عارية في قلب العالم

أجبرتني صديقتي على التحديق في العالم

 الموت ذاته

 لن ينسيني ما حدث

صديقتي تؤمن بأن الإنسان،

حيوان يفكر ليعيش،

وأنا أراه حيوانا يفكر ليموت،

أجبرتني على التحديق

صديقتي التي مزقت شراييني

 دون أن تدري،

قذفتني عارية في قلب العالم؛

 رأيت الأرض مكشوفة،

والنهار بكامل قسوته،

عرفت كيف يملأ الأجساد بالعتمة

ثمة جرح معلق فوق الرؤوس

ثمة ضباب يلف الأشياء

صديقتي تؤمن بالوضوح،

تتحرك من المقدمات إلى النتائج

 بخطى رتيبة

 لكنها مزقت شراييني

أنا لا أحب الوضوح،

 إنه سجن آخر،

بجدران أكثر قتامة

أحب أن أحدق في اللاشيء،

كي لا أرى شيئا

ولا يراني أحد

النهار الوقح

 النهار يلفحني بقسوته، فتسيح الملابس على جسدي، يتساقط كل شيء في هذا الخلاء، هنا في عمق المدينة يتساقط كل شيء، يحدث ذلك في توقيت ثابت، وأنتَ تقطع الطريق المؤدي إلى رجل اعتاد اقتحامي!

هل يوجد على هذه الأرض ما هو أقسى من النهار؟!

هل يوجد ما هو أوقح منه؟!

أراه قابعًا في جريدة أكرهها، في هذا الركن المكفن بالقسوة، لكن الجدران القميئة في تلك الغرفة؛ تحمل صور شعراء أحبهم، ويحبهم أيضًا رجل يفضل تلطيخ ملابسي قبل لقائك الدائم.

رجل يمعن في وجه الفضيحة بعينيه الفاحشتين، فتتحول إلى سكين، يقطع جسدي بشهوة باردة، ليبعثرني في الطرقات الضيقة تحت السقف الخانق، كي لا أذهب سالمة إلى التابوت،

هنا في تلك الغرفة، المغلقة دائمًا على أصحاب الغواية، يجتمع رجال ليحصلوا على نصيبهم من جثتي، وتأتي امرأة ذات عينين دامعتين، لتخلع الجزء المحفور في جسدي، كي تذهب به مطمئنة إلى الشاطئ الآخر.

ألملم أشلائي المبعثرة، وأخرج من الأبواب الخلفية، ملطخة بالدماء السوداء، آتي إليك لأخبرك بأنني مثلك تمامًا، لا أحب الكتابة لكنني لا أفضل أن يذهبوا بجثتي نظيفة إلى قريتي، ليلقوا بها على شاطيء النهر، ربما قابلتُ هناك الطفل الذي يأتي في صباحات الشتاء، ليوزع الحلوى على الموتى، قبل أن يذهب إلى حدائقه البعيدة، البعيدة مثلكَ يا حبيبي.

نعم أنت بعيد الآن،

يكفي أنك تفكر في "قميص فاجر"

جعلك تنزف الدماء لشهرٍ،

 سأغفر لك إذا أتيت ليلا

الليل الذي أحببتُ رهافته وتواطأه معي، حين كنت أمارس هواياتي الملعونة في شوارع مسكونة بالموت، سأغفر لك حين تخبيء الليل في جسدك، وتلفظ النهار، الذي يجعلك معفرًا بأتربة المدينة، الأتربة التي تحجب عنك رؤيتي في أيام الهلاك.

أنت لم تتخلص بعد من غواية القميص الفاجر،

وأنا قررت أن أتعاطى أقراص المنوم

لأصحو سريعًا على وقاحة النهار

 فقط أنتظر فضيحة جديدة

أحب الطرق الملتوية

 أرادت أمي أن تضعني، على طريق مستقيمة، ومن ثقب في الجدار، تتأمل خطواتي، تحت شمس لم تكن حبيبة، كانت تعرق، تزداد نحولا، كلما رأتني أتبعثر مع ضوء النهار، ثم تركتني إلى الأبد.

أنا لا أحب الطرق المستقيمة؛ إنها تؤدي إلى شيء وحيد، يقف في حلقي، لا يتفتت، ولا ينكسر، شيء يشبه الموت، يشبه الرب الذي لا أفهمه أبدا.

أحب الطرق المنحنية، الملتوية، التي لا تؤدي إلى شيء، أنحني معها، أتلوى بجسدي،

ليسكب كل ما فيه

على الأرض

سر معها في الطرقات

ضع كثيرا من الدم في القصيدة

لا تتركها تغفو للحظة،
لا تغطها بردائك الثقيل
سر معها في الطرقات المظلمة،
دع البرد يشقق لحمها،
والجوعى يأكلون زهورها البيضاء
لا ترفعها إلى السماء
احنها إلى الأرض،
اكسها بالتراب
املأها بالرصاص،
ثم قل لي:
من سيدفن

جثة العالم؟

 

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة
Aug 12, 2020 - زهراء الأمير
Aug 11, 2020 - كوثر بنحجاج
Aug 7, 2020 - زهراء الأمير
Aug 7, 2020 - Najeh Rouissi
Aug 6, 2020 - مودة الطاهر محمد
نبذة عن الكاتب

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية