اسمه كان هو الأخلق بأن يشد إليه الأسماع، إذ يندر بين عامة المثقفين -الذين تربطهم بعض الصلة بالتراث على الأخص- من لم يسمع عنه، إن لم يكن قد عرف عنه ما يجب أن يعرف، عن أولئك الأعلام الذين شيدوا تلك الصروح الشامخة من معالم الفكر العربي التي لا تزال تبهر أبصار من تتاح لهم سبل تأملها، وتتبع منابع الضوء ومسارات أشعته في حياتنا عبر أجيال وقرون عدة.
وشخصيته هي الأجدر بأن تعالج بالدرس والتحليل، إذ فيها من عناصر التكوين، وما ترتب عليها من بروزه بصفته رجل فقه وسياسة، ما يبعث على التأمل الطويل والإعجاب البالغ ما يحرك الحوافز ويستثير الخيال.
ومع ذلك فإننا نجد كتابه (طوق الحمامة، في الأُلفة والأُلَّاف) الذي يتميز بموضوعه الفريد بين كل ما عالج مؤلفه من مواضيع الفقه في الشريعة الإسلامية مما يبدو لنا أنه الأقدر على إمتاع المستمع في هذه الساعة من يوم نعلم أنه ينقضي، ولا ينقضي مشاغل ومتاعب، تستغرق من حياتنا كل ساعات الليل والنهار.
فطوق الحمامة في الأُلفة والأُلاف، إذن، هو الذي نتحدث عنه، وهو الذي نتوخى أن يجد فيه القارئ بعض ما يتيح له رحلة قصيرة في الآفاق التي يحلق فيها مؤلفه، ونحلِّق فيها نحن معه، وهي آفاق تظل قريبة إلى تطلع النفس إلى شيء من الدعة والراحة، وإلى شيء من استجلاء مضمون كتاب في الحب، وفي الحب فقط، يؤلفه فقيه من أكابر الفقهاء في الشريعة وصاحب موسوعة (المحلى) التي تعد واحدة من أعظم المراجع في أكثر من ألفي مسألة من مسائل الفقه غطت جميع أبوابه ابتداء من الوضوء مرورًا بالمعاملات، وانتهاء عند الجنايات والحدود.
على أننا لا نجد بدًا من أن نلم بالمؤلف إلمامة قصيرة، إذ يتعذر ألا نراه في كتابه، يطالعنا بشخصيته، وبالتفاتاته، وبمشاعر قلبه ووجدانه وبرصيده الضخم من الخبرة بطبيعة مشاعر الحب، أو الألفة كما يريد هو أن يسمى (الحب).
والمؤلف هو (أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي)، صاحب (المحلى) في فقه المذهب الظاهري، وصاحب كتاب (الفصل في الملل والنحل) وكتاب (الأخلاق والسير في مداواة النفوس) وكتاب (الأحكام في أصول الإحكام). وإلى جانب هذه الموسوعات، ما قيل إنه يبلغ أربعمائة مؤلف بين كتاب ورسالة تجاوز عدد صفحاتها الثمانين ألف صفحة، عالج فيها الكثير والمتنوع من قضايا الفكر في عصره، ما جعل عددًا من كبار العلماء والمؤرخين يعدونه (أعلم أهل الأندلس).
ونجد من أخبار نشأته أن أباه كان وزيرًا للمنصور بن أبي عامر في قرطبة. ومن طبيعة هذا المقام، وعلى الأخص في ذلك العصر في الأندلس، أن تلين مسالك الحياة، وأن تتوفر فيها أسباب الترف والرغد، فكان بيته والبيئة التي نشأ فيها عامرين بالحياة الرغيدة والنعمة السابغة، ومنها أن تزدان أروقة القصر وقاعاته بالجميلات من فتيات الحروب المأسورات، يسطعن بجمالهن، وتسطع من حولهن وفي سبيلهن فنون الزينة والبهاء والإغراء.
إن التي أحفظت ابن حزم القرآن الكريم جارية من جواري القصر، فلما حان وقت تفرغه للدرس والتحصيل، أحضر له أبوه بعض مشاهير شيوخ العلم، وقد استطاع ابن حزم أن يجمع بين حوافز الجمال والفتنة من حوله، وبين طلب العلم، فكرَّس له حياته كلها، إلى أن عصفت ببيته ومقام هذا البيت الفتن، وما كانت تعانيه الأندلس من عدم الاستقرار السياسي، فنزح ابن حزم من قرطبة إلى (شاطبة) إحدى مدن إمارة بلنسية.
وفي شاطبة كتب ابن حزم (طوق الحمامة في الأُلفة والأُلاف)، استجابة لما تلقاه من صديق له عليه (حق المنشأة ومحبة الصبا) كلَّفه أن يصنف له رسالة في (صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة).
وعلى كثرة ما كتب الكاتبون عن الحب وفنونه، وباعثه وشجونه، فإن طوق الحمامة يظل كتابًا فريدًا في معالجة موضوع الحب، بهذه الطريقة المنهجية التي لا ترسل الكلام إرسالا عفويًا، وعلى غير وجهة مرسومة، وإنما على أساس من تخطيط دقيق وتبويب متقن ومدروس، حتى ليجعل من الموضوع، كله ما يشبه علمًا من العلوم، له القواعد والأصول، والمقدمات والنتائج، وما لهذه النتائج من ردود فعل وأثر في النفوس.
أبواب الحب الثلاثون.. تشريح شامل لمشاعر الألفة
يقول ابن حزم، بعد هذه المقدمة القصيرة التي يوجهها إلى الصديق الذي كلفه الكتابة في الموضوع:
«قسمت رسالتي هذه على ثلاثين بابًا منها عشرة في أصول الحب». فنرى من هذه الأصول أبوابًا، منها: علامات الحب، ومن أحب في النوم، ومن أحب بالوصف، ومن أحب من نظرة واحدة، وباب التعريض بالقول، وباب الإشارة بالعين.

فإذا انتقلنا من القواعد والأصول ، نجد أمامنا (اثني عشر بابًا) في أعراض الحب وصفاته المحمودة والمذمومة، ومن هذه الأبواب (طي السر، والوفاء والغدر، والضنى، والموت) ثم هناك ستة أبواب منها: (باب العاذل، والرقيب، والواشي، والهجر، والسلو).
وحين يشرع في تفصيل ما أجمل من هذه القواعد والأصول، يقول: «الحب -أعزك الله- أوله هزل وآخره جد، دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة..) ثم يقول: «وليس بمنكر في الديانة، ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل».
تجارب ابن حزم الشخصية: علامات الحب والهجر
حين نقرأ باب (علامات الحب) ونرى ما فيه من التفاصيل الدقيقة، ندرك أن ابن حزم -غفر الله له- يكتب تجاربه في أيام صباه وشبابه، في ذلك القصر الذي كانت تزين أروقته وقاعاته جميلات الأندلس بكل ما خلع عليهن الإعجاب من الفتنة والدلال. فعلامات الحب التي يعددها في أكثر من اثنتي عشرة صفحة تريك ما لا يخطر لك ببال من الخبرة والتجربة التي تتيح مثل هذا الحصر الدقيق لهذه العلامات، وتريك عطاء هذه التجارب، في ماضي حياته شعرًا قد لا يتوفر له ما نعهد في أساليب الشعراء من رقة وحسن احتيال على أداء المعنى، ولكن لا يخلو من معانٍ حلوة، تصور الواقع الحسي الذي عاشته التجربة.

فهو يقول مثلًا: (ولي في معنى انتظار الزيارة):
أقمت إلى أن جاءني الليل راجيًا *** لقاءك يا سؤلي، ويا غاية الأمل
فأيأسني الإظلام عنك ولم أكن *** لأيأس يومًا إن بدا الليل يتصل
وعندي دليل ليس يكذب خبره *** بأمثاله في مشكل الأمر يستدل
لأنك لو رمت الزيارة لم يكن *** ظلام ودام النور فينا ولم يزل
وفي باب (الطاعة في الحب) يقول: «ومن عجيب ما يقع في الحب طاعة المحب لمحبوبه، وصرفه طباعه قسرًا إلى طباع من يحب. وربما يكون المرء شرس الخلق، صعب الشيكمة، جموح القيادة، ماضي العزيمة، حمي الأنف، أبي الخسف، فما هو إلا أن يتنسم نسيم الحب ويتورط غمره، ويعوم في بحره، فتعود الشراسة لينًا، والصعوبة سهلة، والمضاء كلالة، والحمية استسلامًا».
ويقول في هذا المعنى شعرًا:
فهل للوصال إلينا معاد *** وهل لتصاريف ذا الدهر حد
فقد أصبح السيف عبد القضيب *** وأضحى الغوال الأسير أسد
والهجر باب من أبواب كتاب طوق الحمامة، وله ضروب. وهي ضروب يدهشك حصرها، والكلام عن كل ضرب بما يدل على التتبع الدقيق والإحاطة الواسعة، وكلاهما يؤكد التمرس بالحب صنوفا وألوانًا، يندر أن تتاح إلا لمن أفسحت له الدنيا من صدرها، وأغدقت عليه من فرصها وسوانحها.
وأول هذه الضروب: هجر يوجبه تحفظ من رقيب حاضر، وأنه لأحلى من كل وصل. وهو يقول عن هذا الضرب: «ولولا أن ظاهر اللفظ، وحكم التسمية، يوجب إدخاله في هذا الباب لرجعت به عنه ولأجللته عن تسطيره فيه..». ثم يقول: «وأنه لمن يشاهد الأحداث الجالبة للفتن، والمناظر المحركة للسواكن الباعثة للخواطر، المهيجه للضمائر.. الجاذبة للفتوة».. ومن هذا يقول فيها:
وكم صاحب أكرمته غير طائع *** ولا مكره إلا لأمر تعمدًا
وما كان ذاك البر إلا لغيره *** كما نصبوا للطير بالحب مصيدًا
ويمضي في ذكر أنواع الهجر، فهناك هجر يوجبه العتاب لذنب يقع من المحب، ثم هجر يوجه الوشاة، ثم هجر القلى الذي يقول في وصفه: «وهنا ضلت الأشاطر، ونفدت الحيل وعظم البلاء، وهو الذي خلى العقول ذواهل». ويقول في ذلك شعرًا:
سقى الله أيامًا ولياليًا *** تحاكى لنا النيلوفر الغض في النشر
فأوراقه الأيام حسنًا وبهجة *** وأوسطه الليل المقصر للعمر
لهونا بها في غمرة وتآلف *** تمر فلا تدري وتأتي فلا ندري
لمحات من حياة ابن حزم في ثنايا الكتاب
إذا كان الكتاب عن الألفة والأُلاف أو عن (الحب)، ولا سبيل إلى استيفاء كل ما استوفاه من شوارد موضوعه، إلا بكثير من أخباره، فإن لمحات كثيرة من حياته تطالعنا هنا وهناك من فصول الكتاب، وتسمح لنا أن نرى في هذه اللمحات صورة أو صورًا لما كانت تحفل أيام صباه وشبابه من البلهنية والرخاء.

فمن ذلك على سبيل المثال المتعجل في باب (قبح المعصية) نجده يقول: «لقد ضمني المبيت ليلة -في بعض الأزمان- عند امرأة من بعض معارفي، مشهورة بالصلاح والخير والحزم، ومعها جارية من بعض قراباتها من اللاتي قد ضمتها معي النشأة في الصبا، ثم غبت منها أعوامًا كثيرة». ويشرع في وصفها فيقول: «ووجدتها قد جرى على وجهها ماء الشباب، ففاض وانساب، وتفجرت عليها ينابيع الملاحة فترددت وتحيرت، وطلعت في سماء وجهها نجو الحسن، فأشرقت وتوقدت، وانبعثت في خديها أزاهير الجمال فنمت واعتمت، وكانت من أهل بيت صباحة، وقد ظهرت على صورة تعجز الوصاف». ثم يقول: «ولقد امتنعت من دخول الدار خوفًا على لُبي أن يزدهيه الاستحسان، ولقد كانت هي وجميع أهلها ممن لا تتعدى الأطماع إليهن، ولكن الشيطان غير مأمون الغوائل.
لا تتبع النفس الهوى *** ودع التعرض للمحن
إبليس حي لم يمت *** والعين باب للفتن
وفي خاتمة الكتاب ينبه إلى مبالغات الشعراء، عن الإفراط في النحول، وتشبيه الدموع بالأمطار، وعدم النوم البتة، وانقطاع الغذاء جملة، فيقول: «إنها أشياء لا حقيقة لها، وإنما اقتصرت في رسالتي على الحقائق المعلومة التي لا يمكن وجود سواها أصلًا..». ولا يفوته وقع ظهور كتاب في موضوع الحب، من مثله علمًا وفقهًا، فيقول: «وأنا أعلم أنه سينكر عليَّ بعض المتعصبين تأليفي لمثل هذا ويقول: إنه خالف طريقته وتجافى عن وجهته. وما أحل لأحد أن يظن فيَّ غير ما قصدته».
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.