عباءة السعادة

البحث عن السعادة، هدف نعيش العمر تنقيباً عنه في كل لحظة وخطوة وكلمة وعلاقة، وقد يمضي بنا قطار الأيام لمحطته الأخيرة، ولا ندركه، ورغم ذلك لا نفقد رجاءنا في البحث عنه، ويعترينا أمل منا له في الحياة الآخرة، التي نرى فيها تعويضاً عن خيباتنا الكبرى في أحلامنا الشهيدة في معارك الحياة.

التساؤل الأهم هنا هو "لماذا نَضل الطريق دائماً للسعادة؟"

هل لأننا نخطو إليها في الطرق الخاطئة التي تقودنا إليها توقعاتنا الخاطئة؟ أم أننا وصلنا إليها مرات عديدة، ولم نراها أو نستشعرها لأننا انشعلنا عنها بتعظيم أثر الأشخاص والأشياء، ممن نسلم لهم مفاتيح قلوبنا ومشاعرنا ليغرسوها فينا؟

فهل نجوب الأرض بحثاً عن السعادة وهي داخلنا أو بين أيدينا أو نعيشها أحياناً ولا ندري، ونكون كما قال الأديب الروسي تولوستوي "نحن نبحث عن السعادة غالباً وهي قريبة منّا، كما نبحث في كثير من الأحيان عن النظارة وهي فوق عيوننا"، فكيف نهتدي ونرتدي عباءة السعادة؟

توصيف السعادة هي أول خطوة نحوها، وقد تبارى الكتاب والحكماء والفلاسفة في وصفها والطرق المؤدية إليها، فهل للسعادة أنواع "مادية أو روحية، داخلية أو خارجية"، وأحجام "أبدية وطويلة وقصيرة"؟

وهل هي كامنة في طريقة التفكير والمزاج العام؟ أي أننا نعيشها ونلتمسها في ترويض النفس على القناعة وأننا دائماً في أفضل حال، لأننا لم نقصر في حق أنفسنا وما نعيشه هو اختيار الله لنا ودائماً هو الأفضل مهما كان ظاهرياً أسوأ، ويجسد هذا المعنى الإمام علي ابن أبي طالب في قصيدة له من أجمل مأثوراته يصف فيها ماهية السعادة وطرق الوصول إليها بقوله: "النفس تبكي على الدنيا وقد علمت "أن السعادة فيها ترك ما فيها..، لا دارٌ للمرءِ بعـد المــوت يسكُنهـا" إلا التي كانَ قبل الموتِ بانيها .. فـــإن بناهـا بخير طـاب مسكنُـه" وإن بناهــا بشر خــاب بانيـــها.. أموالنا لــذوي الميراث نجمعُها "ودورنا لخــراب الدهــر نبنيـــها.. لا تركِنَنَّ إلى الدنيــا وما فيــهـا" فالمـوت لا شـك يُفـنـيـنا ويُفنيــها.. لكل نفس وإن كانت على وجــلٍ" من المَنِـيـَّةِ آمـــالٌ تــقــــويـــهـــا"، ومن أقواله الشهيرة في طلب السعادة: "إنّ أحببت أن تكون أسعد النّاس بما علمت، فاعمل... والسعادة هي مجرّد فرحة بسيطة تدخل القلب وتظهر الابتسامة الجميلة ويلخص الإمام علي منهجاً بسيطاً للوصول للسعادة الكاملة بقوله: "راحة الجسم في قلة الطعام.. وراحة النفس في قلة الآثام.. وراحة القلب في قلة الاهتمام.. وراحة اللسان في قلة الكلام"، مسرّة الكرام في بذل العطاء، ومسرّة اللّئام في سوء الجزاء".

ويحدد الفقيه ابن القيم الجوزية منهجاً عملياً للسعادة فيقول: "التوحيد يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة، والفرح والابتهاج، اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر، وفي أوقات الخلوة؟

فإن لم تجده في هذه المواطن فسل الله أن يمن عليك بقلب، فإنه لا قلب لك "لأن لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه، وأشرف الناس نفساً وأعلاهم همة وأرفعهم قدراً من لذته في محبته والشوق إلى لقائه والتودد إليه بما يحبه ويرضاه"، وفي كتابه "الفوائد" يقول ابن القيم: "للإنسان قوتان، قوة علمية نظرية، وقوة عملية إرادية، وسعادته التامة موقوفة على استكمال قوتيه العلمية والإرادية".

الأديب والفيلسوف اللبناني الأمريكي جبران خليل جبران، وضع توصيفاً فلسفياً للسعادة بقوله: "ستبكي يوماً ما مما كان مصدر سعادتك وبهجتك حين يغمُرك الحزن، تأمل قلبك من جديد، فسترى أنك في الحقيقة تبكي مما كان يوماً مصدر بهجتك"، كما قال: "السعادة تكمن في تشوقنا لما نحن محرومون منه ممنوعون عنه، وما السعادةُ في الدنيا سوى شبحِ يُرجى فإن صار جسماً ملّه البشرُ".

وينسف الكاتب المسرحي البريطاني الشهير وليم شكسبير، وهم البحث عن السعادة المفقودة فكتب أغرب توصيف للسعادة بقوله: "لن أكون سعيداً جداً لو استطعت أن أصف كم أنا سعيد، علمتني الحياة أن أبكي في زاوية لا يراني فيها أحد، ثم أمسح دمعتي، وأخرج للناس مبتسماً".

خلاصة القول مما سبق أننا يمكننا اقتناص السعادة بلحظة إبحار في الذات، فقد تفيض علينا هذه اللحظة بمناعة من البهجة، تكفي لوقايتنا من مرارة أيام طويلة، ونحن صناع السعادة بداخلنا لا يمنحنا إياها غيرنا، ولا نعلقها بأحلام قد تحول دونها الأيام، وغالباً ما يطغى اشتياقنا لحلم نتمناه، على روائح الفرح التي تفوح حولنا فلا نستشعرها، ويتملكنا إحساس باللاوجود، ويقوقعنا في انكسارات الماضي، وهذا الماضي الحاضر الذي حرمنا متعته، ويعيش دائماً في أذهاننا، يجعلنا نطيل النظر إلى ما فاتنا، ونضيع ما نعيشه وما كان ينتظرنا، وعندما يزورنا الحزن نستسلم لهواجسنا، بأنه النهاية وطويل المقام، وعندما تزورنا السعادة كعابر سبيل، نعيش لحظاتها بقلق المترقب لشيء سيء في رحم الغيب، لأننا تربينا على الخوف من السعادة، واستئناس الحزن وانتظاره دائماً، وفي النهاية فإن الحياة فرصة لاختلاق السعادة من ذرات رماد أيامنا.

بقلم الكاتب


صحفي وكاتب مقالات - عضو نقابة الصحفيين المصريين


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

صحفي وكاتب مقالات - عضو نقابة الصحفيين المصريين