طه حسن وثقافة التنوير والحرية

نحاول في المقال أَن نبيِّنَ المسوغاتِ التي تعيدُ طرحَ هذه المشكلَة "الثقافة والتعليم والترجمة والتنوير"، وبالرغمِ من الفارقِ الزمنيِّ، واختلافِ الأسبابِ عندَ دعاةِ الاختلافِ وعندَ ودعاةِ الهُويَّةِ، وبينَ أهلِ الخطابِ الليبراليِّ الذي يحاولُ تبيئَةَ الحداثةِ، والانفتاحَ على الآخرِ الغربيِّ، وبينَ الخطابِ الإسلاميِّ الذي يحاولُ إحياءَ الأصالةِ التراثيَّةِ، ونقدَ الانفتاحِ ومهاجمتَهِ واتهامَهِ بالتغريبِ.

اقرأ ايضا شعر ابن خلدون أين اختفى؟ وآراء شوقي وطه حسين

طه حسين ومفهوم الحداثة

نحاول هنا أن نستعرض رؤيته الحداثية التي كادت أن تخلُقَ تحوّلا يجعلُ من عالَمِنا العربيِّ عالَما قادراً على أن يستجيبَ لما نعانيه في الحاضرِ من تدهور، وقد حاولَ المفكرونَ في الحقبةِ السابقةِ أن يقدِّموا حلولاً، ولكنَّهم اختلفوا فيها باختلافِ المرجعياتِ المعتمدةِ في المعالجة، وكانت النتيجةُ ما نعانيه في حاضرِنا من إخفاق ماضينا في مقاربةِ أمرِ التحديث أو الحداثة.

المثقف من المفترض أن يعي دور الثقافة، وما تقوم به من مُهمَّاتٍ، قد يكون بعضُها مصيريّا، إلا أن تلك الاشتباكات هي التي نحاول الوقوف عندها من خلال البحث في جدلية التنوير والترجمة في الثقافة المصرية عامة وطه حسين خاصة.

إن طه حسين حاول خلق تنويرٍ حداثيٍ سعياً منه إلى خلق تحول اجتماعي وثقافي في المجتمع العربي عامة والمجتمع المصري خاصة، وهو خطاب غير مقطوع الصلة بحقبة النهضة العربية، وما فيها من خطابات الانفتاح على الغرب، واستثمار الممكنات الحضارية تلك ممثلةً برفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده، وأمين الخولي، وصولاً إلى طه حسين، ونصر حامد أبو زيد.

اقرأ أيضاً انتحال الشِّعر الجاهليّ

جهود طه حسين في الترجمة 

وبالتالي كثيرة هي تلك الكتب والنصوص التي قام برجمتها وتقديمها إلى القارئ العربي كُتّاب مرموقون، حرَّك إقبالهم عليها هاجس إدخال الجِدَّة في ثقافتهم المُضيفة، لإحداث التغيير فيها عبر تلقيحها بالغريب.

ولعل التلقيح وإعادة استنبات تلك الأفكار في الواقع العربي ثقافياً وحضارياً في سبيل إحداث المغايرة الاجتماعية، وإعادة تغيير الواقع الاجتماعي الذي كان يعاني من تأبيد قيم الاستلاب التي جاءت بعد سقوط ثقافة العرب بعد حضور هولاكو الذي دمر بغداد وهزمته القاهرة في عين جالوت، إلا أنها لم تستثمر تلك الحادثة المفصلية في قيام تجديد حضاري بفعل اغتراب الحكام عن الواقع العربي عامة والمصري خاصة.

طه حسين ومعركة التنوير 

مما أشاع ثقافة الفاقة والتخلف والسلفية عبر إشغال الناس بالفقر والتخلف والصراعات الدينية، "فالذاكرة الجماعية لا يمكنها أن تبقى على قيد الحياة دون الفعل الأيديولوجي، وهو من طبيعة بعيدة عن الأمانة العلمية وعن مبادئ الشرف؛ لذلك نجد الغالبية العظمى من أتباع أي دين أو مذهب أو حزب سياسي ذي طابع شمولي أسرى تلك الذاكرة" (1).

هذا ما فعله الأتراك، وقبلهم المماليك، وما فعله الفرنسيون كان إحداث إصلاح إداري بطابعه الاستعماري الكونيالي؛ إلا أنه بشّر بتحولٍ لم يكن معهوداً، فجاء محمد علي، وكل حكام العرب قاموا بتقليده بإصلاح مؤسسات الدولة واهمال الشعب، وتركه يعاني التخلف، وهيمنة الأصوليات الدينية والمذهبية، وثقافة الفاقة، والتخلف، والفساد.

هذا ما أدركه التيار الليبرالي، وفي مقدمتهم طه حسين الذي اتخذناه عنواناً للمثقف التنويري الذي اعتمد الترجمة من أجل إشاعة التنوع الثقافي، فإنه -وهذا لا يختلف عليه اثنان- من أبرز هؤلاء في محيطنا العربي في القرن الماضي، ويكاد جميع المثقّفين العرب يُجمعون على ريادته في حقول معرفية متنوّعة، وعلى موسوعيته، وعلى استحقاقه عمادةَ الأدب العربي. 

ومن هنا جاءت مقاربتنا هذه له ولموقفه بوصفه الأنموذج الذي يشكل حلقة في التحول بين المثقف والعالم، وهي حلقة قام بها فلاسفة التنوير الفرنسي من قبل في خلق التحول والانتقال من المجتمعات السابقة للتنوير إلى مجتمعات تنويرية تعتمد الحداثة وما بعدها في قيام المجتمعات الغربية، "فأحدثوا تحولاً من مجتمع يهيمن عليه الحيز الجماعي منذ بابل إلى اليوم، بالمقابل هناك حيز فردي في الفكر الغربي.

اقرأ أيضاً 

الثقافة في أوروبا قبل التحديث

لقد عاشت أوروبا حتى القرن السادس عشر في قلب الحيز الجماعي الذي تمثل بعمودية السلطة، السلطة التي تستمد شرعيتها من السماء وبالدائرة الاجتماعية؛ أي إن الجماعة تنطوي على ذاتها لحماية نفسها، وتمييز الذات الجماعية عن الجماعات الأخرى..".

هذا التحول يعد مطلباً ضرورياً من الثقافة التي تتسم بالحيز الجمعي والعقل الدائري إلى الحداثة والعقل الفردي الليبرالي، لكن هذا يتطلب التنوير والتواصل مع ثقافة الحداثة في الغرب عبر الترجمة.

كل هذا من الممكن الحديث عنه من خلال مشروع الترجمة والتنوير الذي دافع عنه طه حسين.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة