مؤمن المصوِّر في قصر عائلة الدبَّاح.. قصة رعب

كنت قد قطعتُ على نفسي عهدًا بألّا أخرج للتصوير في القرى البعيدة، ولا أعمل في حفلات لا تُقدّر جهدي ولا تحترم مهنتي. [كنت قد وضعت لنفسي هذه القواعد الصارمة للحفاظ على مسيرتي المهنية، لكن ضائقة مالية مفاجئة جعلتني أبحث عن حلول استثنائية.]، غير أنّي لا أعلم لماذا في هذه المرة وافقتُ، ولماذا لم أرفض كما اعتدتُ!

كنت جالسًا أمام حاسوبي أعمل على بعض صورٍ التقطتُها في أفراحٍ سابقة، فإذا بمكالمةٍ تأتيني من رقمٍ غريب. كان المتّصل يطلب منّي تصوير حفل زفافٍ لشقيقه. سألته عن التفاصيل، فأخبرني كلَّ ما أردت معرفته، ثم ختم حديثه بعبارةٍ أوقعتني في الحيرة: «الفرح سيكون في قرية…»، ثم ذكر اسمها. ترددتُ قليلًا، فالاسم وحده أثار داخلي رهبة، إذ سمعتُ عنها قصصًا سيئة من قبل.

رفضتُ في البداية، لكن الرجل ظلّ يلحّ عليّ بإصرارٍ شديد، حتى وعدني بأن يدفع لي ضعف ما أطلب عادةً، مبلغٌ لم أكن لأحلم به. وحينئذ، وأول مرّة، كسرتُ القاعدة التي وضعتها لنفسي، ووافقت. وقبل أن أستزيده في الكلام، أنهى المكالمة قائلًا: «الفرح غدًا»، ثم أغلق الخطّ في وجهي.

شعرت أنّني وُضعت في مأزق، لكن لم يكن أمامي إلّا أن أذهب. في اليوم التالي، استدعيت مساعدي أكرم، وانطلقنا سويًّا. استقللنا سيارة أجرة حتى أطراف القرية، لكن السائق رفض أن يُكمل الطريق إلى الداخل بحجة أنّ أجهزة التحديد لا تُظهر أيَّ مسارٍ واضحٍ، وهو يرتجف، نظر إلي وقال بنبرة تحذير: «هذه القرية لا يدخلها أحد ويعود سالمًا يا أستاذ». نزلنا من السيارة، وبدأت أسأل عن بيت «ممدوح الدبّاح».

لكنّ الاسم كان كالصاعقة على مسامع الناس؛ كلما سألْتُ أحدًا عن العائلة لم يُجبني إلّا بكلمة واحدة: «أعوذ بالله من تلك العائلة، ما شأنك بهم؟» وما إن أبدأ بشرح أنني مصوّر جئت لأداء عملي، حتى يدير السائل وجهه وينصرف دون كلمة. تكرّر ذلك حتى نصحني بعضهم أن أعود أدراجي وألّا أدخل بيت تلك العائلة أبدًا. همس لي أحدهم بأنهم ليسوا من بني البشر، وأن قصص رعب كثيرة تُروى عنهم.

لكن الفضول استبدّ بي. ظللت أبحث وأسأل حتى اقترب مني رجل في الخمسين أو يزيد، وقال إنّه سيوصلني إلى البيت.

سرتُ معه شاكرًا، حتى وجدتُ أننا نبتعد عن القرية شيئًا فشيئًا، وندخل في أرضٍ قاحلة لا معالم فيها سوى قصرٍ ضخم يلوح من بعيد. سألته في الطريق:

ـ لِمَ بيتهم بعيدٌ عن القرية إلى هذا الحد؟

لم يجبني؛ اكتفى بابتسامةٍ غامضة، ومضى.

وقبل أن نصل إلى القصر بعشرة أمتار، توقّف فجأة وقال:

ـ ها قد وصلتَ، أمّا أنا فلا أستطيع أن أتقدّم خطوة واحدة. سلامٌ عليك.

وغادر دون أن يلتفت.

نظرت إلى أكرم حائرًا، ثم مضينا معًا نحو ذلك القصر المهيب. كان ضخمًا، واسع الأرجاء، لكنّ وحشته أشدّ من ضخامته. الشمس كانت توشك على الغروب، والليل بدأ يرخي سدوله. وقفتُ أمام الباب الكبير وناديت:

ـ يا أستاذ ممدوح! أنا مؤمن المصوّر، هل من أحد هنا؟

وإذا بالباب يُفتح فجأة، والأنوار في القصر كلّها تُضاء في لحظة. ظهر رجال ونساء لا أعلم من أين جاؤوا، وتعالت أصوات داخلية كأنها خرجت من العدم.

وعند عتبة الباب، وقف رجل طويل القامة، عيناه كأنهما مرسومتان بالكحل، وحاجباه غليظان، يرتدي بدلة حمراء قانية لم أرَ مثلها في عرسٍ من قبل. تقدّمت نحوه ومددت يدي قائلًا:

ـ أنا مؤمن المصوّر الذي استُدعي لتصوير الحفل.

كان مبتسمًا، لكن ما إن سمع اسمي حتى تغيّرت ملامحه فجأة وقال بصوتٍ غامض:

ـ مؤمن، هكذا يقولون في البداية… ثم يركضون خلفنا راجين أن نُنفّذ ما يريدون.

ارتبكتُ ولم أفهم قصده، لكنّه أعرض عنّي، واستدار إلى داخل القصر. تبعته، وأشرت إلى أكرم أن يبقى قربي.

دخلنا فوجدنا القصر تحفةً فنية، كأنه خارج من قصة غموض قديمة، زخارفه بديعة وضوء القمر المتسلّل من النوافذ يضفي عليه جمالًا غريبًا، جمالًا ممزوجًا برهبةٍ لم أختبرها من قبل. وبينما نحن مأخوذان بالمنظر، إذا بصوتٍ أجشّ يخترق المكان قائلًا:

ـ وصلتَ أخيرًا!

التفتُ، فرأيت رجلاً بدا طبيعيًا أكثر من سابقيه. مدّ يده مصافحًا وقال:

ـ أنا «مضيف الإنسان».

تعجّبت من الاسم وسألته:

ـ اسمك غريب! أأنت حقًّا تُدعى «مضيف الإنسان»؟

فابتسم وقال:

ـ لا، ليس هذا اسمي. لكنّ مهمتي أن أستضيف كل إنسان يدخل قصرنا.

ثم أضاف بصرامة:

ـ اعلم أنّ التصوير هنا له حدود. القصر وزواياه محرّمان عليك أن تلتقط له أيَّ صورةٍ. هذه هي قوانين قصر الدبّاح الغامض. ما يُسمح لك به فقط هو تصوير الأشخاص الذين نأمرك أن تصوّرهم، وتسلمنا الصور قبل أن تغادر.

سألته بدهشة:

ـ أيُّ قوانينٍ هذه؟ أهذا عرس أم محكمة؟

لكنّه اختفى فجأة، كما لو أنّه لم يكن موجودًا.

وما هي إلا لحظات حتى امتلأ المكان بمخلوقاتٍ غريبة: أجساد بشرية لكنها لا تمشي على الأرض بل كأنها تطفو، أصابع طويلة غير مألوفة، وجوه مطلية بالمكياج القاتم عند الشفاه وتحت العيون. رجال ونساء، لكنّ هيئاتهم كانت أقرب إلى الكوابيس.

ارتجف أكرم من الرعب واقترب مني هامسًا:

ـ هذا ليس عرسًا يا مؤمن… إنّه جحيم.

لكنّي تمسكت بالكاميرا، وبدأت ألتقط الصور واحدة تلو الأخرى. إلى أن وقعت عيني على شيء لم أرَ مثله قط: هيكل خشبي على هيئة إنسان، فمه مفتوح، وعيناه خاويتان، كأنّه تمثال محنّط.

رفعت الكاميرا لأصوّره، لكنّ رجلًا وقف أمامي فجأة وقال بلهجة قاسية:

ـ ممنوع تصوير أثاث القصر. أسرار آل الدبّاح لا تخرج للخارج.

قلت له مدافعًا:

ـ لكنه تمثال لا أكثر.

فصرخ في وجهي:

ـ تمثال؟! أتسمي قائدنا تمثالًا؟! لولا أنها ليلة زفاف الحفيد الأول، لكنتَ رأيته يلاحقك في كل مكان حتى تندم على كلماتك… أيها البشري.

كلمة «بشري» وحدها كانت كافية لتزرع في قلبي الرعب.

لكنّي تجاهلت الأمر وأكملت عملي. إلى أن جاءني أكرم مضطربًا وهو يقول:

ـ مؤمن… يوجد أمر عجيب يحدث.

ـ ما الأمر؟

ـ كلّما التقطت صورة لأحد هؤلاء الناس… وراجعتُها، وجدتها فارغة! الصور بلا أشخاص!

صرخت فيه أن يتوقف عن المزاح، لكنّه رفع الكاميرا أمامي ليريني. نظرتُ، فوجدتُ الكادرات فعلًا فارغة، بلا أثرٍ للجموع التي تملأ المكان.

طلبتُ منه أن يلتقط لي صورة، فلما فعل ظهرت صورتي طبيعية. لكنّ الآخرين… لا يظهرون!

وبينما نحن نتجادل ونحاول استيعاب ما يجري، دخل علينا شاب شديد الجمال، بشرته بيضاء أشدّ من البياض الطبيعي، شعره أسود قاتم، يرتدي بدلة سوداء لا لون فيها غير السواد. مدّ يده لمصافحتنا، وكانت باردة كالجليد، ثم قال بصوتٍ عميق:

ـ لا يجوز لكما أن تبقيا وحدكما هنا، فهذا خطر. قد يشمّكما أحدهم في لحظة.

قلتُ بدهشة:

ـ يشمّنا؟! ماذا تقصد؟ أعلينا رائحةٌ كريهة؟

ابتسم ابتسامةً مرعبة وقال:

ـ لا أقصد عرقكم… بل أقصد رائحة دمكما. لقد ملأت المكان بأسره. لقد أفسدت رائحتكما الطيبة أجواء هذا المكان، تمامًا كما تفسد رائحة البشر عالم الجن.

يتبع…

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة