عالم الأحذية

اعتدت أن أجلس بجوار دكاني الملاصق للسكة الحديد القديمة المهملة لا يفصلني عنها إلا لوح من الصاج يمتد على طول الشريط الحديدي وهو يرتفع عن مستوى الأرض بضعة سنتيمترات تسمح لي برؤية أقدام العابرين وليس وجوههم. كانت متعتي - إن لم أكن مشغولا وهو كثيرا ما يحدث في حارتي العتيقة المتهالكة الفقيرة – أن أتفرج على أقدام الناس التي تمشي خلف ذلك السور العجوز الصدئ.

وكخبير في علم الحياة أجلس لأحلل أقدام البشر وخطواتهم .... فهذه خطوات واسعة لشاب مستعجل يسير بحذائه الرياضي، وذاك رجل مسن يمشي الهوينى معتمدا على عكاز خشبي غليظ تآكل طرفه من كثرة ما ضرب الأرض، وهذا مسن آخر يمشي ببطء وخطوات قصيرة ولكن بدون عكاز، وتلك سيدة ترفع طرف ثوبها المشجر ليظهر تحته بنطال واسع أجرد لا لون له بيمنا يطرقه شبشبها في قدمها وقد أثار حوله غبرة خفيفة، وهذان شابان صغيران يمشيان متلاصقا  الأقدام وربما تتشابك الأيدي .... ربما متحابان أو هكذا يظنان، وتلك مجموعة أقدام صغيرة تجري مسرعة وتسبقها أصوات ضحكات. ها هي السيدة ذات الثوب الأسود الذي يكنس ثوبها تراب الطريق ولا تكلف نفسها عناء رفعه رغم أنه قد ابيض لونه كل هؤلاء ومئات يمرون ولكنني دائما في انتظار صاحبة الحذاء الأزرق الجلدي اللامع الكبير وصاحبة الحذاء الوردي الصغير الذي يزين قدمان بيضاوان صغيرتان نحيلتان لا تكفان عن القفز بينما الحذاء الأزرق الكبير يلتف حول قدمين كبيرتين يغطيهما بنطال كحلي اللون أجرب من كثرة الغسيل.. يوميا يمر الحذاءان مرتان الأولى في الصباح والثانية قبيل الغروب بقليل.

ها قد ظهر الحذاء الأزرق الكبير ولكنه يمشي بتثاقل وتعب. هذا الصباح ليس جميلا بدون رقصات الحذاء الوردي الصغير، قد يتحسن الوضع في المساء.. ولكن عاد الحذاء الأزرق وحيدا متهالكا في المساء. لا أدري لماذا سكنني حزن وضيق ومع هذا انتظرت الغد وصباحات أخرى لأراهما إلا أنهم لم يعودوا أبدا وما عدت أتابع الطريق.

بقلم الكاتب


ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..



المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لاتمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Nov 25, 2020 - محمد عبدالرحيم
Nov 24, 2020 - Ali Salh
Nov 22, 2020 - Majed Alkhawaja
Nov 21, 2020 - Ali Salh
نبذة عن الكاتب