ليس من الصعب أن نجد سببًا مباشرًا لاختيار عام 2026 للاحتفاء بنجيب محفوظ؛ فالعام يحمل ذكرى مرور 20 عامًا على رحيله، كما اختار معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين اسم الأديب الكبير شخصية للمعرض، وهو اختيار ارتبط بذكرى مرور عقدين على غيابه.
لكن الإجابة عن السؤال الحقيقي لا تتوقف عند هذا السبب الزمني؛ فالمناسبات الأدبية لا تقاس فقط بعدد السنوات التي مرت على وفاة أصحابها، وإلا أصبح الاحتفاء بالأدباء مجرد جدول دوري تحكمه أرقام الذكرى. والسؤال الأهم هو: لماذا يبدو نجيب محفوظ مناسبًا لهذه اللحظة تحديدًا، ولماذا تحتاج الثقافة المصرية، بعد 20 عامًا من رحيله، إلى أن تضعه مرة أخرى في قلب المشهد؟
وعلى هذا الأساس، يصبح عام نجيب محفوظ أكثر من مناسبة لتذكر كاتب كبير، ويصبح فرصة لإعادة النظر في علاقة المصريين بالقراءة، وبالمدينة، وبالتاريخ، وبالرواية، وبالصورة التي يريد المجتمع أن يقدمها عن نفسه للأجيال الجديدة.
اختيار محفوظ شخصية لمعرض القاهرة للكتاب في 2026 لم يأت إذن بوصفه تكريمًا احتفاليًا فحسب، وإنما جاء في لحظة صار فيها اسم نجيب محفوظ يحمل أكثر من معنى في الوقت نفسه؛ فهو أديب نوبل، والروائي الذي جعل القاهرة شخصية تكاد تنافس أبطال رواياته، والكاتب الذي استطاع أن يحول تفاصيل الحياة اليومية إلى مادة أدبية واسعة، وصاحب المشروع الذي امتد عقودًا طويلة من دون أن يفقد اهتمامه بالإنسان العادي وأسئلته الكبرى.
وقد شهد العام بالفعل عددًا من المبادرات والفعاليات المرتبطة باسمه، من بينها الندوات والمعارض ومشروعات القراءة والمسابقات والأنشطة الثقافية التي تستعيد تجربته وتقدمها إلى الجمهور من زوايا مختلفة، وهو ما يجعل الاحتفاء به يتجاوز مجرد وضع صورته على الملصقات إلى محاولة إعادة حضوره داخل الحياة الثقافية المصرية.
لكن المفارقة أن نجيب محفوظ لم يعد يحتاج إلى احتفال لكي يثبت مكانته؛ فاسمه حسم هذه المعركة منذ سنوات طويلة، ولم يعد السؤال: هل محفوظ كاتب مهم؟ فهذه قضية انتهت تقريبًا، ولم يعد مطلوبًا أن نثبت أنه صاحب مشروع روائي كبير أو أنه استطاع أن يضع الرواية العربية في قلب المشهد العالمي؛ فهذه حقائق أصبحت جزءًا من تاريخ الأدب الحديث.
والسؤال الأكثر إلحاحًا الآن هو سؤال آخر تمامًا: هل ما زال محفوظ قادرًا على أن يكون كاتبًا حيًا بالنسبة إلى قارئ لم يولد أصلًا عندما حصل على نوبل، وهل يستطيع شاب يعيش اليوم في عالم مختلف تمامًا عن العالم الذي كتب عنه محفوظ أن يجد نفسه داخل رواية كتبها صاحبها قبل عقود؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فإن الاحتفاء به يصبح فعل قراءة حقيقيًا، أما إذا اكتفينا بتكرار ما نعرفه عنه، فسوف يتحول عامًا بعد عام من كاتب يُقرأ إلى اسم يُذكر.

لماذا 2026 تحديدًا؟
السنوات العشرون التي تفصلنا عن وفاة نجيب محفوظ ليست مجرد رقم في التقويم؛ فعشرون عامًا تكفي لكي يتغير جيل كامل، وتتغير معه أدوات التلقي وطرائق المعرفة وعادات القراءة. فالقارئ الذي كان في العشرين من عمره عندما رحل محفوظ أصبح اليوم في الأربعين، أما الذي كان طفلًا في ذلك الوقت فهو الآن شاب يدخل الجامعة أو سوق العمل، كما أن جيلًا كاملًا تقريبًا يعرف اسم نجيب محفوظ قبل أن يعرف كتبه، وربما يعرف أنه صاحب نوبل قبل أن يعرف لماذا استحقها.
