عاطفة الحب.. أسرار وأغوار ج1

يبحث هذا المقال عن أسرار الحب المثالي الذي قد نكون لم نعشه بعد، ولكنه حلم نظل نرنو إليه طوال الحياة ونرسم صورته بإخفاقاتنا المتعددة في الوصول إليه.

ونحاول جاهدين أن نجد بعض النور لدى العلماء والكُتاب والفلاسفة في الوصول للحقيقة الكاملة لظاهرة الحب فلا نجد إلا النذر اليسير.

بذا يظل لغز الحب دائمًا كيانًا وأرضًا مجهولة نحنُّ دائمًا أن نصل إليها دون أن نحقق كل ما نتمناه.

وهذه الصعوبة في الوصول لخارطة الحب المثالي تجعله حلمًا ملغزًا مثيرًا صعب المنال.

قد يعجبك أيضًا المعنى الحقيقي للحب

الحب.. معناه ومغزاه ومنشأه

يُعرف الحب بأنه عاطفة معقدة ومتعددة الأبعاد، تترجم في صورة شعور قوي بالارتباط والتقارب تجاه شخص ما أو شيء ما.

ولكن من وجهة نظر عملية قد يكون الحب هو مسار رحلة الإنسان في البحث عن نفسه في قلوب الآخرين وفي قلب الحياة ذاتها.

فالحب هو الآلية التي يبحث فيها الإنسان عن معنى وجوده وعن إثبات وتحقيق هذا الوجود بفضل الآخرين.

وقد يتوج هذا الحب اجتماعيًّا في صورة علاقة رسمية يقرها المجتمع لكيان الشخصين المحبين.

لكن هذا المقال يستهدف في الأساس قراءة لغة المشاعر والانعكاسات الفكرية التي ترتبط بنشوء هذه العاطفة وتفاعلها مع الآخر.

وإذا طبقنا هذا المفهوم على ما يحدث في حياة الإنسان ورجعنا بذاكرتنا للخلف وتخيلنا لحظة ولادتنا في عالم بارد مقفر مظلم وتذكرنا كيف منذ اللحظة الأولى أحسسنا بالضياع والصقيع فصرخنا وبحثنا سريعًا عن ضرع الأم وحضنها الدافئ حتى وجدناه فعدنا إليه وأحسسنا ثانية بالأمان.

وكأن هذه الحدث يمثل الحب الأول في حياة الإنسان. فبعد الانفصال عن كائن الأم يعود الكائن الجديد إليه مرة أخرى ليأمن وجوده الذي تهدد حتى يجده مرة أخرى.

وظاهرة الحب هذه تتكرر وتتماثل في كل الكائنات كآلية لتأمين الوجود.

وبعد قصة الحب الأولى يبدأ الإنسان في البحث عن الحب الثاني وهو قد يتشابه مع الحب الأول في البحث عن الأمان والوجود، ولكنه يختلف عنه قليلًا في أنه لن يكون حب التشابه والتماثل ولكنه بالأحرى سوف ينحو نحو حب الاختلاف والتنوع والتكامل أو التعاشق.

قد يعجبك أيضًا تعرف على أسباب السعادة.. هل الحب دواء لفاقد شهية الحياة؟

أبعاد الحب الأول

علاقة الحب بين الأم والوليد هي علاقة الحب الأولى في حياة الإنسان، وتستمر طوال الحياة تمده بالدفء والحنان حتى بعد رحيل الأم عن أرض الحياة.

وتستمر هذه العلاقة لصيقة وحيدة من لحظة الولادة حتى سن الفطام، فيدرك الطفل أن الحب لا يتوقف على الأم فقط، لكن يمكن إحساسه مع الآخرين بواسطة علاقات تواصل تشعره بالأمان.

ولا تعد هذه العلاقة حبًّا من طرف واحد هو الرضيع بل إن الأم تحس هذا الحب كأعظم ما يكون.

فبداية تحس الأم أن الكائن الوليد ما إلا جزء من جسدها وكيانها وتوجد علاقة عضوية به قبل أن يولد.

وإحساس الأم أنها مصدر الأمان والحياة لطفلها يعطيها أحاسيس قوية بالسمو والسعادة كونها تستطيع ذلك، وهذا يجعلها تحس بوجودها منتعشًا ومزدهرًا فتتمسك به وترعاه.

وبذلك كانت قوة مشاعر الأمومة التي هي نتاج قصة حب قوية مع كائن انفصل عنها ثم عاد إليها في أوج احتياج؛ ما يزيد إحساسها بقيمة رسالتها وأهمية وجودها.

تعد ظاهرة الأمومة إذن تعبيرًا عن هذا الحب الأول في الحياة وهو حب كائن وليد كان جزءًا من جسم الأم ثم انفصل عنها، وهذا يزيد قوة الشعور بهذا الحب؛ لأن وجود هذا الوليد هو امتداد لحياة الأم أو هكذا يكون إحساسها الباطني.

ويختزن العقل الباطن للوليد كل آليات الحب والرعاية التي قامت بها الأم من دفء الأحضان وحنان اللمسات وأمان الاحتواء، ويعيش عليها طويلًا ويستخدمها مفردات في قياس قوة الحب الذي يمارسه في حياته المستقبلية مع شريك الحياة.

ومع أن أحاسيس الأمومة تكون في أوجها وقت الميلاد والسنوات الأولى من عمر الوليد لكنها قد تستمر طوال الحياة لحاجة الأم للشعور بوجودها، حتى لو انصرفت مشاعرها نحو مشاغل أخرى فهي دائمًا على قناعة أن وجودها الحقيقي يرتبط بمشاعر الأمومة، فتظل أبد الدهر تعاني هذا الصراع بين مشاعر الأمومة وارتباطاتها العاطفية أو الوظيفية الأخرى.

قد يعجبك أيضًا ما تعريف الحب؟ وما أنواعه وتأثيره علينا؟

كُنه عاطفة الحب

العاطفة كما أدركنا هي مجموعة من الأحاسيس المتألفة المركبة التي تتكون تلقائيًّا عندما نعبر الأحداث ونتفاعل مع الأشخاص.

وعاطفة الحب هي أقوى عاطفة تتكون في وجدان الإنسان بل أكثرها تعقيدًا وتنوعًا إذ تشتمل على عواطف أخرى تحتية أو مكونة مثل الاحتواء والنفاذ والامتزاج والتفاعلية والتعاشق أو التكامل والالتزام والرعاية والجاذبية والمودة والثقة.

ما حدا بكثير من العلماء أن يصنفوا الحب أنه ليسعاطفة من العواطف بل إنه قسم منفصل بحد ذاته يختلف عن العواطف الداخلة في إطاره، ولكنه يهضمها ويمتثلها جميعًا ويديرها جميعًا كي يدير الحياة ويستمتع بها ويخلد صورتها عبر الأجيال.

وكثير من العواطف ما إلا ردود أفعال لأحداث، أي تتميز بالطابع السلبي.

فمثلًا عاطفة الحزن أو الفرح هي استجابة أو انعكاس سلبي لحدث أو مؤثر خارجي، في حين لا يقتصر الحب فقط على المشاعر السلبية بل يحتوي قدرًا كبيرًا من الدوافع الإيجابية التي تظهر وتنمو كونها خاصية ذاتية للإنسان، ولا تنشأ مجرد رد فعل لحدث ما.

ولا يعني ظهورها في تلك اللحظة أنها أتت رد فعل لحدث ما، بل لأن ذلك هو التوقيت المناسب لظهورها.

فعاطفة الميل للالتحام الوجودي أو التعاشق الوجداني مع شخص آخر هي عاطفة إيجابية لا تأتي إلا في إطار الحب.

ويعد الحب أقوى العواطف؛ لأنه العاطفة الأكثر ارتباطًا بوجود الذات البشرية، وأعقد العواطف لأنه يشتمل على كل العواطف الأخرى التي تسير وتتناسق كي تحقق المفهوم العام للحب والحياة.

قد يعجبك أيضًا التوازن المطلوب في لعبة القلوب

آليات الحب

يوجد نوعان أساسيان من آليات تحقيق الحب.. النوع الأول هو آلية التماثل والتشابه والامتزاج.

فعندما يدرك شخصان وجود قدر كبير من التماثل بينهما في العادات والاهتمامات والخبرات تنشأ بينهما رغبة في التقارب والشعور بالأمان؛ فلا يزال كلاهما يحس أنه في بيته أو في نفسه ما دامت النفس الأخرى شبيهة بها.

وهذه الآلية هي عامل مشترك بين علاقات الصداقة وعلاقات الحب، لذا نرى كثيرًا من علاقات الصداقة تتحول لحب.

أما الآلية الثانية للحب فهي آلية التداخل أو التكامل أو التعاشق بين طرفي العلاقة.

أي أنه توجد عناصر مختلفة في كلا طرفي العلاقة تحقق التكامل بينهما، وهذا يؤدي حقًّا إلى ولادة كائن الحب الذي يتغذى ويكبر من هذه العلاقة الإيجابية لكلا الطرفين.

لا شك أن طرفي علاقة الحب قد يكون لهما من الخبرات والقدرات التي تختلف في كليهما حتى لو كانت لهما مساحات كبيرة من العناصر المشتركة المتماثلة.

وبذا فإن سعي كل طرف في إسعاد الطرف الآخر أو العمل على إراحته أو ترقيته سيخلق مناخًا إيجابيًّا صحيًّا بين الطرفين.

قد يعجبك أيضًا رائعة الأطلال والحب الأول الذي لا يفارق القلب

إدارة الحب

بعد أن ينشأ الحب في طرفي العلاقة يزداد التقارب والتداخل والتشارك بين شريكي العلاقة.

وتتوقف قوة الحب على مدى التماثل في الخبرات والمشاعر من ناحية، ومدى التكامل بين قدرات العمل والتأثير من ناحية أخرى.

العامل الأول يتوقف على خبرات وأحداث الماضي لكلا الشريكين، والعامل الثاني يتوقف على إمكانات الحاضر والمستقبل لهما.

وقد تتوقف نشأة الحب بدرجة أكبر على العامل الأول، أما فاعلية واستمرار علاقة الحب فتتوقف على العامل الثاني.

العامل الأول هو مجرد اختيار سلبي لا إرادي، أما العامل الثاني فيتوقف على إرادة وقدرة شريكي العلاقة على إدارة علاقة الحب وعلى إدارة حياة سعيدة ومنتجة.

العامل الأول يعطي إحساسًا تلقائيًّا بالأُنس والألفة والأمان، أما العامل الثاني فيعطي إحساسًا بالقدرة والفاعلية والنمو والازدهار.

ولا يكتمل الحب إلا باستيفاء هذين العاملين وبالأخص العامل الثاني، ونتيجة هذين العاملين قد يتمايز الحب إلى طائفتين هما الحب التماثلي التشاركي، والحب التفاعلي التكاملي.

ولا شك أن النوع الأخير هو الأكثر إثارة وقوة وقيادة لحياة مزدهرة، لذا سيعرض بإسهاب في المقالة التالية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا أستاذة ماجدة
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

أكرمك الله لفهمك وكرم أخلاقك يا علي مصطفي
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقال رائع جداً دكتور
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

دكتوري العزيز صاحب احسن مقالات واحلي حد يكتب مقالات حقيقي مقاله جميله شبهك يا دكتور ومميزه 😍♥♥
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة