ظاهرة شريكنج Shrekking: هل ضعف الشريك يضمن الأمان؟

ظاهرة شريكنج (Shrekking) هي مصطلح نفسي واجتماعي يصف سلوكًا دفاعيًّا يتمثل في اختيار شريك أو صديق يُعتقد أنه أقل جاذبية أو مكانة أو نجاحًا. يهدف هذا الاختيار إلى ضمان تمسك الطرف الآخر بالعلاقة وتقليل احتمالية الخيانة أو الرفض، سعيً وراء أمان عاطفي وهمي مبني على اختلال توازن القوة بدلًا من التكافؤ.

في تعقيدات ثقافة العلاقات الحديثة، تبرز أنماط سلوكية مثيرة للاهتمام تظهر مخاوفنا العميقة من الرفض والفقد، ومن أبرز هذه الأنماط ما يُعرف حديثًا بظاهرة شريكنج (Shrekking). 

يسلط هذا المقال التحليلي الضوء على هذه الآلية النفسية الدفاعية التي تدفع البعض لاختيار شركاء أو أصدقاء يعتقدون أنهم أقل منهم في الجاذبية أو المكانة الاجتماعية، سعيًا وراء وهم السيطرة والأمان العاطفي. بتشريح هذا السلوك في دوائر الزواج، والعمل، والصداقة، نكشف كيف يتحول البحث عن الأمان المشروط بضعف الآخر إلى فخ يدمر الثقة المتبادلة، ونستكشف المعايير الحقيقية لبناء علاقات صحية قائمة على الاحترام والتكافؤ النفسي.

هل يمكن أن يختار الإنسان شخصًا لا لأنه الأنسب له، وإنما لأنه يعتقد أنه سيكون أقل قدرة على إيذائه؟ قد يبدو السؤال غريبًا في البداية، لكن وراءه فكرة بدأت تنتشر في ثقافة العلاقات الحديثة، وأُطلق عليها اسم Shrekking – شريكنج.

ما هو Shrekking؟

Shrekking هو مصطلح حديث متداول على الإنترنت لوصف محاولة الارتباط بشخص يراه الفرد أقل منه، سواء من حيث الجاذبية أو المكانة أو بعض المعايير الأخرى، اعتقادًا منه أن هذا الشخص سيكون أكثر امتنانًا للعلاقة، وأكثر تمسكًا بها، وبذلك أقل احتمالًا لأن يرفضه أو يتركه أو يؤذيه.

والمصطلح مستوحى من شخصية Shrek؛ إذ ارتبطت قصة شريك والأميرة فيونا بفكرة اختيار شخص غير تقليدي في مظهره بدلًا من الشخص الذي يبدو أكثر جاذبية وفق المعايير المعتادة. لكن الاستخدام الحديث للمصطلح يحمل معنى مختلفًا وأكثر تحديدًا: أن تختار شخصًا تراه «أقل منك» بسبب الاعتقاد بأن هذا سيمنحك أمانًا أو سيطرة أكبر داخل العلاقة. وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: هل يمكن أن يكون ضعف الطرف الآخر هو مصدر أماني؟

لماذا يقوم بعض الأشخاص بـ Shrekking؟

قد يبدو هذا الاختيار منطقيًا من وجهة نظر صاحبه. فالشخص قد يقول لنفسه: إذا اخترت شخصًا أقل مني في الجاذبية أو الشهرة أو المكانة، فلن يكون لديه عدد كبير من الخيارات، وسيكون أكثر تقديرًا لوجودي في حياته، وربما لن يخونني أو يتركني بسهولة. وقد يكون وراء هذا التفكير خوف من الرفض أو الخيانة أو فقدان السيطرة على العلاقة.

لكن هذا التفكير يقوم على افتراض خطير: أننا نستطيع ضمان وفاء الإنسان عن طريق جعل ميزان القوة يميل لمصلحتنا. وهذا ليس مضمونًا. فالإنسان لا يصبح وفيًّا لأن شريكه يراه أقل منه، ثم إن الإنسان الجميل أو الناجح أو المشهور ليس بالضرورة خائنًا. الأخلاق لا تُقاس بعدد المعجبين، والوفاء لا تحدده ملامح الوجه أو المكانة الاجتماعية.

ميزان الأمان الوهمي

المثال الأول على الـ Shrekking: العلاقات الزوجية

قد يظهر الـShrekking في العلاقات الزوجية عندما يختار شخص شريكًا يراه أقل منه في بعض الصفات، مثل الجاذبية أو الشهرة أو المكانة، اعتقادًا منه أن هذا الاختيار سيمنحه قدرًا أكبر من الأمان. فقد يظن مثلًا أن الشريك الأقل جاذبية سيكون أقل تعرضًا للمعجبين، أو أنه سيكون أكثر تعلقًا به، وبذلك سيكون أقل احتمالًا لخيانته أو تركه.

لكن هل هذا الاختيار يضمن فعلًا الأمان والوفاء؟

ليس بالضرورة. فقد يشعر الطرف الآخر بالدونية، ويبدأ في مقارنة نفسه بشريكه أو محاولة التقليل منه حتى لا يشعر بأنه أقل منه. وقد يحدث العكس؛ فيرى أن اختيار شريكه له دليل على أنه مميز، فيبالغ في تقدير ذاته، وقد يشعر أنه ليس في مأمن مع شريكه الأكثر جاذبية.

وقد لا يحدث أي من ذلك أصلًا، وتنجح العلاقة. إذن نحن لا نقول إن نتيجة معينة ستحدث حتمًا، وإنما نقول إن اختيار شخص على أساس أنه أقل منك لا يضمن لك أنه سيكون أكثر وفاءً أو أكثر أمانًا.

المثال الثاني على الـ Shrekking: الشراكة في العمل

ولا يقتصر الأمر على العلاقات العاطفية؛ فقد يظهر التفكير نفسه في العمل. فقد يختار صاحب شركة شريكًا يراه أقل منه في الخبرة أو الكفاءة أو النفوذ، لأنه يعتقد أن وجود شريك أقل منه سيقلل المنافسة ويجعله أكثر سيطرة، وبذلك سيشعر بالأمان. لكن هذا الاختيار قد يخلق نتائج لم يتوقعها. فقد ينظر الناس إلى الشريك ويقولون: إذا كان صاحب الشركة اختاره من بين كل هؤلاء الأشخاص، فلا بد أنه يرى فيه قيمة كبيرة، فيبدأ الشريك نفسه في الشعور بأن اختياره دليل على تميزه.

وقد يحدث العكس؛ فيشعر الشريك بأنه أقل من صاحب الشركة، ويشعر بالتهديد أو الدونية، فيبدأ في التقليل منه أو منافسته حتى يشعر أن الاثنين متساويان. وقد لا يحدث أي من هذه الاحتمالات وتنجح الشراكة فعلًا؛ لذلك، مرة أخرى، اختيار شخص تراه أقل منك لا يعني أنك حصلت على الأمان الذي تبحث عنه.

المثال الثالث على الـ Shrekking: الصداقة

ويمكن أن يظهر الأمر حتى في الصداقة. فقد يختار الإنسان صديقًا يراه أقل منه في بعض الجوانب، لأنه يخشى أن يتركه صديقه أو ينافسه أو يتفوق عليه، فيعتقد أن وجود شخص أقل منه سيجعله أكثر أمانًا داخل العلاقة. لكن هنا أيضًا قد تظهر احتمالات مختلفة. فقد يشعر الصديق أن اختيارك له من بين الآخرين دليل على قيمته وتميزه، فيزداد شعوره بذاته.

أو قد يشعر بأنه أقل منك، ويبدأ في مقارنة نفسه بك وبحياتك، وقد يحاول التقليل منك حتى يتخلص من شعوره بالدونية. أو قد لا يحدث شيء من ذلك وتستمر الصداقة بصورة طبيعية. وفي النهاية، لا يستطيع الإنسان أن يضمن صداقته أو أمانه بمجرد اختيار شخص يراه أقل منه.

الخلاصة التي تجمع الأمثلة الثلاثة

في الزواج، وفي العمل، حتى في الصداقة، قد يحاول الإنسان أحيانًا أن يحمي نفسه من الرفض أو الخيانة أو المنافسة عن طريق اختيار شخص يعتقد أنه أقل منه. لكنه بذلك لا يضمن الأمان؛ لأنه بنى اختياره على افتراض أن قيمة الشخص أو مكانته هي التي تحدد طريقة تعامله معه. بينما الأمان الحقيقي لا يُقاس بمدى ضعف الطرف الآخر، وإنما بمدى الثقة والاحترام والوفاء الموجودين في العلاقة.

عندما نحاول أن نشتري الأمان

المشكلة في Shrekking ليست أن شخصًا أحب شخصًا مختلفًا عنه في الشكل أو المكانة. فقد يقع الإنسان في حب شخص لا يشبه «معاييره» السابقة، ثم يكتشف أنه شخص رائع ومناسب له. وهذا أمر طبيعي. المشكلة تبدأ عندما يكون السبب الحقيقي للاختيار هو: «سأختاره لأنه أقل مني، ولذلك سأكون أكثر أمانًا معه». هنا لم يعد الاختيار قائمًا على التوافق والاحترام، وإنما أصبح محاولة لتقليل احتمالية الألم عن طريق التحكم في الطرف الآخر.

وقد ينقلب الأمر بعد ذلك بعدة طرق. فقد يشعر الطرف الآخر بأنه أقل من شريكه، فينشأ لديه شعور بالتهديد أو الدونية. وقد يحاول تعويض هذا الشعور بالسيطرة أو التقليل من الطرف الآخر. وقد يحدث العكس تمامًا؛ فيشعر الشخص الذي اختاره شريكه بأنه «أفضل مما ظن»، خصوصًا إذا كان اختيار شريكه له جعله يشعر بأنه مميز، فينشأ اختلال آخر في العلاقة. وقد لا يحدث أي من ذلك، وقد تنجح العلاقة بالفعل.

وهذه نقطة مهمة: Shrekking ليس قانونًا نفسيًا، وليس معنى اختيار شخص أقل منك أن العلاقة ستفشل حتمًا. إنما المشكلة في الفكرة التي تجعل «ضعف الآخر» ضمانًا للأمان.

هل الشخص الأقل منك لن يخونك؟

لا توجد قاعدة تقول ذلك. قد يخون الشخص الذي يراه الآخر جميلًا، وقد يخون الشخص الذي يراه الآخر عاديًا، وقد يكون كلاهما وفيًا. فالخيانة قرار أخلاقي وسلوكي، وليست نتيجة حتمية لامتلاك الإنسان قدرًا معينًا من الجمال أو الشهرة أو المال. ولهذا فإن اختيار شخص لأنك تعتقد أنه لن يستطيع العثور على شخص أفضل منك لا يمنحك الأمان الذي تبحث عنه. بل قد يجعلك تعيش في حالة مراقبة مستمرة: هل ما زال يعتقد أنني أفضل منه؟ هل سيجد شخصًا آخر؟ هل بدأ يشعر بالقوة؟ هل بدأ يتغير؟ وبذلك يتحول ما ظننته أمانًا إلى مصدر جديد للقلق.

ماذا عن الأمان الحقيقي؟

الأمان في العلاقة لا يأتي من أن يكون الطرف الآخر غير قادر على إيذائك. بل يأتي من معرفتك أنه قادر على الاختيار، ومع ذلك اختار أن يحترمك. أنت لا تحتاج إلى شخص لا يستطيع خيانتك؛ أنت تحتاج إلى شخص يستطيع أن يخونك ولكنه لا يريد أن يخونك. ولا تحتاج إلى شخص لا يستطيع تركك؛ بل إلى شخص يستطيع الرحيل ولكنه يختار البقاء لأنه يرى في العلاقة شيئًا يستحق الحفاظ عليه.

وهنا يظهر الفرق بين السيطرة والثقة. السيطرة تقول: «سأختار شخصًا أضمن أنه لن يؤذيني». أما الثقة فتقول: «سأختار شخصًا أستطيع أن أثق في أخلاقه، وفي قدرته على الحوار، وفي احترامه لحدودي وحدوده».

هل اختيار شخص أقل منك خطأ دائمًا؟

لا. وهذه نقطة يجب ألا نغفل عنها. قد يرى شخص أن شريكه أقل منه في جانب معين، في حين يرى الطرف الآخر أنه أفضل منه في جوانب أخرى. وقد تختلف معايير الناس أصلًا؛ فما يراه شخص «تفوقًا» قد لا يعني شيئًا لشخص آخر. لذلك فإن فكرة وجود «سلم ثابت» يجعل بعض الناس أعلى من بعض في العلاقات ليست بهذه البساطة.

حتى التحليل النفسي والاجتماعي للمصطلح يشير إلى أن الناس لا يتفقون أصلًا على معيار واحد للجاذبية أو المكانة أو قيمة الشريك. المشكلة إذن ليست في أن يكون أحد الطرفين أجمل أو أكثر نجاحًا أو أكثر شهرة. المشكلة أن يدخل الإنسان العلاقة وهو يفكر: «اخترتك لأنني أعتقد أنك لن تستطيع أن تؤذيني».

ماذا نتعلم من Shrekking؟

ربما أهم درس في هذا المصطلح هو أن الإنسان عندما يخاف من الخيانة أو الرفض قد يحاول أحيانًا أن يحمي نفسه بطريقة تبدو منطقية، لكنها لا تمنحه الأمان الحقيقي. قد نحاول اختيار الصديق الأضعف منا حتى لا يتركنا. أو الشريك الأقل منا حتى لا يخوننا. أو الشخص الأقل نجاحًا حتى لا ينافسنا. لكننا بذلك قد نكون نبحث عن الأمان في المكان الخطأ. فالأمان لا يأتي من تصغير الآخرين. الأمان يأتي من اختيار أشخاص ناضجين، قادرين على الحوار، يحترموننا، ونحترمهم، ونستطيع أن نثق بهم دون أن نحتاج إلى التحكم فيهم.

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن نسأله لأنفسنا قبل أي علاقة ليس: «هل هذا الشخص أقل مني؟» بل: «هل هذا الشخص آمن بالنسبة لي؟ وهل أنا آمن بالنسبة له؟» فالعلاقة الصحية لا تحتاج إلى شخص أعلى وشخص أدنى. إنها تحتاج إلى شخصين يستطيع كل منهما أن يرى قيمة الآخر دون أن يحتاج إلى تصغيره حتى يشعر بقيمته هو.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة