عاطفة الحب.. أسرار وأغوار ج2

يناقش المقال خصائص حب الاختلاف وتميزه عن حب التماثل في أنه ينشأ بين كيانين مختلفين، حيث يؤدي التفاعل بينهما إلى أن يُكمل بعضهما بعضًا.

الحب التفاعلى التكاملي

يتميز حب الاختلاف عن حب التماثل أنه ينشأ بين كيانين مختلفين، حيث يؤدي التفاعل بينهما إلى أن يُكمل بعضهما بعضًا.

وهذا الاختلاف بين الاثنين ليس مدعاة للتنافر بقدر كونه دعوة للتكامل. لكن هذا الاختلاف ليس هو الصبغة الكلية لهذا الحب، ولكنه الصبغة الغالبة، إذ إن نسبة معقولة من التماثل قد تمثل بداية هذا الحب.

لكن ما يحكم رابطة هذا الحب ويحافظ عليها قائمة دائمة فعالة هو النسبة الأكبر من الاختلاف الذي يتبعه التكامل.

فالمحبان قد تجمعهما أحاسيس وخبرات مشتركة متماثلة، ولكنهما قد يختلفان في نوعية أو حجم قدراتهما الشخصية، وهذا الاختلاف قد يولد كثيرًا من التفاعلات بين الطرفين التي تبعث وتشعل جذوة ودفء وإثارة هذا الحب.

وهذا الاختلاف لا يجب أن يصل لحالة التناقض والتنافر الذي يؤدي إلى التباعد منذ البداية، ولكنه يقتصر على تباين نوعي يؤدي للتداخل والتكامل بين الشريكين.

لذا فإن قوة العامل الأول وهو عامل التشابه والتماثل ضرورية لنشوء هذا الحب.

وفي الوقت نفسه فإن العامل الثاني وهو الاختلاف الذي يخلق الحاجة للتكامل والتداخل هو ما يضفي الإثارة والحيوية والإبداع على سيناريو أحداث قصة الحب هذه، ويحافظ على ديمومة العلاقة.

ولأن للاختلاف درجات متفاوتة بين كل شخصين؛ فكل قصة حب هي قصة مستقلة قائمة بذاتها ولا تتشابه مع القصص الأخرى إلا قليلًا، وهذا يجعلنا لا نمل من سماع قصص الحب المختلفة؛ لأن كلًّا منها له طابعه الخاص.

قد يعجبك أيضًا عاطفة الحب.. أسرار وأغوار ج1

أوجه الخلاف التي تخلق الحب

الخلاف بين التكوين الجسدي والوجداني والفسيولوجي بين الرجل والمرأة يحتم علاقة حب تكاملية بين الاثنين.

ومن الناحية الوجدانية فإن الطرفين كليهما يبحثان عن الحب في شخص مختلف، وهذا الخلاف الوجداني هو وليد ثقافات تكونت وعاشت وتماثلت وتباينت عبر المكان وعبر الزمان.

وما زال الرجل يبحث عن الجمال الأنثوي الرقيق في المرأة، في حين تبحث المرأة عن الوسامة في الرجل القوي الذي يضفي عليها الحماية.

ومع أن هذه المعادلة هي التركيبة التاريخية القديمة، لكنها ما زالت راسخة في الوجدان البشري وإن تغيرت حدة الأفكار.

ففي المجتمعات الحديثة التي تضفي الحماية على الجنسين لم تعد المرأة تنظر إلى قوة الرجل الجسدية كونها عنصر جذب وتكامل، وأصبحت ربما تنظر إلى قوته العقلانية بديلًا للقوة الجسدية التي افتتنت بها نساء الماضي.

وهذا لا ينفي أن عامل الجمال هو عامل مؤثر في نشوء علاقات الحب، فالجمال قيمة كبيرة في عقلية ووجدان كل من الرجل والمرأة، لذا فإن بحث كليهما عن الحب يتشابك ويتضافر مع بحثهما عن قيمة الجمال.

ولأن الحب هو قضية وجودية فإن البحث عن الحب يتضمن البحث عن مؤمنات الوجود التي تتضمن عناصر القوة والجمال.

ومن حسن الطالع أنه لا يوجد مقياس موحد للجمال، ومن ثم يتوزع الحب على كل البشر مع اختلاف نسب ومفاهيم الجمال.

ولكن وجود الجمال كونه عاملًا مساعدًا على الحب هو أمر مثير للاهتمام، ويكاد يكون عاملًا مؤثرًا حتى في كافة الكائنات الحية، ونرى في أزهار النباتات بديعة الجمال تخرج للحياة في مواسم الربيع وهي تحتفل بالحياة وتتزاوج في حب.

ومن العجب أن الإنسان لم يشذ عن هذه القاعدة، ومن هنا يسعى الرجال والنساء للتجمل والبحث عن قيمة الجمال.

والإحساس بالجمال هو إحساس فطري سليم، ولكنه إحساس آمر يتحكم في اختياراتنا لمسار الحب في حياتنا.

ونحن لا نفهم الجمال بالمفاهيم نفسها أو بالمقاييس نفسها، فبعضنا لا يحس إلا بالجمال الشكلي، وبعضنا قد يرتقي للجمال الروحي، والقليل قد يعي ويحس بالجمال العقلاني.

وليس الجمال هو ما يضمن قوة واستمرارية الحب، فهو فقط يتيح المجال لنشوء الحب، لكن قوة الحب تعتمد على قوة التكامل والتفاعل بين الطرفين وصدق الرغبة في العلاقة التكاملية.

فيعطي الطرفان كل ما يستطيعان لنجاح ودوام علاقة الحب والحياة وإسعاد الطرفين بعضهما بعضًا، وليس لمجرد إسعاد النفس عن طريق الآخر.

قد يعجبك أيضًا ما هو الحب؟ وما هي أنواعه؟

مسارات عاطفة الحب

عندما يبدأ شريكا العلاقة في رعاية العلاقة الجديدة بالمفهوم الأولي للحب، وهو حب النفس والحياة، والعمل على استكشافها وتطويرها في البداية.

ثم مشاركة هذه الحياة مع من يقتربون ويتقاربون منا في مشاعرهم وخبراتهم العاطفية، ثم تفعيل أنشطة الحب التكاملي بين الطرفين بداية من نفاذ كل طرف إلى أعماق شخصية الطرف الثاني، وانتهاز هذه الفرصة النادرة لإيصال كل ما هو إيجابي وحقيقي وداعم ومبهج للطرف الآخر، على أن تكون هذه العملية عكسية متبادلة ومستدامة.

إذا تم هذا التقارب والتداخل والتفاعل والتكامل بطريقة طبيعية وذكية تولدت طاقات كبيرة من الحب في كلا الطرفين، ولأدى ذلك ليس فقط للإحساس بالوجود الحقيقي في الحياة، ولكن أيضًا إلى تعاظم وتمدد هذا الوجود.

ما يولد السعادة الفائقة التي تنتج بدورها مزيدًا من الطاقات البناءة داخل كيانات المحبين تدفعهم لمزيد من الحب ومزيد من الإزهار والازدهار.

وهذه بلا شك الصورة النموذجية للحب التي قد لا تتكرر كثيرًا نتيجة عوامل كثيرة تحرف آلية الحب عن مسارها الطبيعي.

يشعر طرفا العلاقة بسعادة جمة لوجود شخص آخر في دائرة حياتهم قد اعترف بوجودهم وبمعاني وأسرار حياتهم الدفينة التي لا يعرفها أحد سواهم.

ويدفع هذا الشعور بالسعادة كل شريك لبذل مزيد من الجهد لإسعاد الطرف الآخر.

ونتيجة هذا الجهد الإضافي قد يسعى الطرف الثاني مرة أخرى لإسعاد الطرف الأول بمزيد من الأفعال والاهتمام، وهكذا تستمر عجلة الحب في الدوران فتشتعل نيران العواطف ويحس الإنسان بالأمان والدفء والرضا.

ويستمر الحب في التزايد حتى درجة التوهج، مولدًا طاقات جديدة في المحبين ينتج عنها مشاعر الرضا التي تولد بدورها الرغبة في إسعاد الآخرين وبذل الخير للجميع خارج نطاق العلاقة الصادقة الصغيرة.

إذن عاطفة الحب تحقق للإنسان إحساسه بالوجود الآمن الذي ينعكس على سلوكياته فيصبح أكثر ميلًا للتسامح وزرع الخير والوفاق في المجتمع المحيط والرقي بالنفس والآخرين والسير قدمًا في رحلة الحياة بأقدام واثقة راسخة وقلوب آملة وعقول بصيرة فاعلة.

قد يعجبك أيضًا هل ينهزم الحب المتوهج أمام سحر المال؟

أعراض وعلامات قصة الحب

لا شك أن الحب يتجسد في أعراض وأفعال بعضها جلي ظاهر للعيان والآخر خفي عصي على البيان.

ويشكل هذا الجانب الغامض في ظاهرة الحب مصدرًا للحيرة والعصيان، ولكن معركة الحب لا تنتهي إلا باليقين والعرفان.

تبدأ أعراض الحب بالإحساس بالانجذاب المتبادل نحو شريك الحب لأسباب كامنة في نفس المحب، وينتج عن هذا الإحساس شعور بالسعادة والأمان يتبعه إحساس قوي بالامتنان للشريك، كونه من يقف وراء هذا الشعور الطارئ.

فيحاول طرفا العلاقة نتيجة لذلك إسعاد كل منهما الآخر حتى يضمنا وجود سبب هذه السعادة وهذا الأمان.

وهذا يجعل كل فرد دائم التفكير في الآخر، وينصب التفكير على أسئلة مثل: لماذا أحبه؟ وماذا فعل في حياتي، وأيضًا كيف أرد له ما أعطاني من سعادة؟

ويترجم هذا التفكير إلى أفعال تتمثل في دوام التواصل والاتصال بغية الاطمئنان والحديث حتى لو في موضوعات عادية، إذ إن التواصل في حد ذاته وسيلة كي يؤكد ويتأكد الطرفان من دوام علاقة الحب وأنهما محط اهتمام كليهما.

وبواسطة هذا التواصل تتداخل وتتشابك أحداث حياة المحبين، ويدعم بعضهما بعضًا معنويًّا فيما يواجهما من أحداث وتحديات.

ولا يتوقف الأمر على التواصل ومشاركة أحداث الحياة، ولكن قد ينزع أحدهما أو كلاهما إلى ترجمة مشاعر الحب إلى أفعال واقعية مثل المفاجآت في صورة هدايا أو مشاركة أحد المتع الحياتية مثل المأكل أو المشرب أو الملبس أو الرحلات والأسفار ومشاركة متع الفنون والأفكار.

وقد يصل التفاعل إلى ذروته عندما يشترك المحبان في عمل تتفاعل وتتكامل فيه قواهما الفكرية والإبداعية. إذ ستمكنهما هذه الوسيلة من الإبحار داخل مجاهل أرواحهم البشرية، ويا لها من رحلة لا يرتادها إلا العاشقون.

وإذا سارت العلاقة على هذه الوتيرة لربما تولدت أحداث وأفعال أخرى تعمِّق البعد الروحاني لهذه العلاقة العظيمة التي تولد في الطرفين طاقات روحية هائلة تحولهم إلى أدوات بناء في المجتمع تنشر الخير والإبداع.

إذن علاقة الحب المثالية هي تواصل دائم وتفاعل مستمر وأحداث متواصلة تسير حياة المحبين في رحلة الحياة حتى تنتهي بسلام وتترك بذور الحب كي تعيد دورة حياة الحب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مقال رائع يادكتورنا ❤️❤️
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مساء المحبة أستاذنا الغالي
وأسعد الله كل أوقاتك مع تحياتي لكم بالتوفيق والسعادة
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

خالص تحياتي دكتور ممدوح
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

بالتوفيق دائما يا دكتور
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقال رائع جداً دكتور 🌺
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقال رائع جدا يا دكتور
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة