أسرار العوالم الخفية.. ظواهر غامضة وأساطير من مدن وبلدان عتيقة

تستأثر المدن والبلدان العتيقة بكثير من الظواهر الغريبة والمشاهدات الغامضة، وهي بقدر ما تبدو للأغراب ظواهر مبهمة مخيفة، فقد اعتادها سكان هذه المناطق، يتوارثونها جيلًا بعد جيل، غير أنها وعلى غرار أكثر الظواهر الملغزة، ترتبط بأحداث حقيقية ووقائع ملموسة وقعت في زمن ما.

فنجد -على سبيل المثال- أنه يشيع بين الناس ظهور (الأشباح) في البيوت القديمة التي يهجرها ناسها لفترات طويلة؛ وذلك أن شياطين الجن تسكنها وتعمرها، فتقوم بأفعال مريبة يلحظها أكثر الساكنين في أجوارها، كإضاءة الأنوار في طوابقها، وانطفائها بغتة خلال ساعات الليل، ورؤية خيالات وأطياف وأشباح تسعى على جدرانها، وسماع الأصوات الغريبة تطن في جنباتها، كالغناء والنواح والأزيز والصراخ والضجيج المجهول، ووقع الأقدام على الدرج، والدقات العنيفة على الأسقف والجدران.

وكذا اهتزاز الأبواب على نحو يخلع القلوب، وانفتاحها المباغت لتعود فتنغلق بهدوء وصفير مفزع، وتحرك واهتزاز الأواني والأوعية من ذاتها وتراقص الأردية وقفزها، وكأنها تحوي أجسامًا مادية، وسقوط ستائر هذه البيوت تباعًا، وانتثار أثاثاتها وأشيائها إلى نواحيها وأركانها على نحو عبثي، واشتعال النيران في أجزاء منها دون غيرها، وقذف الحجارة واندفاعها من أبوابها ونوافذها على المارين بالطرقات المجاورة، وأخيرًا قد تندلع فيها النيران المفاجئة، فتقضي عليها بالكامل.

ومن الظواهر الغريبة التي رصدها من يُعرفون بـ(صائدي الأشباح) في هذه البيوت المسكونة، ظهور سيدة ترتدى البياض، وكأنها راهبة تتجول في غرفاتها وطرقاتها، ورجل مقطوع الرأس يحملها على يده، وأشباح دخانية تسبح دون هيئة معينة، وأطياف لعربات وأجياد، وهجوم من أجسام غير مرئية، ورسائل تُكتب على حوائطها في صورة رموز وعلامات ورسوم. ولوحظ أيضًا أن ثمة بقاع معينة من هذه البيوت تتسم بهبوط حاد في درجات الحرارة، وانتشار روائح مأدومة بالدخن والبخور، وكان كل من حاول منهم طرد هذه الأطياف والأشباح يتجرد من ملابسه وتطير أشياؤه، ويُرجم بالحجارة من مصدر مجهول.

أساطير الأمكنة العتيقة: من المتسولة إلى القطط السوداء

ومن أكثر أساطير البلدان القديمـة شهـرة حكايـة (العجوز المتسولة)، وهي عجوز اعتادت أن تجلس في الطرقات أو إلى جوار المنازل جامدة كالتمثال، تمد يدها لتتسول، وتظل على هذه الحـالة حتـى وقـت متأخـر مـن الليـل.

أسطورة العجوز المتسولة

ويقال إنه ذات مرة عندما مرَّ عليها أحد الأشخاص أشفـق علـى حالـها، فأخرج يده من معطفه ليعطيها بعض النقود، غير أنها لم تمد يدها، وصدمته بنظراتها الغـريبة وشكلها المرعب، فطلب منها أن تأخذ النقود وليتـه لم يطلب، مدت العجوز يدها فوجد أنها مشعرة وتشبه أرجل الماعز، ففر الرجل من فوره فازعًا.

وما كشفته الأحـداث قبلًا، أنه فيما سبق كانت تجلس في هذا المكان (عجوز متسولة)، غير أنها قُتلت على يد متسول آخر، طمعًا في مالها، وأن ما ظهر له ليس إلا شيطانة تقمصت هيئة تلك العجوز.

ومن أغرب هذه الأساطير أيضًا شيوع ارتباط (القطط السوداء) بـ(توأم الأطفال)، وذلك أنه يقال إن لكل توأم قطتين سوداوين لا يجب مسهما بسوء وإلا تأذى الطفلان؛ وذلك أن ما يجري لـ(توأم القطط السوداء) من ضرر وأذى يلحق بـ(توأم الإنسان) المرتبط بهما، والعكس صحيح.

وفي ذلك نجد حكاية المرأة التي ولدت طفلين توأمين، وعندما بلغ الطفلان الرابعة من عمرهما بدآ ينطلقان ليلًا ويهاجمون جيرانهما، بعد أن يتحولا إلى قطتين سوداوين بحلول منتصف الليل من كل يوم.

وفي إحدى المرات هاجمهما رجل من الجيران، وألقت زوجته مياه ساخنة عليهما، لتفاجأ أم الطفلين في اليوم التالي بحروق بالغة في ساقيهما، فأدرك الجميع عقب هذا الحادث أن الطفلين ليسا على ما يرام، وأنهما ربما يعانيان من حالة تلبس من الجن، وهو ما جعل العامة بمرور الوقت وتعاقب الأجيال يعتقدون أن لكل توأم قطتين سوداوين تحملان روحيهما أنفسهما.

مخلوقات الظلام: المارد الأسود وقاطع الطرق

قديمًا اشتهر نـوع مـن المـردة بأنه كان يخـرج علـى الناس فيغلـق عليهم الطـريق، وذلك أن الماريـن كانـوا يتحسسون كل جانب مـن هـذا المارد الأسود، فلا يجدون سوى الظلام الدامس، وكأنـهم أُسقطوا في صندوق فاحم مغلق، أو غرقوا في دائرة سوداء، فيفزعـوا ويتملكـهم الخـوف والرعـب، غير أنه يرحل بغتة، فينكشف النـور والطـريق، وهو نوع غـريب مـن المـردة يعشق اللهـو بعقـل الإنسان والعبث بمشاعره، ليخيفه ويشتت أفكاره فقط.

وفي أكـثر مـن واقعـة، شوهـد هـذا المارد في الطرقات والأزقة، وهو يظهر كالعباءة السوداء أو الدخان الأسود الكثيف، يتشكل كيفما يشاء، فشاهده الناس وهو يطول ويتمدد بجانب الأعمدة والأشجار والعمائر حتى ناهز كامل ارتفاعاتها، ثم أخذ يلتف حولها كالثعبان ويغمرها بسواده حتى اختفت، ولم يظهر سوى المارد يتمدد بسواده الدامس، لا يُرى ما خلفه، ثم يعود فينكمش ويتبدد، ويختفي وكأنه سراب أو محض ضلالات وأوهام. 

أسطورة المارد الأسود

أما عن (قاطع الطرق المهجورة) فقد راجت عنه حكايات غاية في الغرابة والرعب، وذلك أنه يظهر فجأة أمام السيارات التي تمر من الطرق القديمة والمهجورة ليلًا، فيقطع عليها مسيرها، فقد يفاجأ السائق برجل عجوز طاعن في السن، يلتف بأردية بالية يمر بغتة أمام سيارته في الظلام الدامس دون سابق إنذار، ليقف أمام السيارة لثوانٍ قليلة يرمق سائقها بنظرات براقة مرعبة، أو يمعن فيه في أثناء عبوره بنظرة نافذة تخلع القلب، يكاد من إثرها أن تنقلب السيارة بسبب ضغط السائق المفاجئ على (الفرامل) ومحاولة كبح جماحها، وفي ذلك قد يظهر (قاطع الطريق) في أكثر من هيئة مخيفة، كخروف أو ماعز، أو حمار، أو قطة سوداء وما شابه.

وقد يتعثر السائق في أثناء سيره بقط أو أرنب يسقط بغتة بين عجلات السيارة، أو يفجأ بارتطام خفاش أو طائر هائم بالزجاج الأمامي، أو يُباغت بغراب أسود يقف عند مقدمة السيارة؛ ما قد يربكه عن القيادة أو يحجب عنه الرؤية، فيؤدي بالنهاية إلى تعثر السيارة وانقلابها، وما أكثر الحوادث المبهمة التي تقع على الطرق المهجورة دون أن يعرف الناس لها سببًا.

ومن المشاهدات العجيبة التي سجلها أكثر المارين بالطرق القديمة رؤيتهم للبائع الذي يفترش ببضاعته الأرض في موضع نادرًا ما يمر به بشر، وهو الأمر الذي يضربهم بالريبة والخوف من حقيقته، ورغم محاولات السيارات المرور السريع والخاطف أمامه، يجد السائقون أنفسهم من شدة الخوف شاخصين فيه، تنزلق أياديهم عن عجلات القيادة دون إرادة، فتتباطأ السيارة عن الحركة، وكأنها تحمل أطنانًا تثقلها.

السكك الحديدية: مسرح الأشباح العظيم

تحتل السكك الحديدية قطاعًا عريضًا من هذه الأساطير المرعبة، فالقطارات آلات رهيبة، كاسحة غشيمة، منذ أن اخترعها الإنسان ولم تهدأ حـولها الحكـايات المرعبة والأساطـير المخيفة، وفي ذلك قد تكـون السكك الحديدية بقاطـراتها أكـثر الأمكنة التي شاعت في رحابها الأحداث المبهمة والمشاهدات الغامضـة في العصـر الحـديث.

ففي عربات هـذه الماكينة العملاقة ودبدباتها الصاخبة يَكْمُن إرث تليـد من الوقائع الملموسة المفجعة، وترتـع في آلاتها آلاف الأشبـاح والوحـوش، وكأنها مسرح عظـيم للأهـوال والمريعات يجـوب القرى والبلدان، ليترك في كل موضع يمر به أشبـاحًا عساسة صارعة، وآثارًا عميقة، وصـدمات غائرة يصعب محوها من متون الذاكـرة.

وفي ذلك يُعد عمال القطارات وسائقوها، والساكنون في أجوار محطاتها وخطوط سيرها، هم أكثر من عايشوا هذه الخوافي الكامنة فيها، وعاينوا مخلوقاتها الغيبية، يرونها يومًا بعد يوم، حتى بردت نفوسهم، ولم يعد يحركها خوف أو يثيرها ارتياع، وبات لديهم كثير مما يمكن أن يُحكى عن عجائب القطارات وأهوال عرباتها، وسككها الحديدية.

وبهذا الصدد، شاع قديمًا أن أرواح القتلى تظل هائمة حوامة، تدور حول المواضع التي قُتلت فيها، وأن الجنيات تسكن وتسعى في رحاب هذه المواضع، لذا فالسكك الحديدية من أكثر الأمكنة التي قد تكون شاغرة بالجن، وذلك أن هذه القاطرات العتيَّة الغشيمة بقدر ما تحوي وتنقل من أنفس، بقدر ما تحصد من أرواح، ولأن الجن بعادتها تسعى وراء الجثث والأشلاء والدماء، فإن المئات من شياطينها دومًا ما تجتمع حول كل موقع مأساوي من تلك الحالات التي يدهس القطار فيها الإنسان بعجلاته القاسية.

وفي ذلك فما أكثر المشاهدات والحكايات التي راجت حول مصارع قتلى القطارات، وعلى طول خطوطها الحديدية الممتدة بلا نهاية، والتي تجد فيها الجِنيات مجالًا رحيبًا لتقمص أجساد القتلى وشخوصها، لتسعى في ترويع الإنسان بشتى الطرائق، وما أكثر الأشباح التي يؤكد الناس رؤيتها في مثل تلك الأمكنة.

فضلًا على أن مرور هذه القاطرات الخاطف والمفاجئ يُبيد بدوره أرهاطًا كثيفة من الجن حال تنكرها ومرورها بالمصادفة، أو يقلق راحة هؤلاء الذين يسكنون الجبال والصحاري التي تجسرها القطارات، ويقض مضاجعهم.

وطبقًا لأكثر من تجربة على مستوى العالم وعبر التاريخ -وعلى طول ريف مصر خاصة- تنتشر وتمتد آلاف الحكايات والأساطير حول مواضع مرور القطارات، وفي أجوارها. ولا سيما حكاية عامل التحويلات أو الصيانة الذي ما يلبث الناس أن يرونه إلى جوار شريط القطار، حتى يراه آخرون في برج المراقبة، وقد تراه ثُلة ثالثة عند المحطة بطريقة يصعب تحققها، وكأنه يتقمص ثلاثة أشخاص في الوقت ذاته.

أشباح السكك الحديدية

ومثل ذلك حكاية البائع الجوال الذي لا يغادر عربة القطار ليل نهار، فإذا ما لاحقه العمال في أول القطار ظهر في آخره، وإذا أنزلوه في آخره شاهده الناس في أوله، ليجلس بالنهاية قرب باب عربة بعينها لا يغادرها أبدًا، حتى أشاع الناس أنه شبح لرجل فقد ابنه الوحـيد تحت عجـلات هذه العربة، وذلك إثر انفلاته من يده عند محاولة ركوبهم في أثناء حركة القطار، فألقى بنفسه في عقبه؛ فمات!

وما من بلد أو قرية إلا ويعرف ناسها (شيخ المحطة)، ذلك الشبح الغريب المبهم الذي اعتاد الأهالي أن يرونه كل ليلة في صورة رجل يتجول على أرصفة المحطة في ساعات متأخرة في الظلام الدامس، ولم يجرؤ أحد هؤلاء يومًا ما أن يقترب منه ليعرف كنهه، وكل من حاول واقترب لم يعثر له على أثر، وناوشته أشباح هذا الرجل، تظهر تارة وتختفي أخرى، فقيل إنه روح كل رجل دهسته القطارات قرب أرصفة المحطة.

وقتلى السكك الحديدية الذين شوهدوا لسنوات طوال يجلسون ليلًا في الأمكنة التي سحقتهم عرباتها فيها، أو يتجولون في جوارها، وهي مواضع معروفة من كل بلد أو قرية، يخشى الناس ارتيادها أو المرور خلالها ليلًا، وفي ذلك فلا أشهر من قصة الطفل الذي رأى القطار يدهس أباه أمام عينه، فحكى أنه كان ينتظره كل صباح في أثناء ذهابه إلى المدرسة، في الموضع نفسه الذي قُتل فيه، فكان يصطحبه ماشيًا في الطريق الملاصق لشريط القطار إلى أن يخلي الطفل سبيله إلى طريق آخر.

وأصـوات الأطفـال التي يسمعـها دومًا الركـاب والمارون بجـوار السكك الحـديدية (تضحك وتهزج وتبكي وتئن) وبخاصة في تلك المواضع التي اكتسحت فيها عربات القطار (السيارات) التي كانت تحملهم إلى مدارسهم، أو أُزهقت أرواحهم فيها في أثناء عبورهم لخط السكة الحديد، ومثل ذلك أصوات الضجة واللغط التي تترامى وتنتشر حول مواضع قتلى الأسواق التي تُنصب فوق شريط القطار، وهو ما نراه كثيرًا في قرى مصر وربوعها.

وتعد بعض الأمكنة هي الأكثر من نوعها في حوادث تصادم القطارات وانقـلاباتها؛ حتى شاع أنـها مسكـونة بأمم كثيفـة من الجـن، ولاسيما منطقـة (العياط) بمصر، فضلًا على شيوع أمر القطارات التي تتوقف عنوة ودون وجود أيه أعطال في أمكنة بعينها تبعد كثيرًا عن المحطات المفروضة، لتعود فتعمل من تلقاء نفسها بعد مدة وجيزة، وهو ما يحدث كثيرًا في المناطق النائية التي تجسرها القطارات، وفي رحابات المناطق الأثرية والقبور والخرابات العتيقة وما شابه.

وما أكثر اللعنات التي لاحقت كثيرًا من الأثريين في أثناء سفرهم بالقطار بعد تنقيبهم عن مقابر أثرية مهمة، ولاسيما مقبرة (توت عنخ آمون) التي اكتشفها (هيوارد كارتر)، وما تبعها من مآسٍ غير مفهومة، وبخاصة تلك الحالات التي كانت تستخدم القطارات فيها لنقل المومياوات.

ومن أشهر الوقائع الغامضة التي حار العلماء في تأويل ألغازها، حادثة القطار الذي قطع زهاء الخمسة عشر كيلو مترًا دون سائق، من مدينة (أنتورب) إلى العاصمة البلجيكية (بروكسل)، وذلك أن السائق كان قد مات فجأة بعد أن أقلع القطار مباشرة، غير أن القطار تمكن من الوصول والوقوف الهادئ في محطته النهائية، على الرغم من كثرة التحويلات والتقاطعات وإشارات الحركة طول الطريق، وعدم وجود أجهزة للقيادة الذاتية بالقطار! والأغرب من هذا كله أن القطار كان طوال الطريق يستجيب لإشارات الإنذار ويتوقف في محطاته الاعتيادية.

ويتوافر التاريخ على آلاف الحكايات والوقائع الأخرى المبهمة الخاصة بالسكك الحديدية وقطاراتها، والتي ستجد عوالم الخفاء في خلفية مشاهدها، إذا ما أطرقت السمع لمرتاديها والساكنين في أجوارها، وعلى الرغم من هول هذه الحكايات وافتقارها لتفسيرات يقبلها العقل، فهي تتواتر على ألسنة الناس وتموج في عمق أدمغتهم يومًا بعد يوم.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.