ولهذا فإن مرور 20 عامًا على رحيله يمثل لحظة مناسبة للتوقف أمام العلاقة التي نشأت بين محفوظ والأجيال الجديدة، وليس فقط أمام ذكراه بوصفها جزءًا من الماضي.
وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن الخطر الحقيقي على الكاتب الكبير ليس أن يُنسى اسمه، بل أن يتحول اسمه إلى عنوان محفوظ في الكتب المدرسية والموسوعات. يمكن أن يبقى اسم الكاتب حاضرًا في كل مكان، في حين يصبح أدبه غائبًا عن التجربة اليومية للناس، وحين يحدث ذلك يتحول الأديب من كاتب يُقرأ إلى شخصية تاريخية يُحتفى بها.
ولذلك فإن عام 2026 يمكن أن يكون محاولة لاختبار شيء أكبر من الذاكرة: هل يستطيع الأدب القديم أن يعبر إلى قارئ جديد، وهل يمكن لنصوص كتبت في زمن مختلف أن تفتح أسئلتها من جديد أمام إنسان يعيش في زمن شديد الاختلاف؟
وهذه القضية لا تخص أديبنا وحده، وإنما تخص الأدب العربي كله؛ فما الذي سيحدث لروايات طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ويحيى حقي ويوسف إدريس وغيرهم إذا أصبح التعامل معها قائمًا على التقديس التاريخي بدلًا من القراءة؟ وما الذي سيحدث للكاتب عندما يصبح أهم ما نعرفه عنه هو تاريخ ميلاده وتاريخ وفاته والجوائز التي حصل عليها، بدلًا من أن نتجادل حول شخصياته وأفكاره الفنية وأسئلته الإنسانية؟ إن الاحتفاء الحقيقي بمحفوظ لا يكون بإغلاق المسافة بينه وبيننا، وإنما بإعادة فتح الحوار معه؛ لأن الكاتب الكبير لا يعيش عندما نتفق معه دائمًا، وإنما يعيش عندما نختلف معه ونناقشه ونعيد تفسيره.
من ذكرى الرحيل إلى مشروع لإعادة القراءة
ربما تكون أهم فرصة يوفرها عام نجيب محفوظ هي أن ننقل الاحتفاء به من مستوى الذكرى إلى مستوى القراءة؛ فالذكرى بطبيعتها تنظر إلى الخلف، أما القراءة فتنظر إلى النص من جديد. وعندما نقرأ محفوظ اليوم، فإننا لا نقرأ فقط ما كتبه، وإنما نقرأ أنفسنا أيضًا؛ لأن القارئ يتغير بمرور الزمن، والأسئلة التي يطرحها على النص تتغير معه، ولذلك فإن الرواية نفسها يمكن أن تبدو مختلفة تمامًا بعد 20 عامًا أو 30 عامًا من قراءتها الأولى.
هذه إحدى أهم خصائص الأدب الكبير؛ فهو لا يملك معنى واحدًا نهائيًا، وإنما يفتح أبوابًا جديدة كلما تغير القارئ. ولذلك فإن إعادة قراءة محفوظ اليوم ينبغي ألا تكون مجرد إعادة لما قاله النقاد عنه في العقود الماضية، وإنما ينبغي أن تمنح الأجيال الجديدة حقها في اكتشافه بطريقتها الخاصة.
فمن حق القارئ الجديد أن يرى في محفوظ ما لم نره نحن، ومن حقه أيضًا أن يختلف مع بعض أفكاره أو شخصياته أو رؤاه؛ لأن الكاتب الذي لا يسمح إلا بمدحه يتحول سريعًا إلى أثر متحفي، أما الكاتب الذي يسمح للأجيال الجديدة بأن تدخل معه في حوار، فهو الكاتب الذي يبقى حيًا.
ولهذا يمكن أن يكون عام محفوظ فرصة حقيقية لإعادة تقديم أعماله في المدارس والجامعات والمكتبات ومؤسسات الثقافة، ليس بوصفها نصوصًا ينبغي حفظ المعلومات عنها، وإنما بوصفها أعمالًا يمكن مناقشتها والاختلاف حولها وربطها بالواقع. ويمكن أن تتحول رواياته إلى موضوعات لنقاشات الشباب وورش الكتابة والمسرح والسينما والقراءة الجماعية؛ لأن أفضل وسيلة لإبقاء الكاتب حيًا ليست أن نتحدث عنه أكثر، وإنما أن نجعل الناس يذهبون إلى كتبه بأنفسهم.
محفوظ الذي نعرفه ومحفوظ الذي لم نكتشفه بعد
توجد صورة شائعة جدًا لنجيب محفوظ تكاد تختصره في مجموعة من العناوين الكبرى: الثلاثية، الحرافيش، أولاد حارتنا، نوبل، السينما، المقهى، والرحيل. وهذه الصورة ليست خاطئة، لكنها ناقصة. فهي تقدم محفوظًا بصفته جزءًا من ذاكرة مصر، في حين يمكن أن يكون محفوظًا جزءًا من حاضرها أيضًا، ويمكن للقارئ الجديد أن يكتشف في أعماله أسئلة تتجاوز الزمن الذي كتبت فيه، لأن الرواية الجيدة لا تبقى أسيرة تاريخها، وإنما تعيد طرح أسئلتها كلما تغير العالم من حولها.
العودة إلى محفوظ اليوم لا تعني بالضرورة أن نعيد قراءة الروايات بالطريقة نفسها التي قرأها بها القراء قبل 30 أو 40 عامًا. فالقارئ تغير، والمدينة تغيرت، والعلاقات الإنسانية تغيرت، وطريقة تلقي الحكاية نفسها تغيرت. وهذا لا يعني أن محفوظ أصبح قديمًا، وإنما يعني أن أعماله أصبحت قابلة لقراءات جديدة.
وعندما يقرأ شاب اليوم «الثلاثية» مثلًا، فإنه لا يقرأ فقط تاريخ أسرة مصرية، وإنما يواجه مدينة تتغير أمام عينيه. وعندما يعود إلى «زقاق المدق» أو «ميرامار» أو «اللص والكلاب»، فإنه يستطيع أن يرى خلف الحكايات أسئلة لا تزال موجودة بأشكال مختلفة، مثل السلطة والفقر والطموح والطبقات الاجتماعية والخوف والحب والخيانة والبحث عن المكان ومحاولة الإنسان أن يجد لنفسه موضعًا في عالم أكبر منه.
لقد تغيرت الوسائل، لكن الإنسان لم يتغير بالسرعة التي نتصورها، وهذه ربما واحدة من أهم نقاط قوة محفوظ. فقد كان ينظر إلى التفاصيل الصغيرة التي تبدو عادية، ثم يكتشف داخلها صراعًا إنسانيًا كبيرًا. ولذلك فإن إعادة قراءته اليوم يمكن أن تجعل القارئ الشاب يكتشف أن كثيرًا من الأسئلة التي يظن أنها وليدة عصره كانت موجودة قبل ذلك بسنوات طويلة، وإن كانت قد ظهرت في ظروف مختلفة وبأشكال أخرى.

محفوظ والمدينة التي لم تعد هي نفسها
من أكثر الأسباب التي تجعل نجيب محفوظ صالحًا للعودة الآن أن القاهرة التي كتب عنها لم تعد القاهرة نفسها. المدينة تغيرت في شكلها وإيقاعها وعلاقات سكانها، لكن هذا التغير نفسه يجعل قراءة محفوظ أكثر إثارة لا أقل. فعندما نقرأ وصفه للأحياء القديمة والبيوت والشوارع والمقاهي والناس، فإننا لا نرى فقط ما كان موجودًا، وإنما نرى أيضًا ما اختفى، ونكتشف كيف يستطيع الأدب أن يتحول إلى ذاكرة لمكان لم يعد موجودًا بالطريقة نفسها.
