عائلة الهليكوبتر أو الآباء الهليكوبتر هم الذين يمارسون الأبوة المفرطة ويحومون حول أبنائهم طول الوقت بدافع الحماية. سواء كانت الأم الهليكوبتر أو الأب الهليكوبتر، فإن هذه الحماية الزائدة للأطفال والتدخل في كل تفاصيل حياتهم مثل الواجبات والمعارك الشخصية تؤدي إلى أضرار الدلال المفرط كضعف الشخصية والقلق المستمر.
ما هي عائلة الهليكوبتر؟ ما معنى Helicopter Parenting؟
عائلة الهليكوبتر أو التفسير العلمي لمصطلح helicopter parenting يُطلق هذا الوصف على الأسرة التي تتبنى نمط الأبوة المفرطة. وتتميز هذه العائلة بوجود الأم الهليكوبتر أو الأب الهليكوبتر (أو كلاهما)، فيحومان باستمرار حول الطفل كما تفعل الطائرة المروحية (الهليكوبتر)، لمراقبته، وتوجيه كل تحركاته، وحمايته من أي فشل أو ألم محتمل.
قد يكون مصطلح الآباء أو الأمهات الهليكوبتر مصطلحًا جديدًا على آذاننا في المجتمع العربي، لكنه مصطلح قديم يعود إلى نهاية الستينيات من القرن الماضي. وهو يعبر عن حالة معينة في علاقة الآباء والأمهات بأطفالهم، لا سيما في مرحلة التربية الأولى.
ولعل كثرة استخدام هذا المصطلح حاليًا تشير إلى انتشار ظاهرة الآباء والأمهات الهليكوبتر، وهو ما يدفعنا إلى توضيح الصورة فيما يخص تعريف المصطلح وأعراضه وتأثيره على عملية التربية، إضافة إلى بعض النصائح التي قد تساعد الآباء والأمهات في تلك المرحلة الحرجة.
تاريخ ظهور مصطلح الآباء الهليكوبتر
استُخدم مصطلح الآباء الهليكوبتر أول مرة في أواخر الستينيات من القرن الماضي عندما نشر كتاب بعنوان (بين الوالد والمراهق) للكاتب والطبيب النفسي (هايم جي جينوت) الذي قال ضمن كتابه إن والدته كانت تحوم حوله كما تفعل الطائرة الهليكوبتر وتراقبه في كل أفعاله، ولا تسمح له بالحرية في الخطأ أو اللعب، وهو ما جعل مصطلح الآباء الهليكوبتر أو الأمهات الهليكوبتر ينتشر بشدة، ويستخدم للتعبير عن حالة الأبوة المفرطة التي يكون فيها الآباء ملازمين لأبنائهم ومراقبين لهم في كل خطوة بدافع الحب وبغرض الحماية.
في السنوات الأخيرة، بدأ مصطلح الأبوة المفرطة ومعه مصطلح الآباء الهليكوبتر يتكرر ويتردد بوتيرة عالية، وهو ما جعل كثيرًا من الآباء والأمهات يراجعون أنفسهم ويسألون نفس السؤال: هل نحن من آباء وأمهات الهليكوبتر؟

كيف تعرف أنك جزء من ظاهرة الآباء الهليكوبتر؟
توجد مجموعة من السلوكيات التي يمكن بها بسهولة التعرف إلى الآباء والأمهات الذين يمارسون الأبوة المفرطة ويدخلون ضمن مصطلح ظاهرة الآباء الهليكوبتر، ومن أبرز هذه السلوكيات ما يلي:
القيام بأعمال المنزل كاملة
على الرغم من أن الأبناء يكبرون وتكون لديهم القدرة على خدمة أنفسهم والمشاركة في الأعمال المنزلية، لا سيما الأمور الخاصة بهم مثل تنظيف الأسرة وترتيب الملابس وتنظيف الغرف، فإن الآباء والأمهات الذين يمارسون الأبوة المفرطة يؤدون كل الأعمال في المنزل دون توزيع المهام على الأبناء، وهو ما يجعلهم يتعودون على عدم القيام بالمسؤوليات والالتزامات وتحمل الأعباء.
وإذا سُئل الآباء والأمهات عن السبب، فغالبًا سيقولون إنهم يحبون أبناءهم ويرغبون في جعلهم يشعرون بالراحة والأمان، وهو دليل على الأبوة المفرطة وإشارة إلى ظاهرة الآباء الهليكوبتر.
حل الواجبات المدرسية للأطفال
غالبًا ما يشارك الآباء والأمهات أبناءهم في حمل الواجبات المدرسية، لكن الآباء والأمهات الذين يعانون الأبوة المفرطة قد يحلون الواجبات المدرسية لأبنائهم تحت تأثير الشعور بالشفقة عندما يرون أبناءهم وقد شعروا بالتعب نتيجة الذهاب إلى المدرسة وأداء الواجبات، وهو أمر يحتاج إلى وقفة، فهذه الواجبات المدرسية هي ما ترفع من قدراتهم وتعودهم على الاعتماد على أنفسهم في التعامل مع المواد الدراسية، وعلى الرغم من أن الدوافع لدى الآباء والأمهات قد تكون دوافع طيبة فإنها غالبًا ستأتي بنتائج عكسية وهي أحد عيوب ظاهرة الآباء الهليكوبتر.

التدخل في الهوايات والألعاب
من أكثر السلوكيات التي تشير إلى ظاهرة الآباء الهليكوبتر هي عندما يتدخل أولياء الأمور في هوايات وألعاب أبنائهم، ويحاولون توجيههم ودفعهم إلى تنفيذ أوامرهم واقتراحاتهم في تلك الأمور، باختيار اللعبة أو الهواية حتى لو كانت تتعارض مع رغبات الأبناء.
ويمكن رؤية الآباء والأمهات الذين يتدخلون في التدريبات ويتحدثون كثيرًا إلى المدربين والقائمين على الأنشطة، وهو أمر لا يحتاج إليه الأبناء، وإنما يحتاجون إلى التعامل مع الأنشطة والهوايات بأنفسهم، فهذه التجربة تخصهم وحدهم ولا تخص الآباء والأمهات، ويكفي أن يحرص الآباء والأمهات على أن يمارس أبناؤهم الرياضة والهوايات المناسبة لهم.
خوض المعارك بدلًا من الأبناء
يمر الأطفال بمراحل عدة ويدخلون معارك كثيرة في هذه المراحل ومنها معارك مع أقرانهم من الأطفال بالشد والجذب وبعض الاعتداءات الطبيعية. وحينئذ يتدخل الآباء والأمهات الذين يعانون الأبوة المفرطة ويحاولون خوض معارك أبنائهم بأنفسهم، وهو ما يجعل الأبناء دائمًا يعتمدون على آبائهم في حل هذه المشكلات.
والصحيح أن يدعم الآباء والأمهات أبناءهم ويوجهونهم ويهدئونهم ويرشدونهم إلى الطريقة الصحيحة لحل هذه المشكلات بدلًا من حلها لهم، حتى لا يعتاد الطفل ذلك. فكلما كبر الأطفال، كبرت معهم الصراعات والمشكلات والحروب، وإذا لم يعتد الطفل حل مشكلاته بنفسه، فإنه لن يكون قادرًا على التعامل معها بعد ذلك في غياب الآباء والأمهات.
ظاهرة الآباء الهليكوبتر وكيف تؤثر على شخصية الطفل
لا بد أن ينظر الآباء والأمهات إلى أطفالهم بأن الطفولة مرحلة وستنتهي بعد سنوات، وبعدها سيكون الطفل شابًا أو رجلًا أو امرأة، وسيحتاج إلى الاعتماد على نفسه. لأن أبواه لن يكونا معه طول العمر، وإذا مرت به السنوات وظل يحتاج إليهم بنفس الطريقة وبنفس القدر، فهناك مشكلة كبيرة قد تحتاج إلى تدخل علاجي مدة طويلة.
لذا يجب أن يسمح الآباء والأمهات لأبنائهم بالتجربة وارتكاب الأخطاء من أجل اكتساب المهارات المتعددة التي تساعدهم مع الوقت على بناء الشخصية ومعرفة كيف يتم التعامل مع المشكلات المختلفة، وهو أمر لن يحدث إلا بتجربة الخطأ والصواب، وبذلك عدم الحرص على إصلاح كل شيء للطفل من ألعاب ومواقف ومشكلات مع أقرانه.
من ناحية أخرى، فإن الطفل يحتاج إلى أن يتعلم كيف يدافع عن نفسه، وهو أمر لن يحدث إلا إذا تلقى بعض الضربات دون أن يجزع الآباء ويهرعون لحماية أبنائهم والدفاع عنهم، لا سيما في بيئة المدرسة والحي الذي يعيش فيه الأطفال، فيستطيع الطفل أن يطور قدرته الدفاعية مع التجارب المختلفة طبيعيًّا، ويمكن للآباء والأمهات مراقبة أطفالهم من بعيد دون تدخل إلا في بعض الحالات التي تخرج فيها الأمور عن الحدود الطبيعية.
أما أكبر المشكلات التي قد يعاني منها الطفل بسبب ظاهرة الآباء الهليكوبتر فهي قلة الثقة بالنفس وقلة احترام الذات، وذلك بسبب الاهتمام الشديد من الآباء والأمهات والحرص على رعاية أبنائهم الذي يحمل كثيرًا من الرسائل، من بينها رسائل تقول إن الآباء لا يثقون في أبنائهم وفي قدراتهم في التعامل مع مشكلاتهم بأنفسهم، وهو ما يؤدي مع الوقت إلى إحساس الأبناء بأنهم غير جديرين بالثقة، وبذلك لا يحترمون أنفسهم ولا يحترمون قدراتهم، وهو ما يؤثر في تعاملاتهم مع الآخرين بعد ذلك.
الأمر الآخر أن الدراسات الحديثة أثبتت أن الأبوة المفرطة التي تكون غالبًا بدافع الحب والرغبة في حماية الأبناء، قد تؤدي إلى مستويات عالية من القلق والتوتر لدى الأطفال، وهو ما يستمر معهم سنوات طويلة.
حتى في مرحلة الجامعة، فقد يشعر الطلاب بأنهم قلقون ومتوترون بخصوص كل شيء، نظرًا لأنهم تعودوا على مستوى مكثف من العناية والرقابة والحماية سنوات طويلة، وهو ما قد يؤثر في مستوياتهم الدراسية ومهاراتهم الشخصية في التعامل مع الناس، وفي ممارسة الرياضة، وفي كل الأمور التي تحتاج إلى الهدوء والتركيز.
علاج ظاهرة الآباء الهليكوبتر: نصائح للتخلص من الأبوة المفرطة
إن معرفة الفرق بين الاهتمام والحماية الزائدة هي أولى خطوات التعافي. إذا كنت تسعى إلى علاج ظاهرة الآباء الهليكوبتر، فإليك أهم النصائح للتخلص من الأبوة المفرطة والمساهمة في بناء الثقة بالنفس للأطفال:
- السماح بالخطأ: السماح للأطفال بممارسة الأنشطة بحرية، والاعتماد على أنفسهم في المهام والأداء المختلفة، مع الحرص على مراقبتهم دون تدخل دائم، لكي يستطيع الطفل أن يكتسب المهارات، وأن يكتسب الثقة واحترام الذات مع الوقت.
- المراقبة من بعيد: كن مراقبًا داعمًا، ولكن لا تتدخل فورًا لحل المشكلة إلا إذا كانت تمثل خطرًا حقيقيًا يفوق قدراته العمرية.
- التراجع التدريجي: الآباء والأمهات الذين مارسوا الأبوة المفرطة سنوات طويلة، يمكنهم أن يتوقفوا عن هذه السلوكيات بالتدريج، حتى يستوعب الأبناء طريقة التعامل الجديدة ولا يواجهون مشكلة نفسية أو يتشككون في مشاعر الآباء والأمهات، ويمكن إجراء الحوار مع الأبناء الأكبر سنًا الذين يستطيعون فهم الأمر.
- تشجيع التعبير عن الذات: ننصح بتشجيع الأبناء على ممارسة الهوايات والألعاب، والتعبير عن الأفكار والمشاعر، واختيار الملابس والألعاب، والمشاركة في وضع الخطط التي تخصهم بحرية، دون ضغط أو تدخل كبير من الآباء والأمهات.

رأي اختصاصي التربية والسلوك في ظاهرة الآباء الهليكوبتر
من تجربتي الشخصية بصفتي خبيرًا في التربية والسلوك، في إحدى الجلسات الاستشارية راجعتني أم تشتكي من ضعف شخصية ابنها البالغ من العمر 10 سنوات، فيعاني من نوبات قلق مستمرة، وانعدام في الثقة، ورفض تام لاتخاذ أي قرار بمفرده. وعندما غُصت معها في تفاصيل روتين حياتهما، اكتشفت أنها تفعل كل شيء نيابة عنه، مقل ترتيب حقيبته المدرسية، والتدخل اختيار أصدقائه، وخوض شجاراته مع زملائه خوفًا عليه من الشعور بالحزن أو الفشل.
المشكلة هنا لم تكن في الطفل مطلقًا، بل كانت تتجسد بوضوح في الأم الهليكوبتر. هذه الأم، وبدافع الحب المطلق والحماية المفرطة، سلبت ابنها حقه الطبيعي في التجربة والخطأ، ووجهت لعقله الباطن رسالة يومية قاسية مفادها: أنا أتدخل لأنك ضعيف وعاجز عن تدبر أمورك بمفردك.
نصيحتي لكل أب وأم: الحب الحقيقي لا يكمن في تعبيد الطريق أمام أبنائكم وإزالة كل العقبات، بل في تسليحهم بالمهارات اللازمة لمواجهة وعورة الحياة بأنفسهم. تراجعوا خطوة للوراء، واسمحوا لأطفالكم بالتعثر، وكونوا شبكة أمان تدعمهم عند السقوط، لا درعًا فولاذيًا يخنقهم ويمنعهم من خوض التجربة. تذكروا دائمًا أن ثقة الطفل بنفسه تُبنى من رحم التحديات والمواقف، وليس أبدًا داخل أسوار الحماية المفرطة..
ما هي عائلة الهليكوبتر؟
هي العائلة التي تفرط في حماية أبنائها وتتدخل في كل تفاصيل حياتهم الدقيقة (الدراسية، الاجتماعية، حتى الترفيهية). يحوم الآباء في هذه العائلة حول الأبناء كالمروحية لحمايتهم من أي خطأ أو فشل، ما يعيق نموهم النفسي واستقلاليتهم.
ما هي طريقة تربية الهليكوبتر؟
هي إستراتيجية تربوية (تُعرف بالأبوة المفرطة) تعتمد على المراقبة اللصيقة، وحل المشكلات نيابة عن الطفل، واتخاذ القرارات بدلًا منه. تتضمن هذه الطريقة عمل الواجبات المدرسية للطفل، التدخل المباشر في شجاراته مع أقرانه، وتوجيه كل خطواته بدافع الخوف عليه.
ما معنى helicopter parenting؟
هو المصطلح الإنجليزي الذي صاغه الطبيب النفسي هايم جي جينوت في الستينيات، ويعني حرفيًا الأبوة المروحية أو الأبوة الهليكوبتر. ويُقصد به الآباء الذين يبالغون في الاهتمام بتجارب أبنائهم ومشكلاتهم.
يظل الحب والرغبة في الحماية الفطرة الأسمى التي تحرك الآباء والأمهات، لكن الخط الفاصل بين العناية الصحية والأبوة المفرطة يكمن في منح الطفل مساحته الآمنة للنمو والتجربة، ولا يعني التراجع عن نمط الآباء الهليكوبتر الإهمال وعدم الاكتراث بهم، بل هو أسمى صور الحب؛ لأنه يمنح الأبناء الفرصة لبناء شخصية مستقلة، واثقة، قادرة على مواجهة تحديات الحياة بثبات.
شاركونا في التعليقات: هل تجدون أنفسكم في بعض الأحيان تمارسون سلوكيات الآباء الهليكوبتر دون قصد؟ وما هي الخطوات التي تتبعونها لتعزيز استقلالية أبنائكم؟ ولا تنسوا مشاركة المقال عبر منصات التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.