ظلها الذي أكلني

لا أحد يعلم.

ولا أحد سيعلم.

كل الذين مرُّوا بجانبي، ابتسمتُ لهم… حتى وأحشائي تتمزق.

سنةٌ ونصف وأنا أعيش في السرّ.

لا أحد رآني، لا أحد سمع صمتي، لا أحد لاحظ أنني أنزف من الداخل.

كنتُ أراها، فقط أراها، وتكفيني تلك النظرات التي لا تعني لها شيئًا… لكنها كانت عالمي.

أحببتها من النظرة الأولى، ولكنها لم ترني.

مرَّت بجانبي آلاف المرّات، ولم تنتبه لوجودي وكأنني ظل على الرصيف

وأنا كنت أكتب في قلبي:

«هي الحياة، وما دونها مجرد انتظار للموت».

أراها تضحك، تهمس لصديقاتها، تضع سماعة الأذن وتنظر للسماء

وأنا أقول في داخلي:

«هل تسمعين قلبي من بين تلك الأغاني؟

هل يمر طيفي بخيالك مرة واحدة؟

هل صادف أن شعرتِ بي؟»

لكن لا.

كانت تعيش في عالمٍ لا يشبهني،

وعشتُ في عالمٍ لا يحتوي إلا هي.

لم أكن أحبها فقط

بل كنت أتنفس بها، أعيش بها، أعمل من أجلها.

كنت أستيقظ في السادسة صباحًا، أذهب للمدرسة كأنني جندي في معركة، أخرج منها إلى العمل، عشر ساعات لا راحة فيها، ولا طعام، ولا نوم

وكل ذلك؟ من أجل أن أصبح شيئًا يستحق نظرتها.

شيئًا يليق بأن يُحبّ من قِبلها.

كنت أعود إلى المنزل بعد منتصف الليل،

أخلع حذائي أمام الباب بصمت،

أدخل غرفتي، أستلقي دون أن أتناول شيئًا

وأنظر لسقف الغرفة… وأتخيلها.

كنت أقول لنفسي:

«ستأتي اللحظة، سيأتي اليوم… ستراني، وستقول: أين كنت طوال هذا الوقت؟»

لكني كنت أكذب على قلبي… وأصدق الكذبة، لأعيش بها يومًا آخر.

جمعت صورها، دون علمها.

كل صورة كنت أراها فيها — في المدرسة، في الشارع، كنت أحتفظ بها.

كنت أراقبها من بعيد… ليس من باب التطفل، بل من عمق العجز.

كنت أتأمل كيف تحرك يدها وهي تتكلم،

كيف تقضم ظفرها حين تشعر بالتوتر

أشياء صغيرة، كانت تقتلني بلطف.

في سكون الليل، كنت أفتح الصور، وأحاورها:

«هل تشعرين بي؟ هل أحسستِ يومًا أن أحدًا ما في هذا الكوكب يحبك بهذا الجنون؟

هل خطر لكِ أن هناك من يفتديك بحياته دون أن يعرفك؟»

لم أخبر أحدًا.

لم أشكُ، لم أتفاخر، لم أطلب مشورة.

أردتها لي، أردتها أن تراني، فقط أن تراني… لا أكثر.

لكنها لم ترني.

وكنت أعرف أن ما أفعله ربما يبدو جنونيًا،

لكن كيف تشرح الجنون لمن لم يشعر بجنون الحب من طرف واحد؟!

كنت أكتب لها رسائل على الورق،

أخبئها في درج مكتبي، لا أرسلها… فقط أكتب،

أكتب حتى أنام فوق الورق، وأحلم بأنها تقرأها وتبكي.

كنت أقول لنفسي:

«إذا أصبحت شخصًا ناجحًا، إن حصلت على المال، إن تغيَّرت

فربما، فقط ربما، ستراني».

وهكذا… صرتُ أعمل أكثر، وأدرس أكثر، وأصمت أكثر.

غيَّرت نفسي.

بدَّلت شكلي، حديثي، تصرفاتي

أجبرت نفسي أن أكون شخصًا آخر، فقط لأقترب خطوة واحدة من أن أكون جديرًا بها.

لكنّها لم تعلم، ولم تسأل، ولم تنتبه حتى لوجودي.

ماذا كان يحدث في الظلام

كان ذلك في عام 2024، في شهرٍ باردٍ وغامض، تحديدًا في يوم الجمعة، الموافق للخامس من يناير. كان يومًا دراسيًّا عاديًّا، والأخير قبل عطلة نهاية الأسبوع. في الحصة الأولى، الساعة السابعة وخمسين دقيقة صباحًا، جلست في مكاني كعادتي، لا شيء مختلف… أو هكذا ظننت.

لكن بالصدفة، وبكل الصدف الجميلة التي تغير الحياة، وقعت عيناي على كائنٍ لطيفٍ جدًّا، وجه أبيض كالسحاب، هادئ كالثلج، صامت كالظلام… كانت فتاة من أصل سوري، تدعى تقى الراشدين، من مواليد 21 ديسمبر 2007.

فتاة مجتهدة في دراستها، حلمها أن تصبح طيارة، وتحب الخيول حبًّا كبيرًا. بدأت أراقبها. أراقب كل تفاصيلها، كل حركة، كل تعبير، وكأنني أدرس كتابًا مقدسًا لا يُملّ. كنت أسجل كل شيء: كم مرة وضعت رأسها على يديها؟ 2750 مرة حسب ما رأيت بعيني. كم مرة تحدثت؟ 10650 مرة. كم مرة ضحكت؟ 1960 مرة.

راقبتها كأنني أحرس حلمًا، دون أن تعلم، دون أن تلاحظ. كانت تذهب في باص يحمل الرقم 671، وتعيش في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان الأمريكية. أحببتها حبًّا مطلقًا، حبًّا لا يمكن وصفه… تجاوزت حدود الهوس، أصبحت أراها في النور والظلام، في الفرح والبكاء، في الواقع والخيال.

فتاة جميلة جدًّا… قد تكون عيناي رأت أجمل منها، ولكن لم يملأ عيني شيء غيرها. وجهها دائري، خدودها تشبه المارشميلو، بيضاء ومن شدة بياضها أطراف أصابعها وردية، وتحت عينيها هالات بلون أحمر بدلًا من الأسود، وكذلك تحت جفنيها… شيء غريب لكنه ساحر.

465 يومًا، أو خمسة عشر شهرًا وعشرة أيام، راقبتها بصمت
حاولت أن أغيِّر نفسي، مرة بدوت كالفتى المجتهد، ومرة كالمشاغب، فقط لألفت انتباهها، لكن لم ينجح شيء. فقررت أن أعود لطبيعتي… إلى أن جاء ذلك اليوم المشؤوم، 15 أبريل 2025.

منذ ذلك اليوم وأنا أراها يوميًّا. أسمع صوتها، أرى ابتسامتها، وكل يوم يتفتت قلبي. عندما تنتهي المدرسة ويبدأ اليوم من دون رؤيتها، أشعر أن كل ثانية تمر كأنها دهر. كل وداع يأخذ مني حتى لم يتبقَّ مني شيء. وحين أراها مجددًا، أشعر بأن روحي تعود وتتكَوَّن من جديد في داخلي، رغم أنها رفضتني.

نعم، رفضتني. لكنها لا تزال تملأ قلبي. لا تزال سعادتي ترتبط بابتساماتها، وراحتي تتشكل من صوتها. أكثر من 465 يومًا وأنا أكتب فيها الشعر، وأغرق في حبها، دون أن يعلم أحد. كنت أحبها وتمنيت، أن تصبح أُمًّا لأولادي، لا كعابرة طريق.

عندما طلبتُ منها وسيلة تواصل، لم يكن هدفي أن أبدأ علاقة حب تافهة مثل بقية المراهقين. أردت فقط أن أسألها:

«هل يوجد شيء فيّ يجعلني غير مناسب لكِ؟
وإن كنت سأُرفض، فهل السبب في إحدى صفاتي؟
لأغيّرها… لأُصبح رجلًا يستحقك».

لكن لا، وكأنني لم أكن شيئًا.

وكأن كل ما بذلته، لم يكن سوى غبارٍ تافهٍ على حذائها النظيف.

هل تعلم ما أصعب من الرفض؟
أن يُرفض كل وجودك، كل كيانك، كل أحلامك،
وأن تخرج من المشهد كأنك لم تكن جزءًا منه.

أتعرف شعور أن تُقتل وأنت واقف؟
أن تُصلب في الهواء؟
أن تُكسر إلى أشلاء وأنت تبتسم؟
هذا ما فعلته بي.

هي لم تكن شريرة، ربما.

ولكنها كانت النهاية.

كانت السكين التي دخلت صدري، وأنا من منحها المقابض.

لم تعرفني
لكنها دمَّرتني.

أنا الآن بقايا.

أجلس في غرفتي… وأحادث وجهي في المرآة، ولا أعرفه.

كل من حولي يراني شابًا عاديًّا، مبتسمًا
لكنهم لا يرونني وأنا أصرخ كل ليلة داخل رأسي:

«لماذا؟ لماذا لم تريني؟»

أمي تظن أنني بخير.
أبي يظن أنني رجل الآن.

وأنا؟ أنا طفل في السابعة عشر، ذبحه حبٌّ من طرفٍ واحد، لم يبدأ يومًا، لكنه انتهى ألف مرة.

لست أكرهها
لكني أكره نفسي لأني ما زلت أحبها.

أكره أنني أعطيتها سنوات من عمري، وسرقت من روحي لأجلها،
وهي لم تكن لتمنحني حتى ثانية من تفكيرها.

لو كان الحب ظلًّا، لكنت أنا الليل كله.
ولو كان الألم جسدًا، لكنت أنا جسده الكامل.

هي الآن تمشي في طرقاتها، تضحك، تحب ربما، تعيش

وأنا؟
أنا قبرٌ مفتوح يمشي على قدمين.

أتحدث إليها في عقلي كل ليلة.

أسألها:

«هل أحسستِ بي ولو لحظة؟
هل فاجأك اعترافي؟
أم كنتِ تتوقعين أن أحد الحمقى سيقع في حبك؟
وها قد فعل… هل شعرتِ بنشوة سحقه؟»

أنا لا أبكي أمام الناس.
ولكني في داخلي.. غريق.

أحيانًا، أتمنى لو كنتِ أقل جمالًا.. أو أقل تجاهلًا.. أو فقط أقل برودة.

لكنها كانت مثل الثلج، يقتل دون أن يشعر،
ينزفك دون أن يتلوّث.

لا أحد يعلم هذه القصة.
ولا أحد سيحكيها.

إلا أنا

أنا الوحيد الذي يحمل نعشي على كتفه منذ أن قالت: «لا».

مرثية إنسان لم يمت بعد

أنا لست كما كنت
لا أبتسم كما كنت، لا أتكلم كما كنت، لا أنتظر شيئًا كما كنت.

شيء ما انكسر في داخلي قبل شهرٍ واحد فقط، ولكنه أعطاني من الألم ما يكفيني سنين
شيء لم يُصلح، ولم يُدفن، فقط تُرك ليتعفّن ببطء.

في الماضي كنت أكتب «غدًا سيكون أجمل»…

واليوم؟

أنا لا أكتب، ولا أنتظر، ولا حتى أتمنى.

كل ما أفعله هو أن أتنفّس بصعوبة… وأعدّ الأيام التي لا تشبهني.

أشعر وكأنني أقف على طرف العالم،
لا أرض تحتي، ولا سماء فوقي،
وأصرخ

لكن الصوت لا يخرج.

كأن صوتي خائف مني، أو ربما، فقد الثقة أن أحدًا سيستمع له.

كنت أريد فقط أن يُحبّني أحد.

أن ينظر لي كما أنظر للناس: بامتنان، بتقديس، بأمل.

لكن لا أحد نظر

وكلما اقتربت من الضوء، سقطت في ظلِّي.

صرتُ أخاف من المرآة

صوتي تغيَّر، عيناي تغيَّرت، قلبي نفسه كأنه ليس قلبي.

أتكلم ولا أؤمن بكلماتي، أضحك ولا أصدق ضحكتي،
وكل ما فيَّ… يمثل أنه بخير.

أنا شاب، نعم

لكنَّ داخلي رجلٌ عمره ألف عام من الخيبات.

مُنهك.

محطَّم.

ليس بسبب حرب… بل بسبب تجاهل.

كم مرة كنتُ أرتب قلبي فقط لأقدِّمه؟

وكم مرة عاد إليَّ محمولًا في كيس أسود؟

قلوبنا لا تنكسر من الضرب
قلوبنا تنكسر من الإهمال، من اللامبالاة، من أن تصبح شفافًا في عالمٍ لا يرى إلا البريق.

هل تتخيل أن أقسى شعور ليس أن تُكسر؟
بل أن لا يشعر أحد بأنك كُسرت.

صرت لا أطلب الحب
ولا الأمان
ولا حتى الراحة.

صرت فقط أتمنى لو أن هذا الصوت في داخلي يسكت قليلًا
لو أن رأسي يهدأ
لو أنني أتمكن من النوم ليلةً واحدة دون أن أحتضر داخليًّا ألف مرة.

أنا لست بخير.
ولست بخطر أيضًا.
أنا فقط… «هُنا».

كائن مغمور بالحزن، يبتسم أحيانًا ليمرَّ الوقت،
ويبكي أحيانًا ليشعر أنه لا يزال بشريًا.

كل من عرفني يقول: «لقد تغيَّرت
ولا أحد سأل: «كيف تحمَّلت كل هذا؟»

أنا تغيَّرت لأن لا أحد انتبه لحروقي
ولأن قلبي تعب من أن يكون جنديًّا في معركةٍ لا راية فيها، ولا نصر.

أنا كنت أحب، وأعيش، وأتأمَّل، وأحلم

حتى صرت الآن لا أطلب شيئًا سوى «السكوت».

أنا لم أمت بعد

ولكنني أعيش كمن دُفن واقفًا.

عيناي مفتوحتان، لكني لا أرى.
قلبي ينبض، لكن لا معنى له.

أنا مرثية إنسانٍ حيّ، دفن نفسه كي لا يُزعج أحدًا بصراخه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.