الأغراض الشعرية عند العقاد: من رمزية الخمرة إلى جلال الوطنيات

اشتهر العقاد بكونه عملاق النثر والتحليل النفسي والتاريخي، لكنّ جانبه الشعري يظل المرآة الأصدق لروحه المتمردة وفلسفته العميقة؛ فهو الشاعر الذي رفض الجمود، وأسس مع رفاقه «مدرسة الديوان» ليعيد للشعر العربي وحدته العضوية وجوهره الإنساني.

في هذا المقال، نبحر في أعماق التجربة الفكرية للعقاد، ونستكشف دواوينه التي مزجت بين رهافة الحس وصرامة العقل، متوقفين عند أبرز أغراضه الشعرية بين الخمرة، والرثاء الصادق، والوطنيات الثائرة.

عباس محمود العقاد: عملاق الأدب والفكر العربي

يُعد عباس محمود العقاد (1889 - 1964) أحد أعمدة النهضة الأدبية في العصر الحديث، وهو المفكر العصامي الذي بنى مجده الأدبي بجهده الشخصي وثقافته الواسعة التي استقاها من القراءة والاطلاع، متجاوزاً حدود التعليم الرسمي ليصبح واحداً من أكثر الكتاب غزارة وتأثيراً في الفكر العربي.

نبذة عن حياته ونشأته

ولد العقاد في مدينة أسوان بمصر، واكتفى بالتعليم الابتدائي، لكن طموحه لم يتوقف عند هذا الحد. عكف على القراءة في شتى الفروق الأدبية، والعلمية، والفلسفية، وأجاد اللغة الإنجليزية م مما فتح له آفاق الثقافة الغربية. عُرف بشخصيته القوية، واعتزازه بفكره، ودخوله في معارك أدبية وسياسية كبرى دفاعًا عن الحرية والكرامة.

المنهج الفكري والأدبي

تميز فكر العقاد بالنزعة الفلسفية والتحليل العميق. كان يؤمن بأن الأدب هو تعبير عن الشخصية الإنسانية، ولذلك كان شعره ونثره محملًا بالتأمل والمنطق. أسس مع المازني وعبد الرحمن شكري «مدرسة الديوان» التي دعت إلى التجديد في الشعر العربي والتحرر من القوالب التقليدية الجامدة، والتركيز على الوحدة العضوية للقصيدة.

دواوينه الشعرية

رغم أن العقاد اشتهر بصفته مفكرًا وناقدًا، فإنه بدأ حياته شاعرًا، وصدرت له عدة دواوين تعكس تطور فكره وتأملاته النفسية، ومنها:

  1. يقظة الصباح: وهو باكورة أعماله الشعرية، وفيه تظهر ملامح تجديده المبكر.
  2. وهج الأربعين: ديوان يعبر عن مرحلة النضج الفكري والوجداني.
  3. عابر سبيل: تميز هذا الديوان بتناول تفاصيل الحياة اليومية والأشياء البسيطة بلمسة فنية فلسفية.
  4. أعاصير مغرب: يعكس التأملات الفلسفية العميقة في مرحلة متأخرة من حياته.
  5. ديوان من وحي الأربعين.
  6. هدية الكروان.

دواوين العقاد

الأغراض الشعرية عند العقاد

إن ديوان العقاد يتضمن أغراضًا شعرية شتى اختزلنا منها ثلاثة، وهي: الخمرة، والرثاء، والوطنيات والاجتماعيات، لجهة كونها أبرز أغراضه وأكثرها شمولًا، وأبرعها أسلوبًا، وأصدقها شاعرية والتصاقًا بحياة الشاعر ونفسه؛ إذ إن المدح في شعر العقاد يكاد لا يُذكر، ومثله الفخر والهجاء والزهد.

أولًا: الخمرة

باستثناء خمريته التي حاكى فيها خمريات ابن الفارض، عنيت الخمرة الإلهية، فإن العقاد ذكر الخمرة في شعره، ووصف مجلسها، ودنَّها، وكأسها، وقدمها، ولونها، وجماعة الشرب أو الندامى، كما تحدث عن تأثيرها في النفس، والنشوة التي تخلفها، وسواء أكان العقاد صادقًا في وصفه أم غير صادق، وسواء أشربها فعلًا مقترفًا هذا الإثم الذي يتنافى مع ما عُرف عنه من عفة وترفع، وتمسّك بأهداب الدين وتقوى، أم لم يشربها فعلًا، فكان حاله حال العديد من الشعراء الذين ضمنوا شعرهم هذا اللون أو الغرض من الشعر على سبيل التقليد أو التفنن والتنوع، ليس إلا… سواء هذا وذاك فإن ما بين أيدينا من شعر خمري توزعته أجزاء ديوانه العشرة ليشهد على براعته في هذا المجال وقدرته على الإبداع الشعري في الخمرة شكلًا ومضمونًا وأسلوبًا وتصويرًا وتأثيرًا.

قلنا إن العقاد قلّد ابن الفارض في إحدى قصائده الخمرية، فذكرها وناجاها ووصفها على سبيل المجاز لا الحقيقة، والخمرة التي يعنيها، وهي من الشدة والتأثير بمكان، هي الخمرة الإلهية، لا تلك التي تُنسب إلى الكرم والدنان.

يقول العقاد من تلك القصيدة:

ولو مزجوا بالخمر طينة آدمٍ *** لعاش ولم يدرِ القطوبَ محياه
إذا نزل الندمان في ملكوتها *** تلاقوا فلا ذل هناك ولا جاه
كأن الطِّلى بحر، فمن خاض لُجَّه *** تَعرّى فلا جند تماز ولا شاه
وكيف حواها الكوب والكوب جامد *** يدور فلا يهتز في الكف عطفاه

ومن أجل الشعر الخمري، وأرقّه، وأكثره عذوبة وسلاسة، ذلك الشعر الذي يخاطب فيه العقاد نديمه طالبًا منه أن يتناسى الهم بكأس من الخمر، سُمِّيت «كأس الحياة»، وخمرة هي خمرة تملأ القلب، وتثير الذكرى، وتحيي ميت الإحساس؛ إنها بهجة للنظر، وسُكر للحواس، ونشوة للأنفاس، وشفاء، بل صحوة للروح من بعد ممات.

يقول العقاد:

يا نديم الضبوات *** أقبل الليل فهات
واقتل الهم بكأس *** سُمّيت كأس الحياة
خرب القلب فعمره *** بجيد الساكنات
خمرة تملأ قلبي *** بقديم الذكريات
وشجي النفحات *** وجني الثمرات
هاتها كالقطر أو *** كالتبر أو كالجمرات
علني أقبس منها *** نفسًا يحيي مواتي
هي تاج للصعاليك *** وكنز للعفاة

ومن قصيدة بعنوان «سُكران»، يصف مجلسًا للشراب يخاطب فيه النديم، ويذكر الحبيب الذي لا يقل تأثيره في نفس الشاعر عن تأثير الخمرة عينها، وإذا ما كان للناس سُكر واحد هو سُكر الخمرة، فإن للشاعر سُكرين اثنين: سُكر الخمرة وسُكر الحبيب.

يقول العقاد من تلك القصيدة، وهي تمتاز بالسهولة والسلاسة:

هاتِ اسقني يا نديم *** إن الرجاء عقيم
داء الحياة قديم *** مُعْيٍ على الإمكان
هذا بشير الزمان *** فانشر دفين الأماني
على دعاء المثاني *** وضجة الندمان
ونادِ بالخمر جُوبي *** في كل عِرق طروب
وخالطي في القلوب *** مواضع الأحزان

ثانيًا: الرثاء

فُجع العقاد بفقد عدد من الأصدقاء والأصحاب، كما فُجعت الأمة بفقد عدد من رجالاتها المشهورين وزعمائها الوطنيين المخلصين، فكان لهذا تأثير في نفسه وإحساسه وشعوره الذي أفصح عنه رثاؤه لهؤلاء. وما بلغ العقاد في الرثاء شأو الفطاحل المعاصرين له في هذا المضمار كحافظ وشوقي، على سبيل المثال، إذ غلب المنطق والعقل على شعره، وما كان حظ العاطفة عنده عظيمًا، اللهم إلا في بعض مراثيه التي منها هذه الأبيات يرثي بها طفلة ماتت وهي في عمر الورد. يقول العقاد:

زهرة كان وجهها *** نور قلبي وناظري
حملتها يدُ الرَّدى *** حملَ من لم يُحاذِر
فتوارت ولم يزل *** غُرفها ملء خاطري

ومن مراثيه التي تمتاز بالجزالة وصدق الإحساس والشعور والفخامة، تلك التي يرثي فيها زعيم الأمة وحامل لواء نهضتها الوطنية والاجتماعية سعد زغلول.

يقول العقاد من قصيدة أنشدها في ذكرى أربعين سعد زغلول، وبلغ عددُ أبياتها المائتين:

أمضت بعد الرئيس الأربعون *** عجبًا كيف إذن تمضي السنون
فترة التيه تغشّت أمةً *** غاب موساها على طور سنين
كل يوم ينقضي نفقده *** وهو ملء الصدر من كل حزين
تبكر البلوى به حين مضت *** والبلايا حينما تمضي تهون
كيف تنسى الناس من لم ينسهم *** يوم تنسى النفس والذخر الثمين
لم يزالوا كلما قيل لهم *** ذهب الموت به يلتفتون
ينظرون القبر لم يبعد بهم *** عهد رب القبر في البيت الأمين
إيه يا سعد وما أنت سوى *** بشر يدركه ريب المنون
جئت للناس ببشرى خالق *** فإذا متَّ فلم لا يفتنون...

أبيات رثائية تغلب عليها النزعة العقلية والمنطقية، وأيًّا يكن مستواها الشعري فهي لن تبلغ بحال من الأحوال مستوى رائعة شوقي، على سبيل المثال، في الزعيم الوطني نفسه، عنيت قصيدة شوقي التي مطلعها:

«شيعوا الشمس ومالوا بضحاها *** وانحنى الشرق عليها فبكاها ...»

ولا مستوى رائعة حافظ في الزعيم عينه، ومطلعها:

«إيه يا ليل هل شهدت المصابا *** كيف ينصب في النفوس انصبابا»

ومن أصدق رثاء العقاد ما رثى به صديقه الشاعر الملهم، حافظ إبراهيم، وفيه خصائص رثائه المعهودة نفسها، لكنه رثاء صادق ينمُّ عن عاطفة ووجدان.

يقول العقاد يوم وفاة الشاعر الكبير حافظ إبراهيم:

«أبكاء وحافظ في مكان؟ *** تلك إحدى طوارق الحدثان

كنت أُنسًا فكيف أمسيت يا *** حافظ تدمى لذكرك العينان

كنت تتلو الرثاء معنى فمعنى *** كيف أمسيت بعض تلك المعاني

كنت أعلى الجوع صوتًا فهلا *** نطق الآن صوت ذاك البيان

وعزيز على بلادك أن *** تذهب يوم انبريت للميدان

يوم أطلقت من إسارك حرًا *** وأبيت الأسار للأوطان

ألهم الله مصر فيك عزاء *** لا بل العرب في شفيع اللسان

كلنا صائر كما صرت يومًا *** والذي قد صنعت ليس بفان»

ومثل هذا الرثاء العقلاني النزعة، البعيد عن التفنن والابتكار، رثاؤه عبد القادر حمزة، صاحب «البلاغ». يقول العقاد:

«جل المصاب بفقد عبد القادر *** ويح البيان على المبين الساحر

الباحث المنطيق في تاريخه *** الملبس الماضي لباس الحاضر

الناقد الأنباء نقد صيارف *** الوازن الآراء وزن جواهر

المستعين على السياسة بالحجا *** والعلم والقلم القوي القاهر»

ثالثًا: اجتماعيات ووطنيات

وللعقاد في الميدان الاجتماعي والوطني يد طولى، وحضور ممتاز عبر عنه بشعره الذي ينشده في العديد من المناسبات الوطنية والاجتماعية، ومن شعره الاجتماعي قصيدته التي يحيي فيها سعد زغلول لما جاء إلى أسوان زائرًا. يقول العقاد من تلك القصيدة، وهي تمتاز بجلال المطلع، وفخامة اللفظ:

«يا سعد حبك في النفوس عميم *** وخصوم مجدك هم لمصر خصوم

حسدوا علاك فآذنوك بكيدهم *** والكيد شاهر سيفه المهزوم»

وبمناسبة مضي خمسة عشر عامًا على إنشاء بنك مصر، وهو من منجزات مصر العظيمة، أنشد العقاد قصيدة منها قوله:

«بلغت الشباب فعش وازدد *** وأوح التهاني للمنشد

نما بك جدك للمعجزات *** فيالك من معجز مفرد

أفي السن كاليافع المرتجى *** وفي المجد كالهرم المخلد

وما هرم الصخر في مجده *** نظيرك يا هرم العسجد ...»

وفي ذكرى سيد درويش، وهو سيد في الغناء والتلحين، كاسمه، يقول العقاد من شعر قاله في الحفل الذي أقيم بتلك المناسبة، وذلك سنة 1935م:

«اذكروا اليوم سيدا *** واحفظوا الذكر سرمدا

وتغنوا بمجد من *** قد تغنى فأسعدا

كان للصوت مالكًا *** كيف لا يملك الصدى...»

ومن أشهر قصائد العقاد الوطنية والقومية تلك التي أنشدها بمناسبة ذكرى استقلال سوريا سنة 1930م، وفيها نلمح نزعة العقاد الوطنية، واعتزازه بالقومية العربية، وتأكيده على روح الوحدة والأخوة بين جميع الأقطار العربية، الشامية والمصرية. يقول العقاد:

«ربع الشآم أعامر أم خال *** اليوم عيدك عيد الاستقلال

بوركت من وطن يحل شهيده *** في حيثما ألقى عصا الترحال

إنا بنو وطن تقرب بينه *** سيناء في قدسية وجلال

الشمس تجمع في المطالع بيننا *** والأرض في حرم الجوار الغالي»

ذلكم كان هو العقاد، كاتبًا واسع الاطلاع، شمولي التفكير، ثاقب النظر، بعيد الغور، متعدد المواهب، متنوع الإبداع، اتخذ من الأدب سلاحًا دافع به عن نفسه وقومه ودينه ومعتقده، وذبّ فيه عن الإسلام مبينًا حقيقته، مفندًا أباطيل خصومه.. وذلكم كان هو العقاد، شاعرًا غزير المادة، متعدد الأغراض.. في شعره القديم والجديد، والغث والسمين، لقي إعجابًا واستحسانًا من المعجبين، ولقي معارضة واستهجانًا من الخصوم والمعارضين.. فيه الخيال والعاطفة تجيش أحايين، وفيه العقل والمنطق، وإن كان حظ هذين أوفر في معظم الأحايين

وأيًّا يكن، فإن العقاد صدر في شعره عن تجربة وإحساس وشعور هو ترجمة لخوالج النفس وبواعث التفكير، وهل هذه، وكما قال العقاد نفسه، في معرض الرد على توماس لَف بيكوك، الذي وصف الشاعر بأنه نصف همجي يعيش في عصر المدينة، هل البواعث هذه إلا الشعر عينه، يفنى إذا فنيت، وبفناء الشعر يفنى الإنسان.. هذا الإنسان الشاعر في مبانيه وعروضه ولباسه ومطاياه. فحريّ به أن يكون شاعرًا في الكلام الموزون، وهو أجمل الكلام وأشجاه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.