طقس تخفيف الهموم

أسرعُ إلى حمامي الصغير المتواضع. قبل دخول الحمام أسحب مقصا صغيرا قابعا فوق الثلاجة. أقف قرب سلة المهملات، أقسم شعري نصفين، أمسك كل نصف على حدة وأقص جزءا منه حتى تصل أطرافه قرب أذني.

لا شيء في العالم كله له تأثير الاستحمام في حالتي المزاجية، خاصة في الشتاء. أخلع ملابسي قطعة قطعة، البرد يلسعني. لا أعرف هل هو برد الشتاء أم برد روحي الفارغة. لقاء الأصحاب جميل، الجلوس معهم والكلام في مختلف المواضيع يجعلني منشرحة النفس، لكن مغادرة كل منا إلى طريقه في نهاية اللقاء يتركني في حالة من الشتات. لا أراهم إلا كل بضعة شهور. جميعنا متفرقون، في مدن مختلفة. لقاء اليوم كان بالفعل منتظرا منذ شهور. كلماتهم تجعلني أضحك حتى يؤلمني فكاي من كثرة الضحك، أصوات ضحكاتهم تُفرح قلبي. جميل لم الشمل ومؤلم الفراق. مؤلم أن أنسى صديقاتي التي لم يعدن صديقاتي.

كان لي صاحب وراح.. يمكن في قراره الصلاح.. نفسي نرجع أحباب.. والود نرجعه بعد غياب.. كان لي صاحب وراح.. نفسي أخده في حضني وأنسى.. يمكن حضنه يكون هو الفرصة.. إني أهرب من الغربة.. كان لي صاحب وراح.. كان سندي وسط الزحمة.. دلوقتي مفيش ولو حتى ذكرى.. وبقول بكرة ينسى.. بس الدنيا كل يوم بتخليه يقسى.. كان لي صاحب وراح ..

ها أنذا قد عدت إلى بيتي. حقا برد الشتاء هذه السنة بهذه القسوة؟! أشك في الأمر. أفتح الصنبور وأنتظر لحظات حتى يتدفق الماء الساخن. على الأقل لست مضطرة لتحضير الحمام مسبقا، السخان الغاز مريح في هذه النقطة. عندما أعود إلى بيت العائلة أقع في فخ السخان الكهربائي، أدخل الحمام متلهفة وإذا بي أصطدم بحقيقة ضبط السخان قبل الاستحمام بنصف ساعة. أو أن يقرر أحدهم أن يسعدني بتجهيز الحمام قبلها، كأن يفعلها أبي بعد استيقاظه مبكرا، تفصيلة صغيرة جدا كهذه كفيلة بتغيير مزاج كائن حي عجيب مثلي.

يتناثر الماء الساخن على جسدي البارد، وتقف شعيرات الأجزاء التي لم يصلها الماء الساخن بعد. لحظات والماء يغمرني كلي. ما أجمله إحساس. أشعر أنني رجعت إلى رحم أمي ثانية. يمكنني الآن أن أبدأ طقسي اليومي. كل يوم وبعد كل ما أمر به من مواقف مزعجة توترني ألجأ إلى الاستحمام لتدفئة جسمي ولتخفيف حدة توتري.

يتكاثف بخار الماء في حمامي الصغير، يبدأ بالتسرب من فتحات باب الحمام القابل للثني، تتسرب معه أفكاري الغاضبة الحزينة. أنظرُ إلى أرضية الحمام حيث الماء المختلط بالدم. هذا الدم دمي أنا. أتشبث بسكيني الحاد وأعيد غرسه في قلبي، المرة تلو الأخرى، أعاقب نفسي المسكينة التي لا تسطيع معاقبة الآخرين، أنتقم من نفسي لأنها لم تسعفني بسرعة البديهة أو لأنها لم تشجعني كفاية لإنجاز ما هو مطلوب مني. أغرس السكين في قلبي مرة من أجل زميلتي المزعجة الوقحة والتي لم أستطع صفعها.. طعنة أخرى من أجل الأحمق الذي تركني من أجل حمقاء أخرى.. طعنة من أجل بحث الدكتوراة الذي لا أعرف متى سأبدأه.. طعنة لأنني لم أقدر على قول "لا" في وجه أحدهم وتورطت بعبء إضافي.. تتوالى الطعنات وتتوالى معها الأسباب ويستمر قلبي المتعب في النزيف ويتدفق دمي ويلف حول البالوعة في حركة دائرية ثم يختفي. مع اختفاء آخر خيط دم يختفي سكيني الوهمي ويصبح رأسي خفيفا كريشة يطيرها الهواء.

أتناول بشكيري المطرزة أطرافه بزهرات صغيرة رقيقة وأجفف جسدي الذي كان قبل لحظات ينزف أوجاعه. لا دماء عالقة بالبشكير. لحظات أخرى وأنتهي من ارتداء ملابسي وأخرج من الحمام. أنظر إلى الأبخرة المتناثرة بصالة الشقة. أفتح النافذة سامحة للأبخرة والأفكار الغاضبة بالخروج منها. أودع أفكاري البائسة لحين ميلاد أخرى أكثر بؤسا.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب