ظاهرة الإنتحار في مجتمعاتنا العربية

إن ظاهرة الانتحار في مجتمعاتنا العربية ارتفعت بشكل مذهل ومخيف، وهذا في المجتمعات العربية والأمازغية بشكل عام، بعدما كان في فترة من الفترات قليلًا أو منعدمًا، إذ كانت تمر سنوات عديدة ولا تسمع بأحد أقدم على هذا الفعل الشنيع والمستقبح إلا نادرًا.

اقرأ أيضاً

الغزو الحضاري وظاهرة الانتحار

اعتنِ بشخص ما قبل أن يقدم على الانتحار

 

الانتحار في المجتمع العربي بين اليوم والأمس

وقتها كان غالباً يكون الذي أقدم على ذلك الفعل الشنيع والقبيح والمنافي لفطرة الإنسان السوي المستقيم، يعاني من اضطرابات نفسية، وأمراض عقلية، تجعله يقدم على ما أقدم عليه وهو لا يدري ماذا فعل، إلا إذا أزهقت روحه وأسلمها إلى بارئها.

بينما في عصرنا الحاضر، مع الأسف الشديد، صار الأمر بعكس ذلك تمامًا، فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار إحدى الأقاليم في أقصى شمال إفريقيا، وبالضبط شمال المغرب، في مكان يدعى شفشاون، نجد أنه في السنوات الأخيرة بلغ معدل الانتحار فيه ذروته فاق كل التوقعات.

أقدم على هذه الفعلة الشنيعة أناس من مختلف الأعمار، ومن جميع الطبقات والفئات، مما يصعب على الباحث تفسير هذه الظاهرة، وكيفية انتشارها في هذه الأوساط بهذه السرعة، التي لا تفسير لها؛ ذلك أن الإنسان بفطرته مجبول على أن يحافظ على نفسه، وإذا ما حام حولها أي خطر يداهمها تجد قلبه يخفق، وفرائسه ترتعد، وسرعان ما ينأى بنفسه عن دائرة الخطر، بشكل اعتباطي فطري لا دخل لأي أحد فيه، بل كل المخلوقات والكائنات الحية، إلا وزرع الله في فطرتها هذا الهاجس في نفسها، وجعل في خلايا دماغها هذه الآلة لاستشعار الخطر والابتعاد عنه.

أسباب الانتحار 

في حين أننا نجد الإنسان هنا هو نفسه ينحو هذا المنحى، ويسير طوع نفسه إلى إهلاكها وتعريضها للتلف والضياع، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أننا في عصر قل فيه الوازع الديني، وقل فيه الإيمان بالله سبحانه وتعالى، ونتيجة لهذا الخواء الروحي والانفصام الإيماني، ازداد معدل الانتحار بين الناس في الآونة الأخيرة بشكل مذهل، سواء أكانوا ذكورًا أو إناثًا.

وسواء كانوا من كبار السن أم شبابًا لا زالوا صغارًا وفي مقتبل عمرهم، تراهم يضحون بأنفسهم وينتحرون لأدنى سبب، وهذا كما قلنا سابقًا يرجع بالأساس، إلى الانفصام الإيماني والخواء الروحي، وعدم الإيمان بالله سبحانه وتعالى وعدم الرضاء بقضاء الله وقدره.

طرق مقاومة فكرة الانتحار

وإن التشبث بحبل الإيمان وعقده، وبالقضاء والقدر يجعل الإنسان لا يعبأ لما يصيبه، خاصة وهو يعلم مسبقًا أن ذلك قد كتبه الله عليه، وإنما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وإن ما يحدث في الكون كله إلا وله من يصرفه ويتحكم فيه، وإنه يصرفه لمصلحة الإنسان، وإن كان الإنسان لحظة الذي يصيبه ما أصابه يظن العكس؛ لأن الذي صرفه عنك أعلم بنفسك منك، فعلمه سبحانه وتعالى علم تفصيلي عام شامل لا تخفى عليه خافية، يعلم الحال والمآل.

وبناء على هذا فإنك قد تمتحن بشيء تظن أن هذا هو أوان هلاكك وأنه لا منجى ولا مفر من الهلاك المحقق، فإذا بذلك الشيء يتحول إلى منحة لك تسعد بها في الدنيا والآخرة.

لذلك يا أخي مهما أظلمت الدنيا في وجهك لا تيأس لا تسأم لا تكل ولا تمل، ولا ينفد أملك، ولا تقطع الرجاء أبدًا، فالفرج مهما تأخر فهو قريب، ما هي إلا ساعات أو أيام،أو إن طال الأمد فقل أسابيع أو شهور، وتنقشع السحوب السوداء، ويصفو الجو وتبدو بارقة الأمل خفاقة في الآفاق، تراها بقلبك قبل النظر إليها بعينيك.

لا داعي لكي تنتقم من نفسك بالانتحار أو غيره، ثم الإيمان بالله سبحانه وتعالى يجعله يؤمن ويوقن بأنه في كنف الله وأن الله سبحانه وتعالى لا يضيعه أبدًا ولن يتخلى عنه حيث ما كان وأين ما كان، فهو معه ومطلع عليه ولا ولن ينساه أبدًا. 

هل الانتحار محرم في جميع الأديان؟

ثم ينبغي أن يعلم أن الانتحار محرم في جميع الأديان، ليس هناك دين من الديانات الموجودة حاليًا فيما نعلم يبيح ذلك، أو يستحسنه أو يحث عليه، جميعها تعتبر أن هذا الجسد ليس هو ملكًا لصاحبه، وإنما هو أمانة عنده وهو ملك لله سبحانه وتعالى، ولا يمكن للإنسان أن يضيعه أو أن يتلفه أو أن يجهز عليه إلا إذا جاء إليه صاحب الأمانة ألا وهو الله سبحانه وتعالى، عندما يرسل إليه فهو سيموت.

لكن أن يستعجل بنفسه فإنه يكون قد فعل حرامًا وإثمًا يعاقب عليه يوم القيامة، لكن هذا الذي يقدم على هذه الفعلة لا يؤمن بهذا، من يعتقد أنه إذا مات سينتقل إلى مكان، وذلك المكان يسمى بالحياة البرزخية، وهناك إما يكون معذبًا مهمومًا مغمومًا وعذابه أبدي، أو منعمًا مكرمًا محتفًى به ونعيمه سرمديّ، وإنّه إذا ما انتحر فسيكون معذبًا حتمًا؛ لأنه جنى على نفسه فيؤخذ بجنايته.

لكن مع الأسف الشديد، الذي يقدم على الانتحار، يظن أنه سيرتاح هناك، أو أنه إذا مات اندثر كلية ولم يعد له أي وجود، وهذا خطأ فادح ينبغي لنا أن نعلن عنه في أوساط الناس حتى يعلموا أن الموت ليس هو انقطاع بالكلية، لا وإنما هو انتقال من مرحلة إلى مرحلة، ومن طور إلى طور.

فإن أحاطت بالإنسان المشاكل من كل حدب وصوب في هذه الدنيا، فلا يقدم على الانتحار، وإنما يفكر ويستعمل عقله، فأكيد هناك حل لها، وليس هناك في هذا الوجود مشكلة لا حل لها، أما أن تفكر في الإجهاز على نفسك بالانتحار فذاك جزء من المشكلة، وليس حلًا لها، بل يجب عليك أن تعلم أنك أقحمت نفسك في مشكلة أخرى، لا مخرج لك منها أبدًا، ذلك أنه من انتحر بأي وسيلة من الوسائل، فسيظل يعذب بتلك الوسيلة إلى أن يقضي الله بين عباده في عرصات القيامة، ثم ينظر في حاله إما إلى الجنة وإما إلى النار.

إذن، فما لك وللانتحار؟ ابتعد عنه، ولا تفكر فيه بتاتًا!

 

اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة