطارد خيطًا لا ينتهي؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة