طفلي يحب العزلة ويرفض الاختلاط.. ماذا أفعل؟

يميل بعض الأطفال منذ الصغر إلى الوحدة والعزلة، ورفض الاختلاط مع المحيطين، سواء أكانوا أفراد الأسرة أم الأصدقاء في النادي أم الزملاء بالروضة أو المدرسة، وهو ما يصيب بعض الآباء والأمهات تحديدًا بالضيق؛ رغبةً منهم في أن يكون الطفل اجتماعيًّا، قادرًا على إقامة علاقات اجتماعية، وتكوين صداقات مع أقرانه.

ما قد يؤدي إلى الصدام بين الآباء والأمهات من جانب، والأبناء من جانب آخر، فكيف يمكن تحقيق الانسجام والتوافق بين الوالدين من جانب، والأبناء من جانب آخر؟

ابنتي تشبه أباها أكثر مني

تقول إحدى الأمهات: عندما كان عمر طفلتي ثمانية عشر شهرًا، لم يكن بمقدورها النطق جيدًا، لكنها كانت مدركة للأشياء من حولها. لاحظت أوجه التشابه الكبير بينها وبين والدها أكثر من التشابه بيني وبينها، بمعنى أنها تحب الدعابة، وتميل إلى ملاحظة الأشياء ومراقبة ما يحدث حولها.

على الرغْم من محاولاتي جعلها تشبهني أكثر من والدها في بعض الأشياء، كوني اجتماعية، أحب التواصل والتفاعل مع الآخرين؛ لذلك كنت أتعمد أن أجعلها تختلط مع أقرانها بالمشاركة في عدد من الأنشطة منذ أن كانت في سن صغيرة.

تضيف الأم أن طفلتها كانت تشعر بالانزعاج من هذه المحاولات، كونها تحب العزلة وترفض الاختلاط والتواصل مع الآخرين، حتى إنها في بعض الأحيان كانت تغضب بشدة، وهو ما أصابني بالجنون. عندما شعرت أن محاولاتي في جعلها تشبهني باءت بالفشل، أصبحت أكثر تقبلًا لفكرة أنها تشبه والدها أكثر مني.

ورغم الاختلاف فيما بيننا، لكنني كنت أحبه وأعرف كيف أتعامل مع نقاط الاختلاف بيننا، وهو ما أوجد نوعًا من الانسجام والتوافق بيننا، وهو ما حاولت تطبيقه مع ابنتي الصغيرة، وهو ما انعكس بالإيجاب على علاقتنا، إذا أصبحت أكثر تقبلًا لعزلتها ورغبتها في عدم الاختلاط بالآخرين.

كيف تحقق الانسجام والتوافق مع طفلك؟

تحقيق الانسجام والتوافق بين الآباء والأمهات والأبناء منذ الصغر أمر في غاية الأهمية، ويؤثر سلبًا أو إيجابًا في علاقة الطرفين ببعضهما بعضًا، وعلى صحة الأبناء النفسية كذلك، خاصة وأن التعامل غير الصحيح من شأنه أن يؤدي إلى نوع من الصراعات بين الوالدين والأبناء، وقد يُصاب الأبناء بالاكتئاب إذا حاول الوالدان فرض الأمر بالقوة.

الانسجام بين الوالدين والأبناء

إن تحقيق الانسجام بين الوالدين والأبناء يعني تقوية رابط العلاقة بينهما؛ إذ ليس المطلوب أن تكون العلاقة أبوية، سلطوية، بل يجب أن تكون أقرب للصداقة، تركز على الاهتمامات المشتركة، فهذا أدعى أن يقرب الطفل من والديه، وأن يكونا بحق صدره الحنون. فضلًا على أنه احترام لرغبة الطفل المستقلة في تحقيق ذاته واستقلاليته، وهو ما يجب أن يقابل بالدعم والتشجيع من الوالدين.

المطلوب من الوالدين أن يشعر الطفل بالأمان؛ لكي تنمو لديه الرغبة في استكشاف العالم من حوله، وأن تنمو لديه الاستقلالية والاعتماد على النفس، وأن يكون أكثر قدرة بل وجرأة على خوض غمار المعارك التي يواجهها بقلب شجاع؛ لأنه يدرك أن في والديه الملاذ الآمن له.

متى تظهر المشكلات بين الوالدين والأبناء؟

في أحيان كثيرة، نجد أن الأب حنون، طيب، غير أنه من المؤمنين بفكرة العقاب القاسي، والضرب، لدرجة أن الطفل يشعر بالخوف وعدم الأمان من الشخص الذي يُفترض به أن يكون مصدرًا للأمان. أحيانًا أخرى يكون أحد الوالدين عاجزًا عن فهم الإشارات القادمة من طفله التي تعبر على نحو أو آخر عن معاناته، في هذه الحالة سوف يتشكل حاجز من غياب الثقة وانعدام الأمان بين الوالدين من جهة، والابن من جهة أخرى.

لقد وجد بعض الباحثين عائقًا آخر يحول دون الانسجام والتوافق بين الآباء والأبناء، يتعلق بدرجة انسجام الأمزجة الأساسية لكل من الوالدين والأبناء. على سبيل المثال، قد يُرزق أبوان يتسمان بالهدوء بطفل فضولي ونشيط ومحب للحركة، حينئذ يمكن أن ينظر الوالدان إلى هذا الطفل على أنه عدواني أو يعاني من فرط الحركة، هذا الشعور عندما يصل للطفل، فإنه يشعره بانخفاض تقدير الذات، أو أنه شخص غير مرغوب فيه من والديه.

السؤال الآن: كيف ومتى ينشأ الانسجام أو عدم الانسجام؟

يقول باول سي هولينجر في كتابه "ماذا يقول الأطفال قبل أن يتكلموا": "يولد طفلك وهو يمتلك مجموعة من السمات التي ستتفاعل أنت معها، في حين تقدم نفسك (من وجهة نظر الطفل) بواسطة مجموعة من السمات التي يتفاعل هو معها، وأنتما الاثنان ستكوِّنان العلاقة بين بعضكما بعضًا، وهذه العملية الحيوية للتعرف على الآخر وتشكيل خبراته ومواقفه هي خلطة ممزوجة بكثير من الحب، ومتبلة بالنيات الطيبة وبكمية من الارتباك غالبًا، وهي وصفة رائعة لتحضير طبق العائلة، ولكننا غالبًا ما نكون غير مدركين لتأثير مسألة الانسجام فينا".

بفضل عملية التربية، يكتسب الطفل السلوكيات المقبولة، ويتجنب السلوكيات غير المقبولة؛ لسبب بسيط، هو أن السلوكيات المقبولة تقابل بتعزيز ما سواء كانت ابتسامة أو قبلة أو حضنًا أو هدية، فيتعلم الطفل أن هذا السلوك مقبول لأنه تم تعزيزه، فيميل إلى تكراره رغبة في الحصول على هذا التعزيز مرات ومرات.

وفي المقابل فإن الطفل يواجَه بالعقاب عندما يقوم بسلوك غير مرغوب خاصة في حال تكراره، فيتعلم أن هذا السلوك غير مقبول من قبل والديه والمحيطين به، فيتوقف عنه. بسبب هذه الخبرات المتبادلة بين الطرفين، يعرف ويفهم كل طرف سمات الطرف الآخر، ويبدأ بالانسجام معها.

أحيانًا، تنشأ المشكلات بين الوالدين والأبناء بسبب مشكلات عاطفية لدى الوالدين أنفسهما، فقد يكونان من الشخصيات التي لا تُحب الظهور أو أن تسلط عليها الأضواء، في حين أن الابن وُلد ليكون نجمًا في مجال ما، وما لم يقابل ذلك بتفهم من قبل الوالدين فإن كثيرًا من المشكلات ستحدث بين الطرفين. إذ يجب على الوالديْن تقبل الطفل كما هو، وأن يشجعاه على الاستقلالية والشعور بالذات.

هل سمعت من قبل عن الطفل المهرج؟

في بعض الأحيان، وعندما يرى الطفل والديه من النوع الكئيب، فإنه يسعى جاهدًا لإسعادهما وفعل كل ما من شأنه أن يجعلهما سعداء فرحين، فيدرك حينها أن الطريقة الوحيدة للحصول على احتياجاته النفسية تكمن في إسعاد والديه، حتى إنه يصبح مطيعًا لهما على نحو معقد. وأعني هنا أنه يبدأ بلعب دور مهرج العائلة، ليرضي جميع الأطراف ولا يزعج أحدًا منه.

طفل يسعد إحدى والديه

في حقيقة الأمر، نحن بذلك نحمِّل الطفل عبئًا كبيرًا، وفي الوقت الذي يُفترض أن يقدم والداه نوعًا من الإيثار، يبادر الطفل الصغير بتقديمه لوالديه، حتى وإن كان المقابل إلغاء شخصيته وتحجيم قدراته وإمكاناته.

ما العمل إذن؟

الحل ببساطة يكمن في تقبل الاختلافات، وكما نقول بالعامية المصرية "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية" وهذه المقولة أدعى لتطبيقها مع الأبناء. ففكرة التطابق التام -فضلًا على كونها فكرة مثالية- لا يمكن وجودها، فهي أيضًا ظلم للطفل الذي يكون مطالبًا بأن يكون صورة من أبيه، أو الفتاة بأن تكون صورة من أمها، ومطالبتها بإلغاء شخصيتها تمامًا، وهذا للأسف واقع في كثير من بيوتنا هذه الأيام.

لدرجة أن بعض الآباء والأمهات يرون في طفلهم صورة منه عندما كان صغيرًا. ليس هذا فحسب، بل يكلفونه ويحملونه مسؤولية تحقيق ما فشلوا هم في تحقيقه عندما كانوا في مثل سنه.

فهذا الأب الذي كان حلمه أن يكون طبيبًا، لكن درجاته الضعيفة حالت دون التحاقه بكلية الطب، أو غيرها من كليات القمة، يرى في طفله العوض، لدرجة أنه قد يحمِّله فوق طاقته وقدراته وإمكاناته، ما قد يصيبه بالقلق والتوتر، وقد تحطمت شخصيته إذا حالت الظروف دون بلوغ ما كان يتمناه الوالد.

ختامًا، فإن وجود درجة من الانسجام والتوافق بين الآباء والأمهات من جانب، والأبناء من جانب آخر، من شأنه أن يساعدهما في التعامل الجيد دون إزعاج أي منهما الآخر، وأن يقلِّل التوتر والشد والجذب بينهما، والأهم من ذلك هو تنشئة طفل سوي نفسيًّا وصحيًّا، محب للحياة، مقبل عليها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة