في كلية قديمةٍ تعِبت جدرانها من أصوات الامتحانات، جلستْ على المقعد الأخير، تكتب بإصرار، وتقاوم ارتباكًا لا تدري سببه.
هو لم يكن أستاذها، لكنه كان هناك.
رجل يمرّ بهدوء بين الصفوف، لا يوبِّخ، لا يبتسم كثيرًا، لكنَّه يترك أثرًا في الهواء يشبه الريح الدافئة حين تمرّ قرب النافذة.
في يونيو منذ أربعة أعوام تتذكَّره جيدًا، انحنى خلفها، وهمس شيئًا ما زالت تذكره… لكنها تذكر أكثر انحناءه، وهدوء صوته، وهاتفه الذي يحمله، وساعته الذكية التي كان يضعها في يده حين يتكئ على طاولتها بيده، وينحني عليها للرد على استفسارها أو لسؤالها سؤالًا، وورقة الامتحان التي مددها إليها كأنها أكثر من مجرد سؤال.
منذ ذلك اليوم، تغيَّرت نبرة الامتحان.
لم يعد حضورها إلى القاعة من أجل المادة فقط، بل من أجل أن تراه يمرّ. وأصبح صمته مألوفًا، كأنها تحفظ إيقاع خطواته، وتستأنس ببقائه حتى دون كلام.
ثم انتهت الامتحانات… وبقيت.
بقي ظلّه في ذهنها، وبقيت الورقة.
كان التواصل بعدها نادرًا، يشبه نَفَسًا لا يريد أن يُسمع.
أرسل قلبًا ذات مساء، كبيرًا، أحمرًا، ونابضًا، وأمنياته بليلة سعيدة لها… ثم سكت.
هل لأنها لم ترد؟
لكنها لم تهرب؟
فقط، لم ترد.
وهو كان، كأي رجل يعرف قيمة صمته، لم يعاود.
سنوات مرَّت كأنها غفوة. أعياد تأتي، ورسائل تهنئة قصيرة، وحديث عابر عن دراسة، أو غياب. لكن شيئًا ما ظلّ معلقًا بينهما… لا يُقال.
ثم جاء يوم في يونيو آخر. لكنه لم يكن مثل السابق.
هو الذي كتب أولًا.
لا بشوقٍ ظاهر، بل بشيء يُشبه السؤال المؤجَّل.
فكتبت هي:
«أحيانًا تترك بعض الأرواح أثرًا خفيفًا… لا يُرى، لكنه يُحسّ.
قد لا نتبادل الحديث كثيرًا، لكنَّ حضور البعض لا يحتاج ضجيجًا ليُشعرنا بوجوده».
وردَّ هو بجملة مهذبة، وقلب.
القلب ذاته.
كأنه يقول: «هل تذكّرتِ؟»
وهي تذكَّرت.
تذكَّرت الورقة، والانحناءة، والهمسة، وكل ما لم يُكتب على ورق.
ولم تعد تنتظر شيئًا… فقط آمنت أن بعض القصص لا تحتاج إلى نهاية.
يكفي أنها حدثت.
ويكفي أنها ما زالت، على الرغم من كل شيء.. تُهمَس.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.