عاش العقاد حياة حافلة بالأحداث والصراعات، وكان له، بما أُوتي من شخصية قوية، وذكاء مميز، وحصافة رأي، ونفاذ بصيرة، فهم وعلم وثقافة واطلاع، موقف من مجريات عصره ومن الدهر ومن الناس… إنها حياة مضطربة متنوعة تجيش بكل لون ولون: مزيج من الخيبة والنجاح، واليأس والرجاء، والفراق واللقاء.
فكنت تراه راضيًا حينًا، مطمئنًا وادعًا، وثائرًا ساخطًا باكيًا شاكيًا حينًا آخر، وشكواه أكثر من رضاه، وحزنه أعمّ من فرحه، وهو إلى الشك أقرب منه إلى اليقين، وإلى اليأس أدنى من الرجاء.
غربة العباقرة: لماذا رأى العقاد نفسه غريبًا كالمتنبي؟
ولا غرو، إنه كأمثاله من العباقرة الشعراء الذين عاشوا في عصرهم غرباء، وبلَوا الناس وأخلاق الناس وطباعهم، كما بلَوا الدهر ونفذوا إلى أعماق الدهر، فما عادوا إلا خائبين، وما وَلَّوا عنه إلا متحسرين. ألم يقل كبيرهم، عنيت أبا الطيب المتنبي، إذ قال:
صحبَ الناسُ قبلنا ذا الزمانا
وعناهم من شأنه ما عنانا
ثم ولَّوا بحسرةٍ كلهم منه
وإن كان سرَّهم أحيانًا
هكذا أيضًا حال شاعرنا العقاد الذي برزت شخصيته في شعره، وبرزت معها جوانب نفسه الإنسانية، وضعفه البشري على قوة شخصيته؛ نفس متألمة ثائرة، شاكية ساخطة، تشكو الدهر والناس، وتذم الأخلاق والطباع، طباع الناس وأخلاقهم.
ثورة مبكرة: كيف جسد العقاد صراعه مع الدهر في بواكير شعره؟
وإنا لنلمس شيئًا من شكوى الشاعر ويأسه وثورته على الدهر والناس في بواكير شعره خاصة، وهو القائل:
أحمل هذا الدهر ذمَّ صنيعه
كما يحمل العبد السياط ليُضرَبا
ويشبه عبدَ السوء في كل فعله
فيُضرَب أحيانًا وما زال مذنبًا
وهو القائل أيضًا، وقد شهد تكالب الناس على الدنيا ومتاعها تمامًا كالأنعام، بل كالوحوش الضارية:
ظلموا الوحوشَ وهو والله أحرى
منك بالأمن أيها الإنسانُ
إن للوحش جوعتين وأنتم
جوعكم في حياتكم ألوان
وما أحلى نباح الكلب إذا نبح، ويا لصوته وهريره بإزاء الذين يهرون هرير الكلاب في إيذائهم الآخرين:
إن عيَّ اللسان خيرٌ من النطق
إذا كان للأذى سلاحا
وسعارُ الكلاب أهون شرًا
من سعارٍ يمزق الأرواحا
أجل، ما أحلى نباح الكلب، وما أقبح صوت بني الإنسان، ثقيلهم خاصة:
عدمتُك من فتى لو كان يُضنى
بثقلته فتى لقضى قتيلا
يموت الناسُ من داءٍ وهذا
يُميتُ الداءَ والموتَ الوبيلَا
الجهل والحمق
الجهل والحمق من أبرز ما يرين على أخلاق الناس، وهذا ما ينفر الشاعر منهم، ويُنغِّص عليه العيش… إن معظم الأناسي يخبطون خبط عشواء، لا يميزون الخير من الشر، مثلهم مثل الحشرة التي لا تميز بين النور والنار. يقول العقاد:
ما وجدنا من البرية إلا
خُلقًا زائفًا وجهلًا مبينًا
حشراتٌ لا تعرف الخيرَ والشرَّ
وفيها الهلاكُ للعارفينا
على أن هذا الجهل الفاشي في أخلاق الناس وطباعهم ونفوسهم ليصعب شفاؤه، لذا فما على العاقل إلا أن يتجاهل مع هؤلاء، أي يُظهر الجهل وما هو بجاهل، تمامًا كما فعل المتنبي من قبل إذ يقول:
ولما رأيتُ الجهلَ في الناس فاشيًا
تجاهلتُ حتى قيل: إني جاهل
وهكذا فعل العقاد، حاذيًا حذو صاحبه، يقول العقاد:
دُر مع الناس كيسًا كغبي
هكذا الكيسون كانوا قديمًا
وتجاهلْ فليس من يجهل الجهلَ
حَريًّا بأن يُسمى عليمًا
وإذا المرءُ كان بالحمق يحظى
فمن الحمق أن تكون حكيمًا

الكذب
والكذب من أخلاق الناس وطباعهم، يثور الشاعر عليه، ويذم أصحابه، ويشكو أقرانه وأتباعه من المتصنعين والمموهين والمدلسين:
سُحقًا لهاتيك الوجوه فإنها
كذابةٌ لا تُحسن التمويها
حسنت ولو نقلت صفات نفوسها
لرأيت أقبح ما رأيت وجوهًا
اللؤم
ويذم اللؤم، واللؤم من شيم النفوس كما يقول المتنبي، يذمه في معرض المدح، يقول العقاد ساخرًا:
هو اللؤمُ سيفٌ للئيم وجُنَّةٌ
من الناس والدنيا مجال كفاح
فواها لنفسي في المجال مجردًا
أضعتُ مجني بينهم ورماحي
الكبر
ويا للكبر والمتكبرين، ما أبشعه وأبشعهم! ويا لحقارة تلك النفوس التي تغطي ضعفها بالكبرياء! ألم يقل شكسبير: «يا للكبرياء، إنه هبة السماء لضعاف النفوس»؟ يشكو العقاد هؤلاء فيقول من أبيات يخاطب بها المنظار المقرِّب:
مُدني الشعرى ألا أدنيت لي
نافِرًا تقصيه عني الكبرياء
أنت عينٌ من زجاجٍ موقُها
يجذب الأنوارَ من كل سماء
جُبلت عمياء إلا أنها
تُبصر الأعينُ منها ما تشاء…
الغنى والترف
ويثور على الغنى والترف، وعلى الناس الذين يشبعون من النعمة على حساب الجياع، ويشكو الحال التي يتخبط فيها الفقراء فيقول شاكيًا متذمرًا:
ضل الصوابُ وغمَّ الأمر واشتبهت
على المراقب يُمناه ويسراه
ما أبخسَ الروحَ في مصرٍ وأرخصها
وأنفسَ الخبز في مصر وأغلاه
لا تحسبوا أمةً يعلو أعاظمها
إذا الفقيرُ طلاب القوت أعياه
يأس ورجاء
ويستبد اليأس بالشاعر حينًا من الدهر والناس وطباع النفوس المجبولة على الشر واللؤم والكذب والنفاق والكبر، وينقدح في نفسه شيء من خيوط الأمل والرجاء، فيحاول أن يصبر ويتجلد داعيًا إلى الوقوف بثبات وحزم في وجه زعازع الدهر، معزيًا نفسه بالتعلل باللذة الحق، وما هي إلا السمو بالنفس والترفع عن أخلاق الطغام.
إذا صاحت الأطماعُ فاصبرْ فإنها
تنامُ إذا طال الصياحُ علتـي النَّهَمُ
وقهرُ الفتى آلامَه فيه لذّة
وفي طاعة اللذات شيء من الألم
والصبر في معناه الأدق، لا يكون إلا في الشدّة والبأساء والضرّاء، وهنا عظمة الصبر وشرفه. وإلا فأي معنى له إن كان المرء في البحبوحة والرخاء، وهو من البلْوى في نجاء؟ يقول العقاد:
لستُ على الصبر مثنيًا أبدًا
ما صحب الصبرُ غيرُ ذي شَجَنِ
لا يُحمد الصبرُ هانئٌ جذِلٌ
هل يُحمد الطبُّ وادعُ البَدَنِ
الخَخطبُ يعرو والصبرُ يعقُبه
يا بئسَ من صاحبين في قَرَنِ
والصبر الذي يدعو الشاعر إليه، ويحثّ الآخرين عليه، دعا نفسه إليه في المقام الأول، وحثّها عليه، يقول:
يا قلبُ صبرًا أجدُ الخطبُ أم هزلا
ما تلك أول بُؤسي خيبتْ أملا
حسبُ الدنيئةِ منا أن نصافحها
هنيئةً ثم نلهو بعدها جَذِلا
الصبر والحثّ عليه وتعزية النفس به، ولكن إلى متى؟ وهل الشاعر إذا ما علّل النفس به يحقق السعادة؟ وأين هي السعادة المنشودة؟ لا يرى العقاد في السعادة سوى حلم متعذّر التحقيق في عالم الواقع. وأنّى للشاعر أو الأديب أو العالم، والعاقل خاصة، أن يحقق هذا الحلم؟ يقول الشاعر:
مه يا سعادةُ عنّي
فما أنا من رجالكِ
لا تطمعي اليوم مني
بالسير خلف خيالكِ
فقد سألتكِ حتى
مَللتُ طول سؤالكِ
ويا لعبث الدهر وسخرية القدر! يسعى المرء جاهدًا إلى الحصول على السعادة، فإذا هي أحلام خادعة، وأمنيات كاذبة ينفيها الواقع ويمنع منها العمر القصير. وهل الأماني في الأصل إلا بضاعة الموتى؟ يقول العقاد مخاطبًا نوم المرء ورقاده:
أيا ملكًا عرشُه في العيون
يُظلِّل دنيا الكرى بالجناحِ
ضممتُ عليك جفونًا تراك
أبرَّ بها من وجوهِ الملاحِ
وتُدني إلينا بعيدَ الرجاءِ
إذا الدهرُ ماطَلنا بالسماحِ
أماني يحظى بهنَّ النيامُ
وجدُّ الحياةِ شبيهُ المزاحِ
ولو رام يسعى إليها امرؤ
تقضّى به الدهرُ دون النجاحِ
إذا كان عيشُ الفتى لا يدومُ
فهَزلُ المنامِ كجدِّ الصباحِ
أجل، السعادة مجرد أحلام وأوهام يتلذذ بها النائم، وخيال يسبح فيه الشاعر. وهل الشعراء إلا كما وصفهم الله سبحانه في كتابه: «أنهم في كل وادٍ يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون»؟ يقول العقاد مشيرًا إلى مأساة الشعراء هذه:
ملوكٌ فأما حالُهم فعبيدُ
وطيرٌ ولكن الجدودُ قعودُ
أقاموا على متن السحاب فأرضُهم
بعيدٌ وأقطارُ السماءِ بعيدُ
مجانينُ تاهوا في الخيال فودّعوا
رواحةَ هذا العيشِ وهو رغيدُ
وما ساءَ حظُّ الحالمين لو أنهم
تدومُ لهم أحلامُهم وتجودُ
إذًا، لا سعادة البتة في هذه الدنيا، وإن كان من سعادة حقًّا، فهي –في نظر الشاعر– في بطن الأرض، أي في الموت، لا فوق الأرض:
إن السعادةَ تحت الأرض معدنُها
لا يطلبُ السعدَ من آوتْه أجبالُ

ولا تجلد، ولا صبر، حتى لو تجلد وصبر، وهنا مأساة الشاعر أيضًا:
إن دوائي أمرُّ من سقمي
والصبرُ أقسى عليّ من ألمي
ولا حقيقة، حتى ولو زعم الحكماء أن ثمة حقيقة في هذا الوجود، إذ العقول أسرى الأهواء، وهي غارقة في الجهل والأوهام:
أين الحقيقةُ؟ لا حقيقةَ
كل ما زعموا كلامُ
الناسُ غرقى في الهوى
لم ينجُ غرٌّ أو إمامُ
العقاد في مواجهة العام الجديد
وعجيب أمر هذا الشاعر الذي كان يومًا رابطَ الجأش، قويَّ النفس، صليبَ العود، فإذا هو يألم ويحزن ويضعف أمام الدهر. وهي ذي أيام العام وشهوره قد تصرّمت، وهو ذامّ العام الجديد على قاب قوسين أو أدنى، وها هو الشاعر ينظر إلى قدومه فيقول:
تمنّيتَ لي الإسعادَ فاسعدْ وأمِّلْ
وعلّلتني بالخير فاسلمْ وعلِّلْ
وبشّرتَ بالعام الجديد كأنني
أبدّل حالًا بين ماضٍ ومُقبِلِ
فبشّر بعامٍ زال عنّا مذمّمًا
وإلا فما البشرى بعامٍ مزملِ
برِمنا بما يمضي الغداةَ فبعدَه
أحبُّ إلينا من مُلاقاةِ ما يلي
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.