ومن هذا المنظور يمكن أن يقدم محفوظ فرصة مهمة للجيل الجديد. فبدلًا من تقديمه بوصفه كاتب القاهرة القديمة فقط، يمكن تقديمه كاتب المدينة نفسها، وكاتب الإنسان عندما يعيش داخل مدينة تتغير باستمرار. وهذه زاوية تجعل محفوظ قريبًا من أسئلة الحاضر، حتى لو كانت الأمكنة التي كتب عنها قد تغيرت.
بل إن القاهرة نفسها تستطيع أن تقرأ محفوظًا بطريقة مختلفة، ويمكن أن تتحول شوارع الجمالية والحسين ومناطق القاهرة التي احتلت مساحة في أعماله إلى مساحات للقراءة والتأمل في علاقة الأدب بالمكان، على نحو لا يبقى معه محفوظ محصورًا في الكتب، وإنما يعود إلى المدينة التي منحها مساحة هائلة من حياته الإبداعية.
لماذا يحتاج الجيل الجديد إلى نجيب محفوظ؟
وفي هذا الإطار يمكن أن يصبح محفوظ مهمًا بصورة خاصة، لأن مشروعه الأدبي يقوم في جانب كبير منه على الصبر. فشخصياته لا تُفهم دائمًا من أول صفحة، والأحداث لا تقدم نفسها بوصفها رسائل جاهزة، والعالم الروائي يحتاج إلى وقت حتى يتكشف. ولذلك فإن إعادة محفوظ إلى القارئ الشاب يمكن أن تكون في جوهرها دفاعًا عن فكرة القراءة نفسها، لا بوصفها واجبًا مدرسيًا أو سلوكًا ثقافيًا تقليديًا، وإنما بوصفها تجربة تمنح الإنسان فرصة لكي يعيش داخل عالم آخر ويكتشف نفسه من خلاله.
ولا يعني ذلك أن نقول للشباب: اتركوا هواتفكم واقرؤوا محفوظًا. فهذه صيغة وعظية لن تنجح. والأفضل أن نسأل: كيف نجعل محفوظ قادرًا على الدخول إلى العالم الذي يعيش فيه هؤلاء الشباب؟ وكيف نقدم أعماله من خلال المسرح والسينما والبودكاست والرسوم والخرائط التفاعلية والرحلات الثقافية والمناقشات المدرسية والجامعية؟ وكيف نجعل الرواية بابًا إلى عالم آخر بدلًا من أن نقدمها بوصفها واجبًا ثقافيًا؟ وهذه الأسئلة أكثر أهمية من إقامة عشرات الندوات التقليدية التي يتحدث فيها المتخصصون عن محفوظ أمام جمهور يعرفه أصلًا.
محفوظ في زمن الذكاء الاصطناعي
يوجد سبب آخر يجعل 2026 عامًا مثيرًا لإعادة قراءة محفوظ، وهو أننا دخلنا مرحلة أصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءًا من المشهد الثقافي والمعرفي. يستطيع الإنسان اليوم أن يطلب تلخيص رواية في ثوان، وأن يحصل على شرح لشخصياتها، وأن يسأل عن فكرتها الرئيسية، بل أن يحصل على معلومات واسعة عن حياة الكاتب وأعماله من دون أن يفتح كتابًا واحدًا. لكن هذه القدرة تطرح سؤالًا عميقًا: إذا أصبح بإمكان التكنولوجيا أن تختصر الرواية، فما الذي يبقى للقارئ؟
الإجابة ربما تكمن في الشيء الذي لا يمكن اختصاره بسهولة، وهو التجربة. يمكن تلخيص أحداث «الثلاثية»، لكن لا يمكن اختصار تجربة قراءتها إلى مجموعة من المعلومات. ويمكن شرح شخصية سعيد مهران، لكن الشرح ليس هو الرواية. ويمكن أن تقدم التكنولوجيا عشرات الصفحات عن عالم محفوظ، لكن ذلك لا يعوض لحظة أن يجلس القارئ وحده أمام الكتاب ويبدأ في تكوين علاقته الخاصة بالشخصيات. ومن هذه الزاوية يمكن أن يكون محفوظ مفيدًا جدًا في عصر الذكاء الاصطناعي، لأنه يذكرنا بأن الأدب ليس مجرد معلومات يمكن استخراجها من النص، وإنما تجربة إنسانية كاملة.
قد تستطيع التكنولوجيا أن تخبرنا بما حدث في الرواية، لكنها لا تستطيع أن تعيش معنا لحظة اكتشافها بالطريقة نفسها التي نعيشها نحن، ولهذا فإن إعادة القراءة في 2026 ليست عودة إلى الماضي بقدر ما هي سؤال عن مستقبل القراءة، وهل سنظل قادرين على منح النص الأدبي الوقت الذي يحتاجه، أم سنكتفي بملخصات سريعة تقدم لنا النتيجة من دون أن نعيش الرحلة.
من نجيب محفوظ إلى مستقبل الرواية المصرية
ربما يكون من أكثر الأسئلة أهمية في عام محفوظ سؤال يبدو بعيدًا عن محفوظ نفسه، وهو ماذا فعلت مصر بأجيال الكتاب التي جاءت بعده، وهل استطاعت أن توفر لهم البيئة التي تمكنهم من بناء مشروعات أدبية كبيرة، لأن الاحتفاء بكاتب كبير يجب ألا يكون مناسبة للنظر إلى الماضي فقط، وإنما فرصة للتفكير في المستقبل.
محفوظ لم يصبح محفوظًا لأنه قرر أن يكون محفوظًا، وإنما لأنه كان يرى زمنه بجدية، وكان يمتلك مشروعًا طويل النفس، وكان يكتب عن مجتمعه وعن الإنسان من حوله، ولذلك فإن الرسالة الأهم التي يمكن أن يقدمها عام 2026 للكتاب الشباب ليست أن يقلدوا محفوظ، وإنما أن يبحث كل واحد منهم عن صوته الخاص وعن الزمن الذي يعيش فيه، فمصر اليوم ليست مصر محفوظ، ومدنها تغيرت، وشوارعها تغيرت، وعلاقات الناس تغيرت، وظهرت أسئلة لم تكن موجودة بالصورة نفسها في القرن الماضي، وكل هذه الأشياء تحتاج إلى كتابتها.
وعلى هذا الأساس فإن السؤال الذي ينبغي أن يخرج من عام نجيب محفوظ ليس: من سيكون محفوظ القادم، وإنما: من سيكتب مصر القادمة، من سيحكي عن المدن الجديدة، وعن القرية التي تغيرت، وعن الإنسان الذي يعيش بين العالم الواقعي والعالم الرقمي، وعن الأسرة التي تبدلت علاقاتها، وعن الشباب الذين يحملون أحلامًا ومخاوف مختلفة، ومن سيترك للأجيال القادمة صورة أدبية عن السنوات التي نعيشها الآن، كما ترك محفوظ صورة لا يمكن الاستغناء عنها عن جانب كبير من القرن العشرين؟
هل عام نجيب محفوظ محاولة لاستعادة الكاتب أم استعادة القارئ؟
محفوظ لا يحتاج إلى أن نستعيده، كتبه موجودة، واسمه موجود، ورواياته مطبوعة ومترجمة، ودراسته مستمرة، ومتحفه قائم، وذكراه حاضرة، والذي يحتاج إلى الاستعادة هو العلاقة بين هذه الأعمال والقارئ الجديد، وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأن الثقافة لا تنتقل من جيل إلى جيل بالاحتفالات وحدها، وإنما تنتقل عندما يمسك شخص كتابًا ويبدأ القراءة، وعندما يناقش طالب شخصية روائية مع زملائه، وعندما تدخل رواية إلى مدرسة أو جامعة أو ناد للقراءة، وعندما تتحول الحكاية إلى عرض مسرحي أو فيلم أو مشروع فني جديد.
ولهذا فإن أفضل احتفاء بمحفوظ هو أن نفتح الباب أمام إعادة إنتاج حضوره في أشكال مختلفة، لا بمعنى تغيير نصوصه أو العبث بها، وإنما بمعنى اكتشاف الطرائق التي يمكن أن تصل بها تجربته إلى القارئ المعاصر، ويمكن أن تكون رواياته مادة لورش الكتابة والسينما والمسرح والقراءة، ويمكن أن تتحول بعض الأماكن التي كتب عنها إلى مسارات ثقافية، ويمكن أن يصبح العام فرصة لإنشاء مشروعات قراءة تستمر بعد انتهاء المناسبة، لأن القيمة الحقيقية لأي عام ثقافي لا تظهر في عدد الفعاليات التي أقيمت خلاله، وإنما في الأشياء التي تستمر بعد انتهائه.
عام محفوظ وأزمة الذاكرة الثقافية
يوجد شيء آخر يجعل الاحتفاء بمحفوظ مهمًا، وهو أن المجتمعات لا تحافظ على ذاكرتها بمجرد حفظ الأسماء، وإنما بإعادة استخدامها ثقافيًا، عندما نحتفي بكاتب ثم لا نقرأه فإننا نحافظ على اسمه ونفقد تجربته، وعندما نضع تمثالًا أو لوحة تذكارية ونغلق الكتاب نكون قد حفظنا الشكل وأهملنا الجوهر، أما عندما نعود إلى النص ونضعه في مواجهة أسئلة جديدة فإن الذاكرة تصبح حية.
ولهذا فإن عام نجيب محفوظ يمكن أن يكون مناسبة لإعادة التفكير في الطريقة التي نتعامل بها مع تراثنا الأدبي كله: هل نريد أدبًا في المتاحف فقط، أم نريد أدبًا يدخل إلى الحياة؟ فالفرق بين الاثنين كبير، والأدب الموجود في المتحف يمكن أن يظل جميلًا ومهمًا، لكنه لا يغير أحدًا، أما الأدب الذي يدخل الحياة فإنه يخلق أسئلة جديدة ويغير نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى مجتمعه، وربما يدفع كاتبًا شابًا إلى الإمساك بالقلم، وهذه هي القيمة التي ينبغي أن نبحث عنها في أي عام ثقافي.
عشرون عامًا من الغياب أم عشرون عامًا من الحضور؟
المفارقة أن مرور 20 عامًا على وفاة محفوظ لا يثبت أنه غاب، وربما يكون العكس هو الصحيح، فبعض الكتاب يموتون حين يموتون، في حين يبدأ حضور بعضهم الحقيقي بعد الموت، ومحفوظ ينتمي بوضوح إلى الفئة الثانية، لأن أعماله لم تتوقف عند لحظة رحيله، وإنما ظلت تُقرأ وتُناقش وتُترجم وتُعاد دراستها، لكن استمرار الحضور لا يعني أن المهمة انتهت، بل ربما يجعل المسؤولية أكبر، لأن الكاتب الذي يصل إلى أجيال عديدة يحتاج إلى أن يُعاد تقديمه لكل جيل بلغته وأسئلته من دون أن نفقد جوهره.
وفي ضوء ذلك يمكن أن نفهم اختيار عام 2026 بوصفه محاولة لقياس هذا الحضور من جديد: هل ما زال محفوظ قادرًا على مخاطبة الإنسان المصري والعربي بعد كل هذه التحولات، وهل ما زالت أسئلته قادرة على الوصول إلى القارئ، وهل يمكن أن تتحول أعماله إلى مدخل لفهم مرحلة كاملة من تاريخ مصر، وفي الوقت نفسه إلى وسيلة لفهم بعض الأسئلة التي ما زالت تعيش معنا؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فإن الاحتفاء به لا يصبح مجرد وفاء لكاتبٍ رحل، وإنما يصبح اعترافًا بأن الأدب الكبير يستطيع أن يتجاوز صاحبه وزمنه.

ماذا يجب أن يبقى بعد انتهاء عام نجيب محفوظ؟
هذا هو السؤال الذي سيحدد قيمة 2026، ففي نهاية العام ستنتهي المؤتمرات، وستُرفع بعض اللافتات، وستتوقف بعض الفعاليات، وستنتقل المؤسسات إلى أسماء ومناسبات أخرى، لكن ماذا سيبقى؟ إذا بقيت مجموعة صور وملفات صحفية وذكريات افتتاحيات فإن العام سيكون قد أدى وظيفة احتفالية وانتهى، أما إذا خرج من العام جيل جديد من القراء، ومشروعات ترجمة، وإصدارات نقدية، وأعمال فنية جديدة، ومبادرات قراءة في المدارس والجامعات، ومسابقات مستمرة، وتشجيع للكتاب الشباب، فإن العام سيكون قد ترك أثرًا حقيقيًا.
ولذلك ليس المهم كم مرة ذكرنا نجيب محفوظ، وإنما كم مرة قرأناه، وليس المهم كم عدد الندوات التي تحدثت عنه، وإنما كم عدد القراء الذين ذهبوا بعدها إلى كتبه، وليس المهم كم صورة حملت اسمه، وإنما كم كاتب شاب بدأ يسأل نفسه: كيف أكتب عن الزمن الذي أعيش فيه بالعمق نفسه الذي كتب به محفوظ عن زمنه؟ فإذا استطاع عام 2026 أن يفتح هذه الأسئلة، فإنه يكون قد أدى وظيفته الحقيقية.
لماذا اختارت مصر هذا التوقيت؟
ربما تكون الإجابة في النهاية أبسط وأكثر عمقًا مما تبدو عليه، اختارت مصر 2026 لأنها سنة تحمل ذكرى مرور 20 عامًا على رحيل نجيب محفوظ، ولأن معرض القاهرة الدولي للكتاب اختار أن يضع أحد أهم رموز الأدب المصري والعربي في قلب برنامجه، لكن اختيار محفوظ في هذه اللحظة لا يمكن أن يُفهم فقط بوصفه وفاءً للماضي، فهو يأتي أيضًا في زمن تحتاج فيه الثقافة إلى إعادة طرح أسئلة القراءة والكتاب والهوية والمدينة والإنسان، وفي وقت تتغير فيه علاقة الأجيال الجديدة بالنصوص وبالمعرفة نفسها.
لكن القيمة الحقيقية للعام لن تتحدد بما سيقال عن محفوظ، وإنما بما سيحدث بسببه، فإذا جعلنا طفلًا يفتح كتابًا لأول مرة، فهذا جزء من ميراث محفوظ، وإذا دفعنا شابًا إلى قراءة رواية كاملة بدل الاكتفاء بملخصها، فهذا جزء من ميراث محفوظ، وإذا شجعنا كاتبًا جديدًا على أن يكتب عن حارته ومدينته وناسه كما رأى محفوظ القاهرة بعين مختلفة، فهذا ربما يكون أجمل تكريم له، وإذا جعلنا مؤسساتنا الثقافية تنظر إلى الأدب لا بوصفه مناسبات موسمية، بل مشروعًا طويل الأمد لبناء الإنسان، فحينها يصبح عام نجيب محفوظ أكبر بكثير من مجرد ذكرى.
فمحفوظ لم يترك لنا القاهرة التي كتبها فقط، وإنما ترك لنا درسًا في كيفية النظر إليها، ولم يترك لنا شخصياته وحدها، وإنما ترك لنا طريقةً في مراقبة الإنسان، ولم يترك لنا روايات يمكن الاحتفال بها كل بضعة أعوام، وإنما ترك سؤالًا مفتوحًا عن قدرة الأدب على أن يحفظ زمنًا كاملًا من الضياع، ولهذا ربما يكون السؤال الحقيقي في 2026 ليس: لماذا نحتفل بنجيب محفوظ بعد عشرين عامًا من رحيله، وإنما: ماذا نريد أن نفعل نحن بعد 20 عامًا من الآن؟ هل سنكون قد اكتفينا بتذكر محفوظ، أم سنكون قد صنعنا الأدب الذي سيحتاجه جيل المستقبل عندما يبحث عن صورة مصر في زمننا؟
عندها فقط يصبح نجيب محفوظ أكثر من ذكرى، ويصبح مسؤولية، ومثلما وجد محفوظ في شوارع القاهرة القديمة مادة لعشرات الحكايات، فإن القاهرة الجديدة ومصر الجديدة والقرية والمدينة والشاشات والهواتف والعلاقات التي تبدلت والأحلام التي ظهرت والمخاوف التي لم تكن موجودة من قبل، كلها تنتظر من يكتبها، وربما يكون أفضل احتفال بنجيب محفوظ ألا نحاول أن نعيده إلى الحياة، فهو لم يغب أصلًا، وإنما أن نسأل أنفسنا: هل نستطيع أن نكتب نحن عن حياتنا بالصدق والشجاعة والعمق الذي جعل محفوظ قادرًا على أن يظل حاضرًا بعد 20 عامًا من الغياب؟ وعندها فقط يصبح عام نجيب محفوظ 2026 عامًا للمستقبل لا عامًا للماضي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.