ظلال روما.. الحالم الخجول

في هذا الفصل الافتتاحي من الرواية، يأخذنا الكاتب إلى قرية سانتا لوتشيا الإيطالية، حيث تتقاطع البساطة مع الحلم، والفقر مع الكرامة. بين دفء المطبخ وأجراس الكنيسة، نتعرف على «أليساندرو رومانو» الطفل الخجول الذي يواجه الحياة بابتسامة طيبة، وإيمانٍ بأن العالم يمكن أن يكون رحيمًا كما في الرسوم المتحركة، هذه الصفحة الأولى من رحلته ترسم ملامح روحٍ شفافة، تحلم بالإنقاذ وسط قسوة الواقع.

الفصل الأول: الحالم الخجول

في قرية سانتا لوتشيا، المخبَّأة بين ثنياتٍ خضراء من سهول كالابريا، كانت الصباحات تبدأ بصوت أجراس الكنيسة. السنونو يطرِّز السماء فوق الأسقف الفخارية، وعطر الخبز الطازج يتسلَّل من الأفران الحجرية إلى الأزقة المرصوفة بالحصى. الرجال يدفعون دراجاتهم إلى جوار صناديق الزيتون، والنساء يُلقين الغسيل من الشرفات، يلمع أبيضًا تحت شمس الجنوب.

أليساندرو رومانو -أو «ساندرو» كما يناديه الجميع- كان أكبرَ إخوته الثمانية.
أبوه جوزيبي نقش الحقول في راحتيه، وأمه روزا أمسكت بخيوط البيت كلها بصبرٍ وصلاةٍ وملعقةٍ خشبيةٍ كانت أداةً وسلطةً في آنٍ واحد.
أن تكون البِكر في مكانٍ كهذا لم يكن ترتيبًا في العائلة، بل وعدًا مقدسًا: أن تحمي، أن تعول، أن تكون القدوة.
وقد فعل ساندرو ذلك بلا تذمر، يحمل رِقته كشمعةٍ صغيرةٍ لا تنطفئ. كان خجولًا، نعم، لكنَّ خجله لم يكن فراغًا، بل غرفةً هادئةً تسكنها الطيبة.

في أمسيات الأحد، بعد القداس، حين تهدأ القرية في سكونٍ لطيف، تجتمع عائلة رومانو في المطبخ حول جهاز تلفازٍ صغيرٍ أسودَ وأبيض كنزٍ لا يُقدر بثمن.
كانت الصورة تترنح كلما هبت الريح، فينهض جوزيبي ليصفع الجهاز بحنانٍ غاضب. تتضح الصورة، وفجأةً تمتلئ الغرفة بسحرٍ متحرك: فأرٌ يرتدي سروالًا، وبطةٌ في زي بحار، وقط يطارد فأرًا لا يُمسك به أبدًا.

ضحكة ساندرو كانت تنبع من أعماق صدره نقيةً، بريئةً، تُشبه موسيقى المطر.

رفعت أخته لوتشيا حاجبيها استنكارًا:
«ألا تظن أنك كبرتَ على هذه الرسوم المضحكة؟»
فاكتفى ساندرو بابتسامةٍ هادئة:
«في الرسوم يا لوتشيا، يتحول اليوم السيئ دومًا إلى يومٍ جيد».

قهقه جوزيبي وهو يصلح قبعته:
«نعم، وفي الرسوم أيضًا لا ينفد الخبز أبدًا».

أما روزا، فمسحت الطحين عن مئزرها ولمست كتف ابنها بحنانٍ أموميٍّ لا يُخطئه أحد:
«دَعه يضحك، فالعالم لا ينقصه الحزن بل الضحك».

جلس ساندرو قريبًا من الشاشة، ذراعه على ركبتيه، يراقب الأبطال الصغار ينجون من السقوط والمطارق والعمالقة. في تلك الدقائق الهشة المضيئة، بدا له أن العالم ممكن، وأن الطيبة لها قوانينها، وأن النهايات يمكن إقناعها بالسعادة.

وحين يخرج الأبوان -لزيارة عَمةٍ أو صلاةٍ مسائية- تتحول الدار إلى ملعبٍ وضوضاءٍ بريئة.
هتف ساندرو:
«اصطفوا أيها المرضى! الطبيب رومانو سيراكم الآن

تقدم بييترو الصغير وهو يعرج مصطنعًا:
«دكتور، ساقي مكسورة
ركع ساندرو بمهابةٍ مصطنعة، لف ركبته بوشاحٍ مخطط:
«حالةٌ خطيرة. علاجها قطعتي بسكويت... ونومةٌ عميقة

صرخت تيريزا الصغيرة:
«قطعتي بسكويت؟ هذه سرقة
فأجابها متحذلقًا: «أوامر الطبيب».

ثم تسابقوا على الدرج، كل فوق وسادته، يهتزون ضاحكين حتى تهتز جدران البيت. وكان ساندرو، بخجله ورزانته، آخرَ من ينزلق، ليهبط بينهم في كومةٍ من الضحك والدفء.

فيما بعد تحولت غرفة الجلوس إلى سوقٍ صغيرة. نصب ساندرو صندوقًا مقلوبًا، ووضع قبعة الصوف على رأسه كأشد التجار وقارًا:
«صباح الخير أيها السادة! أبيع اليوم أثمن الكنوز - كل زر يساوي قطعةَ ذهب
قدمت كارميلا كرةَ زجاجٍ صغيرة: «أريد أن أشتري السعادة».
تظاهر ساندرو بالتفكير العميق: «السعادة بثمنٍ ربما... رُخامتين».
«غالية!» صاحت ضاحكة.
فخفض صوته وقال: «لكن للعائلة... مجانًا».

صفق الجميع حتى امتلأ البيت فرحًا. كان البيت المتشقق جدرانه قصرًا، والسجادة المهترئة قاعةَ رقص. وكان ساندرو — الحالم الخجول — ملكًا وتاجرًا وطبيبًا ومهرجًا، لا فوق إخوته، بل بينهم.

وحين خمدت الضوضاء في الليل، أعاد الوسائد إلى أماكنها، غطى الصغار بالأغطية، ثم عاد إلى المطبخ.
التلفاز ما زال يبث وهجًا خافتًا، على شاشته دميةٌ تنحني للكاميرا، وفأرٌ كرتوني يلوح بيده الصغيرة.
غمره سكونٌ لطيف، كأن العالم وعده بشيءٍ جميلٍ ولم يحن وقته بعد.

من الخارج، سُمع وقعُ أقدامٍ فوق الحصى. الباب يُفتح، تدخل روزا برائحة الحبق، يتبعها جوزيبي بخطوةٍ أبطأ.
قال ساندرو وهو يلتقط سلة الطماطم من يد أمه:
«ماما، أبقينا لكِ قطعتي بسكويت».
ابتسمت روزا بدهشةٍ لطيفة: «اثنتان؟ معجزة
ربت جوزيبي على شعره بهدوءٍ وفخرٍ أبوي لا يُقال بالكلمات:
«تحفظ لنا البهجة يا ولدي».

تلك الليلة، حين نام الصغار كالملاعق الملقاة في درجٍ دافئ، غسل ساندرو آخر طبقٍ ووضعه ليجف. التلفاز صامت، والساعة تهمس، والريح تمر فوق أشجار الزيتون كأنها صلاة.

من المطبخ المجاور، تناهت إليه أصوات والديه، خافتةً متعبة:
قالت روزا: «ارتفع سعر الدقيق مجددًا... لا نعلم ما الذي سيأتي به الشتاء».
فأجاب جوزيبي متنهدًا: «العمل قل في المطحنة، نيكولو يقول إنهم سيقلصون الساعات. وثمانية أفواه...»
قاطعتْه بهدوء: «تسعة. لا تنسَ فمك أنت».
سكت لحظة، ثم قال بصوتٍ غليظ: «ما عندنا نقسمه، لكن ساندرو... سيحتاج دربًا خارج هذه الحقول».
ردت روزا بصلاةٍ خافتة: «اللهم أرشده إلى طريقٍ لا يكسر قلبه».

كان ساندرو واقفًا عند الباب، يسمع ولا يُرى. رائحة الصابون والطماطم تملأ المكان. وضع يده على إطار الباب البارد وشعر بنبضه يطرق جلده. أراد أن يدخل، أن يقول لهما إنه سيصلح كل شيء، أنه سيعيد للأسعار عقلها، ويخيط السماء كما يفعل الأبطال الكرتونيون.
لكنه لم يفعل. أطفأ المصباح، قبل جباه الصغار النائمين، واستلقى قرب النافذة.

القمر يلمع على القرميد، والليل يشبه وعدًا لم يُكتب بعد.
قال في سره: «سأجد طريقةً يومًا ما. من أجلهم».

وفيما كان يغفو، بين رنين الجرس وهمس الزيتون، رأى فأرًا صغيرًا يسبق قطًّا غاضبًا، ونام الحالم الخجول مبتسمًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة