حين يغادر الإنسان موطنه الأول، يترك وراءه صوته القديم ليولد له صوت جديد في مكانٍ غريب. هكذا تبدأ رحلة «سندرو» في روما، مدينة العمالقة، التي لا ترحم ولا تنتظر أحدًا. هناك، بين ضجيج القطارات وأضواء الشوارع، يتعلم كيف يقف على قدميه وسط عالمٍ صاخب لا يعرف الهدوء. في الفصل الأول من الرواية أخذنا الكاتب في رحلة إلى قرية سانتا لوتشيا الإيطالية، وفي هذا الفصل يرصد اللحظة الفاصلة بين البراءة والواقع، بين دفء القرية وبرودة المدن الكبرى.
الفصل الثاني: مدينةُ العمالقة
وصل القطار إلى محطة روما تِرميني وهو يطلق صفيرًا حادًّا، والدخان يتصاعد كأشباحٍ بيضاء فوق الأرصفة. نزل سندرو يحمل حقيبته القديمة، فيما كانت آمال عائلته تضغط على صدره بالثقل نفسه الذي كان يزاحمه به الحشد من كل جانب.
كانت روما مختلفة تمامًا عن سانتا لوتشيا.
أبواق السيارات تصرخ، عربات الترام تئنُّ على القضبان، الباعة ينادون فوق عربات الكستناء المحمَّص. نساءٌ بثيابٍ منقَّطةٍ يسرعن بخطًى عالية الكعب، رجالٌ بأطقمٍ أنيقة يدخِّنون ويتجادلون بحركاتٍ واسعةٍ من أيديهم. سيارات الـ«فيات 500» تتماوج في الشوارع كألعابٍ صغيرة فُكَّ قيدها للتو.
قبض سندرو على حقيبته بقوَّة؛ لم يرَ في حياته هذا الكمَّ من البشر يتحرَّكون بهذه السرعة
ثم همس في نفسه، متذكِّرًا صوت أمه:
«من أجلهم يا سندرو... دائمًا من أجلهم».
قضت محاضرات الجامعة على صباحاته، ساعاتٌ طويلة وجافة من الرياضيات والهندسة والأساسات. جلس بين مئات الطلاب، صوته يخبو بين ضجيج القاعة. كان الأساتذة يتحدثون عن الجسور والسدود والخرسانة كما لو كانت كلماتهم منحوتة في الحجر.
وفي المساء، كان يعود إلى غرفته المتواضعة في نُزُلٍ طلابيٍّ بشارع فيا كافور، الجدران رقيقة، السقف متشقِّق، والشارع في الأسفل يعجُّ بصخب الدراجات والموسيقى.
تسلَّلت إليه الوَحدة كضيفٍ غير مرغوب فيه، وجلسَت على كرسيٍّ بجانبه وهو يحني رأسه فوق كتبه.
كتب إلى أمه تحت ضوء المصباح، والحبر يتلطَّخ بارتجاف يده:
«عزيزتي أمي،
أنا بخير، فلا تقلقي. المدينة كبيرة، وضجيجها لا يهدأ. الأساتذة صارمون، لكنَّني أبذل جهدي. أشتاق إلى خبزك، إلى ضحكة بيترو، وإلى أسراب السنونو وهي تدور حول برج الكنيسة. قبِّلي الصغار عني، وقولي لأبي إنِّي لن أخيِّبه».
طوى الرسالة بعناية، كأنَّه يطوي حنينه نفسه داخل المغلف.
في إحدى الليالي، بعد يومٍ ثقيلٍ من المعادلات التي أرهقت ذهنه، انزلق إلى قاعة الاستراحة في النُّزُل. هناك، تلفازٌ قديم يقف على أرجلٍ مهزوزة، شاشته تومض بين السواد والنور. حرَّك سندرو المؤشر حتى انجلت الصورة... وإذا بها وجوه مألوفة: توم وجيري.
ضحك بصوتٍ عالٍ، ضحكةً صافيةً خرجت من قلبه، حتى نسي أين هو.
فجأة سمع صوتًا خلفه:
«ما الذي يضحكك؟ كرتون؟!».
التفت سريعًا، فإذا بشابين عند الباب؛ أحدهما طويلٌ ذو شعرٍ أسودٍ متموِّج وابتسامةٍ مشاغبة، والآخر قصيرٌ قليلًا، بشَعرٍ مصفَّفٍ ونظَّاراتٍ لامعة، ملامحه أكثر فضولًا من السخرية.
قال سندرو وهو لا يزال مبتسمًا:
«نعم، ولمَ لا؟».
انفجر الطويل ضاحكًا وجلس بجانبه على الأريكة.
«برافو! الكل هنا يحاول التصرُّف بجديةٍ وكأنَّهم عباقرة، وأنت تضحك مثل طفل. هذا جميل. أنا ماركو بيانكي».
اقترب الآخر بخطواتٍ هادئة وقال بأدب:
«وأنا إنزو دي لوكا. لا تهتم بماركو، فهو يجد كل شيءٍ مضحكًا».
تردَّد سندرو قليلًا، ثم مدَّ يده مصافحًا:
«ألِسَّاندرو رومانو، من سانتا لوتشيا».
صافحه ماركو بحرارة.
«من اليوم يا رومانو، أنت واحدٌ منَّا. سنجعل ليالينا أقل مللًا بوجودك!».
رفع إنزو حاجبيه بابتسامةٍ خفيفة:
«أو ربما أكثر اتزانًا بوجوده، من يدري؟».
استمرَّت المطاردة الكرتونية على الشاشة، لكن سندرو لم يعد يراها؛ لأول مرة منذ رحيله عن قريته، شعر بشيءٍ دافئ، خيط انتماءٍ رقيق يشدُّه إلى هؤلاء الغرباء.
تلك الليلة امتدَّت حتى الفجر، تبادلوا القصص والضحكات وكأنهم يعرفون بعضهم بعضًا منذ سنوات. روى ماركو مغامراته ومقالبه المدرسية، فضحك سندرو حتى دمعت عيناه. تحدَّث إنزو عن حلمه بأن يصبح مهندسًا عظيمًا يبني جسورًا خالدة، بصوتٍ متزنٍ ومليءٍ بالتأمل. أما سندرو -الخجول الهادئ- فقصَّ عليهم عن قريته الصغيرة، وعن مسؤوليات الأخ الأكبر، وعن ثقل الأمل الذي يحمله في قلبه.
قال ماركو وهو يربت على كتفه:
«لا تقلق يا صديقي، من الآن فصاعدًا نحن إخوتك في روما».
أومأ إنزو مؤكدًا، وابتسامة نادرة تلطف وجهه:
«ثلاثة غرباء في مدينة العمالقة... سننجو معًا».
بعد أسبوع، صعد الثلاثة إلى سطح النُّزُل بعد يومٍ طويلٍ من المحاضرات. تمدَّدت روما تحتهم كبحرٍ من الأضواء، قببٌ وأبراجٌ تتلألأ بلون الذهب، ونهر التيبر يشقُّها كخيطٍ فضيٍّ وادع.
قال ماركو وهو يفتح ذراعيه:
«انظروا إليها! روما لنا الآن!».
ابتسم إنزو وقال بصوتٍ عميق:
«بل نحن لها... لكن ربما، إن عملنا بجدٍّ، سنحفر أسماءنا في حجارتها يومًا ما».
جلس سندرو بصمت، والريح تعبث بشعره، وهو يستعيد صورة قريته البعيدة: يد أمه على الخبز، صوت أبيه المرهق، وضحكات إخوته الصغار.
ثم همس لنفسه:
«يومًا ما... سيكون كلُّ هذا من أجلهم».
كانت روما تصحو وتغفو على صخبها، تمدُّ يديها نحو القادم من القرى، لتعلِّمه أن الحلم وحده لا يكفي، وأن القلوب الطيِّبة تضيع بسهولة، بين الحجارة القديمة والأبراج العالية، هناك، في زاويةٍ من ضوء، وقف سندرو صغيرًا أمام مدينةٍ عظيمة، لا يعرف بعد أنَّها ستغيِّر اسمه.. وروحه إلى الأبد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.