كلما كنت أفضل فيما تفعله فإن قدرتك على نقل فهمك، أو مساعدة الآخرين على تعلم هذه المهارة، تغدو على الأغلب أسوأ فأسوأ هكذا قال عالم النفس”سيان بيلوك” رئيس كلية “بارنارد” تأصيلا لفكرة عدم قدرة هؤلاء على تفهم جهل الآخرين بما يروه هم بديهيا وطبيعيا، وما هو معلوم في الحياة بالضرورة.
وكثيرا ما سمعنا إذا كنت تريد أن تكون الأفضل فعليك أن تتعلم من الأفضل. ومن أفضل من “ألبرت أينشتاين”أن يكون معلمك في الفيزياء؟ فبعد أن نشر ألبرت أينشتاين أول بحث له عن النسبية تهافتت عليه الكثير من الجامعات، ليقوم بالتدريس فيها، فعمل مدرسا في جامعة بيرن” وكان متوقع له النجاح الباهر من كل المحيطين به في المجال العلمي عامة، والفيزياء خاصة حتى أنت عزيزي القارئ لا تشك لحظة في نجاح ألبرت أينشتاين عبقري الفيزياء، فالتدريس بالنسبة له لعبة يمارسها بكل سهولة، ولكن ألبرت أينشتاين خيب آمال الجميع فلم يستطع أن يجذب اهتمام الطلاب إلى موضوع الديناميكا الحرارية المعقدة فلم يسجل لدراسة المادة سوى ثلاثة طلاب فقط.!!!
في الفصل التالي اضطر أينشتاين إلى إلغاء الصف، فلم يسجل فيه سوى طالب واحد فقط، وبعد هذا الفشل الذريع في التدريس استطاع أينشتاين أن يتولى منصبا في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا برغم مخاوف من حوله بشأن مهاراته في التدريس، ولكنه حصل على هذا المنصب بعد تأييد صديق له، وقد اعترف هذا الصديق بأن أينشتاين ليس متحدثا لبقا، ولم يكن يوما معلما ملهما، وكان يرى أن محاضراته غير منظمة.
يحكي أحد الطلاب الذي كان مهوسا بالعلماء الذين حصلوا على جائزة نوبل وكان يراهم الأفضل على الإطلاق ذهب إليهم ليتعلم منهم، ولكنه يقول بعد مرور شهر على سنتي الأولى أصبح واضحا لي أن هؤلاء الخبراء العباقرة هم أسوأ المعلمين على الإطلاق، يحكى هذا الطالب أن أستاذه البارز في تاريخ الفن كان يتحدث عن منحوتات مايكل أنجلو على حجر “بيترا سيرينا” ولكنه لم يكن لديه استعداد ليوضح لماذا كان ذلك مهما؟ فخرجت من الدرس، ولم أفهم ما الفائدة مما يفعله أنجلو؟.
وأيضا أستاذ الفيزياء الفلكية الشهير كان يشرح لنا كيف بدأ الكون وأن الكون يتسع، ولكن لم يكلف نفسه عناء وشرح لنا ما معني أن الكون يتسع.
الأمر ليس إنهم غير مهتمين بالتدريس، ولكنها لعنة المعرفة كما يقول علماء الاجتماع فيصعب على هؤلاء فهم مستوى جهل من يعلمونهم فهم لا يتوقعون ممن حولهم إنهم لا يفهمون البديهيات بالنسبة لهم.
ووصلت إلى قناعة تامة بإننا إذا أردنا تعلم شيئا جديدا فعليك أن تضع بعض العوامل في اختيار المعلم:
أولا: المدة التي مرت منذ أن تعلم المادة التي سيقوم بتدريسها للطلاب، فمعظم الجامعات العريقة تفتخر أن معظم أعضاء هيئة التدريس فيها خبراء كبار، بالرغم أن أفضل أساتذتي كانوا من الخريجين الجدد لأن من السهل عليهم تذكر حال المبتدئين ولديهم استيعاب لجهل المبتدئين على عكس العلماء المخضرمين.
ثانيا: أن نتعلم ممن وجدوا صعوبة في التعلم ووصلوا بعد مشقة إلى مهارة وإبداع في مادتهم.
نحن غالبا ننجذب نحو العباقرة أمثال أينشتاين، لأن خبرته تبدو وكأنها جاءت بدون تعب هذا خطأ. يجب علينا أن نتعلم من المتفوقين الذين تخطوا الصعوبات والمعوقات في طريق تعلمهم يجب أن نتعلم من الذين حققوا الكثير، وغير المتوقع بقدر من الموهبة ضئيل.
يحكي أحد الأشخاص الذين كانوا يتدربون على الغطس، يقول: كنت في المدرسة الثانوية أتنافس كغطاس يقف على منصة الوثب، وسألت ذات مرة لاعب أولمبي إذا كان لديه طريقة، أو خدعة لتعلم القيام بثلاث شقلبات ونصف كان جوابه لي هو: عليك أن تصعد في كرة ودور بسرعة، هذا كل ما في الأمر كان لديه موهبة طبيعية، قد منحه الله إيها فكان يقوم بها بشكل تلقائي، ولم يتعب في تعلمها فلم استفد من بطل أولمبي ما استفدته من مدربي “إيريك بيست” الذي أمضى سبع سنوات وهو يحاول أن يقوم بهذه الغطسة بشكل صحيح، وكان قادرا على اطلاعي بكيفية تعلم هذا رغم صعوبته على مثلي. فالقدرات البدنية المحدودة التى منعته أن يكون غواصا اولمبيا، دفعته أن يكتسب المعرفة ليصبح مدربا للاعبي الأولمبياد.
ثالثا: ركز على مدى نجاح المعلم في نقل المادة، أو إيصال المعلومة بنفس مستوى تركيزك على مدى معرفة المعلم بالمادة.
إيصال المعلومة بشكل واضح وسليم صعب بشكل خاص بالنسبة للخبراء الذين يدرسون الصفوف الأساسية.
قد يكون ذلك أحد الأسباب وراء الدراسات التى تظهر على أنه عندما يأخذ طلاب الجامعات صفا تمهيديا مع محاضر غير مؤهل لعقد دائم مع الجامعة، فإنهم يحصلون على علامات أعلى في الصفوف التالية المتقدمة في نفس المادة.
في مجال التعليم نفترض في كثير من الأحيان أن مهنة ناجحة تؤهل الشخص للتدريس، هذا هو السبب في أن كليات إدارة الأعمال تحب توظيف المديرين التنفيذين السابقين كأساتذة لكننا نفعل ذلك في الاتجاه المعاكس يجب أن نرسل المعلمين لإدارة الأعمال لمعرفة كيفية إيصال المعلومة.
قبل أن تقوم الجامعات بتوظيف المتفوقين فإنه من الأفضل لها معرفة استطاعة هؤلاء على التدريس، وقبل أن تبحث عن خبير كمعلم أو مدرب لك تذكر أن الأمر لا يتعلق فقط بما يعرفه المعلم بل الأمر يتعلق بسهولة عرضه للمادة، ووضوحها، وحداثة تعلمه للمادة، وحماسه، وإصراره، ودافعه في توصيل المعلومة.
أن تكون فيزيائيا عبقريا لا يجعلك معلم فيزياء رائع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.