طفلي يفهم كل شيء لكنه لا يتكلم: اللغة الاستقبالية وتأخر الكلام عند الأطفال

من الشائع خطأً الربط بين الذكاء وكثرة الكلام، والحقيقة أن الطفل الذي يفهم ولا يتكلم قد يكون يتمتع بذكاء طبيعي جدًّا؛ لأن اللغة الاستقبالية (الفهم) تسبق اللغة التعبيرية (الكلام) بستة أشهر في الأقل. إذا كان طفلك ينفذ الأوامر (أحضر الكرة) ويتواصل بصريًّا، فهذا علامة على سلامة قواه العقلية، وتأخره في النطق قد يكون تخزينًا للمفردات قبل الانطلاق.

ما يؤسف له في مجتمعاتنا العربية، ويشاع خطأً بين الناس، هو الخلط بين مهارات الطفل الاجتماعية وبين قدراته الذهنية، باعتبار أن الطفل الأكثر لباقة وقدرة على التحدث هو الأكثر ذكاءً.

عزيزتي الأم، إذا كنتِ تشعرين أن طفلك يفهم كل ما تقولينه، لكنه لا يتكلم بعد ولا ينطق بكلمة واحدة، على الرغْم أن أقرانه ينطقون.

بمعنى أنكِ إذا طلبتِ منه إحضار الكرة، فإنه يحضرها دون أن ينطق كلمة واحدة. وبناءً على ذلك سيجعلك هذا المقال تفهمين أسرار تأخر الكلام، والأهم أنه يوجهك للتصرف الأمثل.

الفرق بين اللغة الاستقبالية واللغة التعبيرية عند الأطفال

اللغة الاستقبالية، ببساطة، تعني ما يفهمه الطفل، على عكس اللغة التعبيرية التي تعني ما يقوله الطفل.

ولذلك نجد أن الفهم يسبق الكلام عند الطفل، ما يعني أن اللغة الاستقبالية تسبق اللغة التعبيرية، وهو أمر متعارف عليه؛ إذ إن الفهم يسبق الكلام في الأقل بستة أشهر، ثم إن الذكاء لا يرتبط بعدد الكلمات التي ينطقها الطفل.

لماذا يسبق الفهم الكلام عند الأطفال؟

الجواب أن مخ الطفل يستقبل قبل أن يُعبِّر، ولذلك ننصح الأمهات بالتحدث إلى الطفل منذ الشهر الرابع وهو جنين في بطنها، حتى بعد أن يولد؛ لأن كل كلمة وكل صوت يسمعه الجنين يُخزنه في الدماغ.

أما النقطة الأخرى، فهي أن الكلام مهارة عضلية عصبية، ما يجعله المهارة الأكثر تعقيدًا؛ كونه يتطلب التنسيق بين أكثر من 100 عضلة في آن واحد. ولذلك يمكننا تشبيه الدماغ بـ«المايسترو» الذي يقود الأوركسترا، المكوَّنة هنا من منطقة بروكا والقشرة المخية والأعصاب.

يُضاف إلى ذلك أن الطفل يخزن الكلمات أولًا. فعلى سبيل المثال، الطفل يفهم «هات الكرة» أو «أغلق الباب» قبل أن يستطيع نطقها.

هل تأخر الكلام يعني ضعف الذكاء؟

غير صحيح على الإطلاق أن يكون تأخر النطق والكلام عند الطفل مؤشرًا على ضعف ذكائه أو قدراته العقلية، وهذا مثبت علميًا، على الرغم من كونه اعتقادًا شائعًا بين أولياء الأمور.

ويكفي القول إن 50% من حالات التأخر اللغوي، بمجرد وصول الطفل إلى الثالثة أو الرابعة من عمره، سيتمكن من التحدث بطريقة طبيعية، غير أن المؤسف في الأمر أنه من غير المضمون ما إذا كان الطفل من بين هؤلاء الخمسين أم يكون من المتأخرين ويحتاجون إلى التدخل المبكر.

متى يكون تأخر الكلام طبيعيًا؟

من المؤسف أن تكون المقارنات الخاطئة بين الأطفال موجودة، خاصة إذا علمنا أن كل طفل ينمو بوتيرة خاصة به، ومع ذلك توجد خطوط فاصلة واضحة بين التأخر الطبيعي الذي يحتاج منا الصبر، وبين التأخر الذي يستدعي القلق والتدخل المبكر.

فإذا كان الطفل متقنًا لمهارات ما قبل اللغة، من تواصل بصري جيد، وتقليد للحركات والأصوات، وفهم وتنفيذ للأوامر والتعليمات، فإنها علامات مطمئنة؛ وعندها يكفي الاكتفاء بالمتابعة دون خوف.

علامات تدل على أن طفلك ذكي على الرغم من قلة الكلام

عزيزي المربي القلق، أود أن أطمئنك بمجموعة من العلامات التي إذا لاحظتها في طفلك فلا داعي للقلق، بل على العكس، قد تكون مؤشرًا على ذكائه حتى وإن قل كلامه، وهي ما نطلق عليه مهارات ما قبل اللغة:

  • الاستجابة لاسمه
  • فهم النهي والأوامر
  • تقليد الإيماءات والحركات والأصوات
  • الانتباه للأصوات
  • التفاعل بصريًا

أخطاء شائعة تقع فيها الأمهات دون قصد

ومن الأخطاء الشائعة بين الآباء والأمهات في هذا السياق:

  • المقارنات الخاطئة بين الأطفال
  • استعجال النطق
  • كثرة الأسئلة
  • القلق الزائد أمام الطفل

كيف أنمِّي اللغة الاستقبالية لطفلي في البيت؟

عزيزتي الأم، بخطوات عملية بسيطة، ومن داخل البيت، يمكنكِ تنمية اللغة الاستقبالية للطفل بممارسة:

  • التحدث مع الطفل على مدار اليوم
  • تسمية الأشياء في أثناء اللعب
  • قراءة القصص المصورة
  • وصف الأفعال اليومية

على سبيل المثال: ولد يغسل يده، بنت تلبس الحذاء.

متى أقلق وأطلب استشارة متخصصة؟

عزيزي المربي، هذه بعض العلامات التي تقلق فعلًا، وعليك الانتباه إليها وعدم الانتظار، بل تُسرع لزيارة أقرب مختص، وهي:

  • عدم الاستجابة للاسم
  • غياب التواصل البصري
  • عدم فهم الأوامر البسيطة بعد عمر معين

أسئلة شائعة حول تأخر النطق والكلام لدى الطفل

هل كل طفل يفهم قبل أن يتكلم؟

نعم، وهذه حقيقة علمية؛ إذ يسبق الفهم الكلام في الأقل بستة أشهر.

متى تتحول اللغة الاستقبالية إلى كلام؟

عندما يكتمل جهاز النطق لدى الطفل، وعادة ما ينطق أول كلمة في الشهر التاسع من عمره.

هل تأخر الكلام وراثي؟

نعم، ولكنه ليس السبب الرئيس أو الأوحد؛ فمنها البيئة اللغوية، والتفاعل الأسري، وقبل ذلك ضعف السمع، وهي عوامل محتملة لتأخر الكلام.

هل الذكاء مرتبط بسرعة الكلام؟

ليس بالضرورة؛ إذ إن بعض الأطفال قد يتأخرون في الكلام لكنهم أذكياء.

بصفتي طبيب أطفال إليك نصيحتي قبل الشك في التوحد أو التأخر العقلي، الخطوة الأولى لأي طفل متأخر في الكلام هي فحص السمع. السوائل خلف الأذن قد تجعل الطفل يسمع الكلام مشوشًا (كأنه تحت الماء)، ما يمنعه من تقليده ونطقه النطق الصحيح.

ختامًا، عزيزي المربي، عزيزتي المربية، أود أن أختم برسالة طمأنة لقلوبكم؛ فليس كل تأخر في الكلام «مقلقًا». فالعبرة ليست بسرعة النطق، بل بسلامة الفهم والنمو، ما دام الطفل يمتلك مهارات ما قبل اللغة ويفهم ما يقال، فالأمر لا يعدو أن يكون مجرد وقت قبل أن ينطق كلماته الأولى ويلحق بأقرانه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة