عام الجلوة

من أصعب اللحظات التي قد يعيشها الانسان في حياته، اللحظة التي يترك فيها وطنه، المكان الذي رتعت فيه طفولته، والذي طاش وطار وثار فيه شبابه، وتغنى به في وقت طربه وعنفوانه، وقاسى فيه مرارة حسرته وأحزانه، وطعم ابتهاجه وانطلاقه، لذلك يظل وقت الجلاء عن الوطن من الأيام والأوقات والتواريخ التي لا يستطيع الإنسان أن ينساها، لأن الجلاء عنه حينها يكون ممزوجاً بالغصب والألم.

وبما أننا نتكلم عن التاريخ، فالإنسان منذ قديم الأزل، كان وبسبب جهله بالتاريخ، وصعوبة تحديده للوقت، كان يلجأ إلى أن يؤرخ لأيامه بالأحداث المهمة التي عاشها، والتي لا تغيب عن عقله بسهوله، فهو يعلم وقت وقوعها، بسبب الألم الذي كان فيها أوالسعادة التي عاشها معه، ويحدد بالتالي وقت الأحداث بحسب بُعدها وقُربها من ذاك الحدث المهم.

  فأرخ الأجداد بموت قصي بن كلاب مثلاً، وبسيل سبأ الذي أصاب اليمن، وبعام الفيل، وسواها من الأحداث الهامة، وفي مدينة مصراته الليبية، وحين كان يصعب على أهلها تحديد وقت وقوع الحدث المهم، أرخ الناس (بعام الجلوة)، والجلوة هي بمعنى الجلاء، وهو من الأعوام والسنين المشهورة عند المصراتيين، وكان في سنة 1923م، وقصته أن سعدون السويحلي زعيم المجاهدين الليبيين ضد الغزو الإيطالي وقتها، أشار على أخيه (أحمد) حاكم مصراته، بعد معرفته بتقدم القوات الإيطالية نحو مصراتة، بضرورة جلاء أهلها عنها حتى يكونوا في مأمنٍ من انتقام الإيطالين في حالة تمكنهم من الدخول إلى المدينة، فأخدت الناس بأمر من أحمد السويحلي تخرج من المدينة ليلاً ونهاراً، ناقلين معهم كل ما استطاعوا نقله من أشيائهم وأرزاقهم متجهين نحو البرية.

فرحل على وجه السرعة النسوة والأطفال والشيوخ والعجزة، وتمت عملية الجلاء عن مصراتة وضواحيها تماماً يوم السبت الموافق 24 شباط 1923م، ونظراً للظروف الصعبة التي لاقاها النازحون، من نقص في الماء والغداء، وانتشار الأمراض، وكثرت البواكي من النساء والأطفال، والذين كانت تقطر أقدامهم دماً نتيجة لسيرها حافية على الأشواك مسافات طويلة، ظل هذا ا لعام في ذاكرة الناس وأرَخوا به لأيامهم.

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب