طير حُر


حين أسقط الفأس للحظة، كل تلك العاهات لا تدوم لمجرد نزوة داهمته، في الأفق يلوح راهباً أن انقضى الأمر وأنتهت الحرب بسلام، كل المعالم تدمرت في بلاده، وما تبقى سوى ذكريات تحف خنادق الموتى وجثث الأحصنة، لمن يعود؟ هل كان الراهب شجاعاً لهذا الحد الذي جعله يخاطر وينقذ طياراً أسقط هيكل طائرته عنوة لينجوا من العذاب الدنيوي، عذاب دنيء كعذاب كلاب ترفض تناول جثة تمرغت في السم أو يواجهوا قَرص الجوع أحشائهم، في الحياة ستجد تهكم بالغ، وفي السماء طير حُر، لعل الإنسان يجد مراده بالموت، حاول الراهب أن يهبط لكن الوادي كان منحدراً لدرجة جعلته يتذكر فقدان لياقته مع اندثار شبابه، رأى الشاب بحركة أوتوماتيكية يحمل الفأس على كتفه ويحاول الصعود إلى الراهب من أسفل الوادي المليء بالصخور الحاجة والأشواك المُجتثة، وشجيرات تقلمت بفاعل الشاب الذي كان يعمل ست ساعات يومياً ليكرث روحه وجسده للدير بعد أن أنجاه عابد زاهد، نظر الراهب الكهل ذا العينين الرماديتين إلى الشاب، يحاول تفادي جروح وجهه التي أحرقت إثر سقوطه بالطائرة، أو ذراعه الذي يمتد على طوله جرح كان غائراً لدرجة بروذ العظام، لكن لحسن حظه كان الرب كريماً معه ليحياً يذكر أسمه، هكذا كان دائماً يفكر الراهب الطيب، لكن الشاب الذي نجا من الحرب وموت في آن واحد، كان يفكر في كونية الطير الحُر.

ستكون تلك الآثار ناتجة عن خوف من العودة، مواجهة العالم بأثره، تلك النجاة مُجردة من معالم الفرح، ومُلطخة بكل وجوه الخذلان واليأس، هل الانتحار إثم؟ هكذا سأل الراهب حين كان يجلس في فناء الإسطبل الذي يحوي حصانين وحمار، ويتناول لقيمات من رغيف جاف، أجابه الراهب وهو يضع يده فوق فمه (بالنسبة لحالتك، سيغفر لك الرب) كأنه استثنائي ما رآها في أيام حياته حين كان يسير بين الخنادق، أو محاولة النظر في أعين المُصابين وجرحى المعارك، أو حمله الجزء المبتور وتحمله صراخ ورائحة القيح، كل ذلك مجرّد حياة تخلو من الإثم. 

#الطير_الحر

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Jan 20, 2022 - وجيه نور الدين محمد شرف
Jan 20, 2022 - أحمد أبوزيد
Jan 19, 2022 - زينة عبد الله
Jan 18, 2022 - شامة ارشيد
Jan 16, 2022 - عوض شرار
Jan 16, 2022 - زينة عبد الله
نبذة عن الكاتب