خلف ستائر الغابات الكثيفة، حيث لا صوت يعلو فوق زئير الطبيعة، ولدتُ ونشأتُ غريبًا عن عالم البشر. كانت الأشجار أهلي، والذئاب رفاق دربي، والوحدة دستوري. لم أكن أعرف من الحياة إلا قسوتها وجمالها الفطري، حتى رمت بي الأقدار خارج حدود الغابة، لأكتشف أن خلف تلك الجبال عالمًا آخر ينتظر من يفك شفراته، وليبدأ فصلًا جديدًا من عمري، عنوانه «الولادة الثانية».
ولدتُ في قرى نائية، معزولة تمامًا عن ركب الحضارة، فلم تكن لي نشأة إلا بين أحضان أشجار الأرز والفلين الباسقة. ترعرتُ على زقزقة العصافير وعواء الذئاب، وحيدًا بلا أخٍ يشد عضدي ولا أختٍ تؤنس وحدتي. في ريعان شبابي، كنت أحسب أن الوجود ينحصر في تلك البقعة، وأن الحياة ليست إلا ما تقع عليه عيناي.
كنت أمشي حافي القدمين، شبه عارٍ إلا مما يستر عورتي، أتسلق الجبال الوعرة والأشجار السامقة بمهارة فطرية، لا أهاب منحدراتها ولا أبالي بصعوبتها. كانت هوايتي وملاذي أن أقضي نهاري متنقلًا بين القمم، أحاكي الحيوانات التي كنت أرمقها بعينيَّ، ظنًا مني أنها إخوتي وقدوتي في رحلة الوجود.
كنت أقتطف الثمار من أغصانها، لا أفرق بين حلوها ومرها؛ فكل ما صادفته وكان صالحًا للأكل، كان بطني مستقره. كنت «فتى أدغال» بكل ما تحمله الكلمة من معنى. واستمر بي الحال حتى اشتد عودي وصرت شابًا يافعًا، فبدأ والداي يثقان في قدراتي ويتركان لي زمام أمري.

جاءت اللحظة الفارقة حين صارحني والداي قائلين: «لقد وهبناك الحياة، وعلمناك كيف تقتات وتصطاد، وكيف تقتفي أثر الفريسة حتى توقعها في شراكك. كنتَ معنا الأقوى والأشجع في كل رحلة صيد. والآن، وقد بلغتَ أشدك، لم يعد لك بنا حاجة، ولم يعد لنا بك طاقة.. فامضِ في سبيلك ودبِّر شأنك».
وقعت هذه الكلمات عليَّ كالصاعقة، فخرجت من «وكرهما» غاضبًا، أحمل عصاي وأخبط في الأرض لا أبصر طريقي من شدة الحنق. قطعت الفيافي والقفار، ولم أستفق من ذهولي إلا وأنا أمام باب دارٍ غريبة. رأيت رب البيت يحرث حقله، فلما رآني نادى: «هلم إليَّ يا ابن السبيل».
دنوْتُ منه، فسألني بدهشة: «من أين جئت؟ ولماذا أنت عارٍ وحافٍ هكذا؟». فأخبرته بخبري، وأني آتٍ من أعماق الأدغال ولم أعرف يومًا معنى اللباس أو النعل. رقَّ حالي في قلبه، فأدخلني منزلًا أنيقًا، وقادني إلى الحمام، ثم قدَّم لي ثيابًا ساترة وحذاءً جلديًا فاخرًا.
لم يكتفِ بذلك، بل علَّمني كيف آكل الطعام بوقار لا كيف أفترسه، وكيف أعتني بنظافة بدني وثيابي. لقد أعاد صياغة إنسانيتي كأني ولدت من جديد. علَّمني العمل في الحقل، ولما رأى مهارتي وأمانتي، عرض عليَّ الزواج من ابنته. تزوجنا على بركة الله، ورزقنا الله بذرية صالحة، ثم انتقلنا إلى الحاضرة فأصبحنا من أهلها. بفضل القوة البدنية التي استمددتها من الغابة، شاركت في المسابقات الرياضية وفزت بمعظمها، حتى جمعت ثروة طائلة.
في غمرة النعيم، تذكرت والديَّ اللذين يعيشان في الأدغال، وعزمت على إنقاذهما ونقلهما من قسوة الجبال إلى رغد المدينة. ذهبت إليهما برفقة رجالي، واقتحمت عليهما عزلتهما. سألاني بإنكار: «من أنت؟»، فأجبت: «أنا ابنكما، فتى الأدغال، جئت لأخرجكما من هذا الضيق إلى سعة العمران».
قاوما في البداية، لكن وطأة الكبر وعجزهما جعلاهما يذعنان لإرادتي. أخذتهما معي، وطهرتهما من أدران الغابة، وألبستهما لباس الحضر. وسرعان ما تأقلما مع حياتهما الجديدة، وغمرتهما السعادة، وشكراني على هذا المعروف الذي أعاد لهما كرامة العيش في خريف العمر.
مرحبا بكم أصدقائي الأوفياء في صفحتي المتواضعة فضلاً وليس أمرا سعيد بآرائكم واقتراحاتكم
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.