تُعد عائشة الحرة واحدة من أكثر الشخصيات النسائية تأثيراً ومهابة في تاريخ الأندلس؛ فهي الأميرة التي شهدت الفصول الأخيرة من سقوط غرناطة، وأم أبي عبد الله الصغير، آخر ملوك المسلمين في تلك البلاد، وقد عُرفت بذكائها الحاد وقوة شكيمتها، وكانت العقل المدبر والروح المقاومة داخل قصر الحمراء، واستمدت لقب الحرة من مكانتها السيادية وترفعها عن الدسائس، وتمييزاً لها كزوجة شرعية ومن سلالة ملكية أصيلة.
تمكنت عائشة الحرة عام 1482م من الهروب مع ولديها من برج قمارش عبر ربط الأغطية كحبال، ما مهد لتنصيب ابنها أبو عبد الله الصغير ملكاً قبل سقوط غرناطة سنة 1492م.
أصل عائشة الحرة: النشأة والخلفية الأسرية
وُلدت عائشة الحرة في القرن الخامس عشر الميلادي، أما عن أصلها ونسبها، فهي تنتمي إلى صلب الأسرة الحاكمة، فهي ابنة سلطان غرناطة أبي عبد الله الأيسر، المتوفى عام 1453م، ما جعلها تحمل دماء بني نصر (بني الأحمر) من جهتي الأب والزوج. وتزوجت من ابن عمها السلطان أبي الحسن الغالب بالله وهي في سن صغيرة، وأنجبت منه اثنين: يوسف ومحمد.

والحرة ذات السيادة، ومن هنا تبدأ من هنا مسيرتها في مواجهة التحديات السياسية والعائلية، خاصة بعد ظهور الجارية الإسبانية ثريا الرومية التي حاولت سلب حقوق ولدي عائشة في العرش، وهو ما دفع عائشة لقيادة ثورة بارعة نجحت من خلالها في تأمين ولاية العهد لابنها.
أزمة عائشة مع السلطان أبي الحسن
عندما تقدمت سن السلطان أبي الحسن، تزوج جارية إسبانية تُدعى إيزابيلا سوليس، وعُرفت فيما بعد باسم ثريا الرومية. وأصبح السلطان فيما بعد طوع يدها، فلا يرفض لها طلبًا. وكانت ثريا قد أنجبت من زوجها ولدًا يُدعى يحيى، فطلبت من أبي الحسن أن يوليه ولاية العهد، ففعل أبو الحسن ذلك؛ بل حبس عائشة وأولادها في برج قمارش بالحمراء، وتشدد في مراقبتهم والقسوة عليهم.
الذكاء العسكري والهروب من برج قمارش
عندما حُبست عائشة وأولادها في السجن، انقسم شعب مملكة غرناطة إلى قسمين: قسم مع عائشة، وقسم آخر مع السلطان أبي الحسن وثريا. وكان من أبرز داعمي عائشة أسرة بني سراج، وقد استعانت بهم لتدبير وسائل الهروب من السجن. وفعلاً، استطاعت عائشة الهرب مع أولادها، واختفوا مدة.
تجلت عبقرية عائشة الحرة في قدرتها على التخطيط للهروب من برج قمارش عام 1482م، حيث لم يكن هروباً عشوائياً، بل كان عملية مدروسة بدقة. قامت عائشة بربط الأغطية والستائر لتشكيل حبال متينة نزلت بها مع ولديها من علو شاهق في ظلام الليل، ما يظهر شجاعة نادرة وثباتاً انفعالياً عالياً في مواجهة قسوة زوجها السلطان أبي الحسن، وكانت بداية الشرارة التي قلبت الموازين السياسية وأدت لاحقاً لتنصيب ابنها ملكاً.
خلع السلطان أبي الحسن من الحكم
فرض السلطان ضرائب على العامة، وهو ما أثار غضبهم؛ فاستغلوا غياب السلطان، فشجع بنو سراج الناس على مبايعة أبي عبد الله بن السلطان أبي الحسن، وهو الملقب بـ«أبي عبد الله الصغير». فاضطر أبو الحسن إلى الانسحاب إلى مالقة عند أخيه أبي عبد الله الزغل.
أسر السلطان أبي عبد الله الصغير
بعدما تولى أبو عبد الله الصغير الحكم، عمد إلى تجهيز جيشٍ، وزحف على مدينة قرطبة، وحرر كثيرًا من الحصون في طريقه، وهزم القشتاليين هزائم عدة. ولكن في طريق عودته، في مدينة اللسانة، هزمه الإسبان وأخذوه أسيرًا. فلما علمت بذلك عائشة الحرة، احتفظت بهدوئها وكياستها وحلمها، وأخذت تبعث المعنويات في كل مكان في غرناطة.
حاولت عائشة التفاوض مع ملك قشتالة فرديناند الخامس لإخراج ابنها من الأسر، ولكنها فشلت؛ إلى أن أخرجه الملك فرديناند من أسره بعد أن جعله يوقع على معاهدة تنص على أن يدين أبو عبد الله الصغير بالسمع والطاعة لملك قشتالة لمدة عامين، وتعم على كل المناطق التي بيد أبي عبد الله الصغير.

نهاية مملكة غرناطة
عند مجيء أبي عبد الله الصغير إلى غرناطة، وجد مملكة غرناطة بيد عمه أبي عبد الله الزغل، فانقسمت مملكة غرناطة قسمًا مع أبي عبد الله الزغل، وقسمًا آخر مع الصغير، ونشبت حرب أهلية بينهما. فاستغل فرديناند ذلك، فاستولى على كل المدن، حتى لم يبق سوى غرناطة.
واستطاعوا السيطرة أيضًا على منطقة وادي آش، التي كانت تحت سيطرة الزغل؛ فاضطر الزغل بعد ذلك إلى الذهاب إلى المغرب. وظل الأمر كذلك حتى استطاعوا حصار غرناطة، التي كانت بيد الصغير، وظلوا محاصرين المدينة لمدة سبعة أشهر. وكانت أمه عائشة تشجعه على المقاومة في وجه القشتاليين والإسبان، ولكن في النهاية اضطر الصغير إلى تسليم غرناطة عام 1492م.
«ابكِ كالنساء ملكاً لم تحافظ عليه كالرجال»: آخر كلمات عائشة الحرة
عندما خرج أبو عبد الله الصغير من غرناطة، ونظر إليها باكيًا من مكان يُعرف اليوم باسم زفرة العربي الأخيرة، قالت له أمه كلمتها الشهيرة: «ابكِ مثل النساء ملكًا مضاعًا لم تحافظ عليه مثل الرجال». وذهب أبو عبد الله الصغير مع أمه إلى مدينة فاس بالمغرب، وظلت أمه هناك إلى أن توفيت، ولا يُعلم متى توفيت تحديدًا.
عائشة الحرة: الرمزية السياسية ولقب سيدة غرناطة
لم تكن عائشة مجرد أميرة في البلاط، بل كانت رمزاً للشرعية والاستقرار في نظر الأندلسيين؛ وكان لقب الحرة وصفاً معنوياً وسياسياً يعكس ترفعها عن الدسائس والمؤامرات التي كانت تُحاك في قصر الحمراء. وقد استطاعت من خلال مكانتها كابنة للسلطان أبي عبد الله الأيسر أن تجمع حولها المخلصين مثل أسرة بني سراج، لتشكل جبهة معارضة قوية ضد النفوذ الأجنبي والاضطرابات الداخلية التي هددت المملكة.
دار الحرة: الأثر الباقي
يُعد منزل عائشة الحرة المعروف باسم دار الحرة في حي البيازين العريق بغرناطة، واحداً من أهم المعالم التي تخلد ذكرى هذه الأميرة، وقد بُني هذا القصر على أنقاض قصر زيري قديم، ويتميز بعمارته الأندلسية الفريدة التي تعكس ذوقها الرفيع ومكانتها. ويعد بقاء هذا المنزل حتى يومنا هذا شاهداً مادياً على صمودها، حيث كانت تدير منه شؤون المقاومة، وتدفع ابنها لتجهيز الجيوش في مواجهة الزحف القشتالي.

ويُشاع أن السيدة الحرة (حاكمة تطوان)، المولودة في شفشاون المغربية، والتي اشتهرت بلقب أميرة الجهاد البحري، وتحالفت مع القائد البحري الشهير خير الدين بربروس، لتنظيم هجمات بحرية ضد الأساطيل الإسبانية والبرتغالية، قد سُميت بهذا الاسم تيمناً بعائشة الحرة واقتداءً بصلابتها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.