عالم الاتصالات عالم واسع مذهل ومتغير، فالاتصالات هي ذلك الساحر الذي خلب ألباب الناس، وقرب المسافات وأتاح وسهَّل نقل المعلومات والأخبار، وأسهم في التواصل البشري والاجتماعي من ناحية، ومزَّق عرى العلاقات الإنسانية الحميمية من جهة أخرى.
اقرأ أيضًا: تأثير تكنولوجيا الاتصالات على حياة الإنسان
ويبدو أن هذه ضريبة التكنولوجيا أو التكنولوجيات الساحرة والمذهلة التي تتغير دائمًا لتعطينا الجديد، وهي أهم عنصر في الحياة اليوم.
فالإنسان العادي يقضي يوميًّا مع أجهزة الاتصال التي باتت شخصية وملازمة للمرء في حله وترحاله، بل وتنام معه وتتناول معه الطعام. فبدلًا من أن يتصفح الناس الصحيفة الصباحية على مائدة الإفطار باتوا يتصفحون هواتفهم الخلوية، ويضعون لقم الطعام في أفواههم مركزين أكثر على ما يجري على شاشة الهاتف الذكي، ويتركون أنفسهم على سجيتها، فربما وضع المرء لقمة الطعام في فم الشخص الجالس بجواره وهو لا يدري.
لقد باتت ثورة الاتصالات -وهي التي مكنت من ثورة المعلومات وتضخم وانتشار شبكات الحاسب وخاصة الإنترنت- هي الثورة الأكثر تميزًا في عصرنا الحاضر.
ولكن وراء هذه التكنولوجيات علوم وبحوث وأموال تصرف وشركات توظف جيوشًا من المهندسين وفرق التطوير والبحث لتعطينا الجديد، ولتمتص ساعات جديدة من أعمارنا وتبتلع أيام العمر وسنينه دون أن ندري.
سنتكلم في هذا المقال البسيط عن الاتصالات بإيجاز، وسنبرز أهم النقاط والمعالم المميزة لهذه الثورة العلمية الهندسية التقنية، وسنحاول أن نقارن بين إيجابياتها وسلبياتها كي لا نهضمها حقها، ولا نظلم الشيء الذي ربطنا أنفسنا به بعرى لا تنفصم وبعلاقة أبدية.
فالطفل منذ ولادته وبعد أن يبدأ يعي ما حوله تجذبه بريق شاشات الهواتف والأجهزة المحمولة الذكية، فتراه يتشبث بالجهاز ويتعلم استخدامه بسرعة فائقة تتفوق على الكبار.
اقرأ أيضًا: هندسة الاتصالات.. هدفها مهاراتها وظائفها أهم موادها الدراسية ونصائح لمهندس الاتصالات
لكن أولًا ما الاتصالات؟
هي نقل معلومات عن طريق تحويلها لنمط صالح لوسط النقل بين نقطتين باستخدام أنواع مختلفة من الإشارات.
تاريخ الاتصالات وتطورها
لقد عرف الإنسان القديم أنظمة الاتصالات البدائية مثل النار والدخان والأذرع الميكانيكية المتحركة والأصوات... إلخ.
وأول نظام برق عملي صنع من قبل المخترع الإنجليزي فرانسيس رونالدز في عام 1816 واستخدم الكهرباء الساكنة. وقد جهز في مسقط رأس عائلته في هاميرسميث مول نظامًا أرضيًّا كاملًا بطول 175 ياردة (160 متر) مطمور في خندق وكذلك نظامًا سلكيًّا هوائًّيا بطول ثمانية أميال (13 كم) للبرق.
وبعد تقدم علوم الكهرباء فتح مورس الباب لأول نظام اتصالات سُمي بالبرق telegraph، فقد استخدم مبرقة وهي صحيفة تعمل على توصيل الكهرباء أو عدم توصيلها باستخدام شيفرة سميت بشيفرة مورس Morse Code التي تتكون من نقاط وشحطات.
وقد تمكن بذلك من إرسال برقية بحيث يكون لكل حرف في الأبجدية تسلسل من الرموز التي هي نقاط وشحطات. ومن ثم تم توسيع شيفرة مورس لتضم الأرقام وبعض الرموز الإضافية المهمة، وانتقلت خدمة البرق من المستوى المحلي والوطني إلى المستوى العالمي، بتمديد كابل لنقل البرقيات عبر المحيط الأطلسي بطول يتجاوز 6 آلاف كم، ونقلت أول برقية من إيرلندا إلى نيوفاوندلاند/ كندا بتاريخ 16 آب/ أغسطس 1856.
اقرأ أيضًا: اللاي فاي Li-Fi تقنية جديدة وثورة في عالم نقل البيانات
غراهام بيل Alexander Graham Bell وبداية عر اللهاتف
وبعد البرق اخترع ألكسندر غراهام بيل Alexander Graham Bell الهاتف الذي مكن من الاتصال الصوتي، وكذلك جاءت المكالمات الهاتفية لاسلكيًّا بعد اكتشاف ماركوني وتسلا الأمواج الراديوية والميكروية Radio & Microwave radiation / waves.
وبعد الاتصال الهاتفي تنوعت أنواع الاتصال التي أنتجت الاتصالات الإذاعية والتلفزيونية وشبكات الاتصالات الرقمية التي تتعامل مع مختلف أنواع الاتصالات البرية والبحرية والجوية الفضائية، وجميع أنواع الإشارات السلكية واللاسلكية والبصرية والراديوية، وأنواع المعلومات المختلفة من نصوص وصور وفيديو وبيانات ضخمة.
وساعدت العلوم المتطورة الحديثة في مزيد من التقدم الهائل في تكنولوجيا وشبكات الاتصالات مثل الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة والبيانات الضخمة وإنترنت الأشياء وعلم البيانات والتعلم العميق والشبكات العصبونية والمنطق العائم والأنظمة الخبيرة وغيرها، ونشأت صناعات ضخمة وشركات عالمية وعابرة للقارات تنتج تجهيزات الاتصالات، وتقدم خدماتها للناس بأعداد تصل إلى مليارات المشتركين كما في خدمة الهاتف المحمول والإنترنت.
اقرأ أيضًا: كل ما تود معرفته عن أنواع التكنولوجيا الحديثة
الشركات الرائدة في عالم الاتصالات
وظهرت مجتمعات ودول لم تكن معروفة لتكون رائدًا وسباقًا في مجال الاتصالات. ففي فنلندا مثلًا الدولة الاسكندنافية التي يبلغ عدد سكانها خمسة ملايين نسمة فقط نشأت شركة نوكيا Nokia التي اكتسحت سوق الهواتف الذكية، فأصبحت تبيع من الهواتف سنويًّا بقيمة تفوق ما تصدِّره دول الأوبك مجتمعة من النفط. ومن ثم خبا نجمها وتراجعت لتسيطر على السوق العالمية شركات عملاقة مثل آبل Apple الأمريكية وسامسونغ Samsung الكورية التي كُشف منذ عدة سنوات أنها حققت أرباحًا من بيع الهواتف النقالة فقط مبلغًا يفوق عشرات المليارات من الدولارات.
وابتكرت شركة إريكسون Ericsson السويدية تجهيزات أفضت إلى أن أصبحت هذه الشركة منفذة لأكثر من 55% من شبكة الهاتف الخليوي GSM في العالم، ومثل ذلك يقال عن شركة سيمنس Siemens العملاق الألماني.
إن هذه الأسماء التي نتكلم عنها هي شركات عابرة للقارات، تمثل احتكارات وإمبراطوريات ضخمة للصناعة والتكنولوجيا والمال.
ولا يستطيع المرء إنكار الدور الفعال لأنظمة الاتصالات كونها أحد عناصر البنية التحتية الحضارية لأي مجتمع في مجال النمو والتطور الاقتصادي والعلمي والاجتماعي، ولكن في المقابل توجد كثير من المساوئ والعيوب التي تحملها بعض أنظمة الاتصالات التي أدت إلى الكسل، وتمزق العرى الاجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة، وعمَّقت الفجوة بين المجتمعات الغنية والفقيرة التي لا تستطيع أن توفر هذه التقنيات، وبذلك تبقى متخلفة عن نظيراتها في المجتمعات الغنية.
اقرأ أيضًا: تكنولوجيا الواقع الافتراضي.. تحويل الخيال إلى واقع
تطور بلا حدود -أفق مفتوح- عوالم لا نهاية لها
يبدو أن التطور التكنولوجي لقطاع الاتصالات لا حدود له؛ نظرًا لارتباطه بحقول دائمة التطور والتجدد مثل الحاسبات والشبكات وفيزياء البصريات والكم وكذلك التخصصات العلمية التي ذكرناها أعلاه، ويقف في مقدمتها الذكاء الاصطناعي.
تحقق نظم الاتصالات وتقاناتها تطورًا متعدد الأبعاد على صعيدي الكم والكيف. فوفقًا للكم تتسابق الشركات دائمًا لاستقطاب مزيد من المشتركين الشرهين لخدماتها، وتتنافس في تقديم أفضل الخدمات وأسرعها وأحدثها وأرخصها، وهذا دائمًا من حسن حظ المشتركين.
وعلى صعيد الكيف يتزايد تعقيد وتطور نظم الاتصالات التي أصبحت قادرة على نقل ملايين بل وبلايين بل وترليونات الاتصالات باللحظة نفسها وبجودة عالية من أي نقطة في الأرض إلى أي نقطة أخرى مهما كانت المسافة، بل والأجمل أن بالإمكان الآن إجراء اتصالات في الفضاء مع مركبات والتحكم بمسابر ومكوكات ومناظير تبعد عن الأرض ملايين الكيلومترات.
مسبار Voyager
ومن الطريف أن وكالة ناسا أرسلت في 5 أيلول/ سبتمبر 1977 من القرن الماضي مسبارًا يدعى Voyager يحمل على متنه نظام اتصال UHF وهو الآن في عام 2024 لا يزال يعمل والمسبار يقطع في العام الواحد 475 مليون كم، وهو الآن خارج مجموعتنا الشمسية وعلى بعد يزيد على 2.1 بليون كيلو متر عن الأرض وتحتاج الرسالة كي تصل إليه أكثر من 16 ساعة.
إن شبكات الاتصالات تلف الأرض من مشارقها إلى مغاربها ومن شمالها إلى جنوبها، وهي تمتد كشبكة عنكبوت لا نهاية لها، ولا يمكن حصر أطوالها، وهي كما أسلفنا كأذرع الأخطبوط تمتد في كل اتجاه وتذرع اليابسة والبحار والفضاء، وكل ذلك يكمن في قطعة صغيرة تضعها في جيبك تخزن بها ملايين المعلومات، وتتصل بها بأي مكان تريد ومع أي شخص، وتحصل على أي معلومة أو صورة، وتنقل لك الأحداث مباشرة في طرفة عين فكأنها العفريت من الجن الذي قال لسليمان سآتيك بعرش بلقيس قبل أن يرتد إليك طرفك.
يعز علينا أن ننهي المقال قبل أن نستفيض في هذه التكنولوجيا الحديثة والقريبة منا جميعًا، ولكن إذا أردنا أن نوسع السرد فلن تكفينا الصفحات، وستتحول إلى كتب ومجلدات. وحسبنا أننا ألقينا شعاعًا رفيعًا من الضوء على عالم الاتصالات.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.