طفلة بعمر الثلاثين

أذكر تلك الفتاة وهي تتوسط عنقودي عنب، أحدهما ينظر إليها بحنان والآخر يمسك بيدها ليودعها قبل فوات الأوان في ذلك المكان وبنفس الزمان، ليت الكاميرا توقفت عن الدوران وأطالت البقاء بعالم الأفلام وسط الحلم والهيام، بفستاني الأحمر وضفائري المنسدلة على كتفي وخاتمي، وبعض من الأساور التي تزين يدي، لأمسك بها كف قمري الذي يضيء عتمة ليلي.

كان هذا العيد مميزاً عن كل عيد لي معه، لبست ما اشتهي كالعادة وأكلت من الحلوى، التي لو وزعت على قبيلة لكفتها، وامتلأت جيوبي بالنقود، حتى أضحت كخزانة دولة حديثة العهد، إن هذا العيد غريب، إنه عنقودي يحدق بي بإمعان ويشدد على يدي بمزيد من الحنان ويشتمني كعبق، ليختم به الزمان.

ودعت هذا العيد علّي احظى بما حظيت به كل عيد، ولم أكن أعلم بأن هذا آخر عيد، ودعت عنقودي وعانقته، وفي عناقي له كادت حرارة جسده أن تقتلع قلبي من أضلعه وأنفاسه، وهو يضع قبلته على خدي أحرقته وركبت الطائرة ونسيت ما عشته من مشاعر مختلطة وما إن عدت، لم أجده وابتدأ العذاب.

طرق الباب في العاشرة صباحاً، وأخبرنا بأن عنقودي بالمشفى!!، مشفى ما هو، لا أعرفه ولا أعلم عن كيفية الوصول إليه؟

باب كبير وأناس يلبسون الأبيض من الثياب، أوقفوني بعبارة يمنع دخول الأطفال، ولم أدرك من خلف هذا الباب حينما فتح ودخلت ممسكة بيد عنقودي الآخر، لأجده ملقياً على سرير بارد وغرفة بلا حياة وتلفاز، بلا صوت وتغطي جسده أسلاك وعلى فمه أنابيب!!!، أهذا عنقودي؟، أهذه ملامحه؟، لم أعرفه، وانتفض قلبي من مكانه وانصب الماء على جسدي النحيل، وسمعت صوتاً ينادي هبة؟، هبة؟، من عنقودي؟، وأمسكت بكل قوة بآخر السرير، وأشحت بوجهي عن قمري المنير، وعدتُ إلى المنزل وأنا أجر أذيال خيبتي على ما تبقى من عمري المرير، فليس هنالك أمل.

ما قاله الطبيب، أن الكبد توقف عن العمل إلا جزءً يسيراً ما الكبد؟، كيف يتوقف؟، اسئلة تدور في ذهني ولم أجد لها دليلاً.

مضى شهر وأنا وعنقودي نذهب في الصباح الباكر للمدرسة، وفي المساء نغدو للمشفی، أضحی المشفى بيتي الثاني، وأصبحت أحفظ الطريق بكل تفاصيله حتى أن الممرضين وكل المشفی أصبحوا يعرفوني، وكنت أتلهف للقاء عنقودي والحديث معه في باحات المشفی وأنا ممسكة بيديه التي أصبحت كالجليد، لقد وخرت قواها ولكن ما زال وهج عينيه ودفئ صوته ينسيني مرارة عودتي لبيتي الكئيب، أصبح عنقودي الآخر شاحباً صامتاً، كسنديان مرت عليه كل أنواع الحريق.

بعد شهر ونصف، عاد عنقودي للبيت يا للخبر السعيد، العيد أضحى عيدين، وعادت الحياة لبيتي الكئيب، لكن لم تعد الضحكة لعنقودي ولم يشعر كف العنقودي المليء بالآهات والنحيب.

لم أكن أعرف أن للعذاب نصف ربيع آخر لم أذقه، وسيطول انتحابي على عمري البليد.

أتى العيد ولبست الجديد، وزين البيت بعنقود عنبي وحلواي وألعابي وكل شيء أريد، وخرجت ولعبت وتسامرت مع عنقودي تحت شجرة الصفصاف، وأنا أستمع إلى الوردة والماء والعصفور، وعنقود عنب أحمر شارف على الرحيل.

راحت السعادة وعادت الآلام تشاطرني فراشي الصغير، وبت أسمع مراراً، بأنه ليس هناك أمل، ولم يتبقى الكثير، لم أدرك ولم أعي، لكنني كنت أرى من بالمشفى، طول نحيبهم وحملي بلا سبب، وزرع قبلة على خدي وضمي كأنني في شخص كئيب.

مضى عام وما زلت أتجول في المشفی الكئيب، وفي كل يوم أملي ناظري من عنقودي، وأرسم قبلة على وجهه وأمضي للغريب.

في يوم ما ماص كئيب قد طرق الباب، وأسرعت لفتحه علي ألقى به الحبيب، جارنا نادى علي عنقودي، وتسللت خلسة علي أحظی بشيء من الفرح، من اللهو لقلبي العنيد، وصاحت أمي بوجهي، مات عنقودك!!

مات؟، كيف؟، وأين؟، اااه، لم أدرك ما تعني به، وبلحظة أضحى عشي مليئاً بكل غريب، وأصوات النحيب، وصيحات الأطفال من كل حدب وصوب، ولم أدرك، توقفت لبرهة، وشيء ما بقلبي قال لي أصبحت امرأة، وليس هنالك فرح ولعب، ليس هناك شيء سوى النحيب.

وجاءت اللحظة الأخيرة في يوم الثلاثاء، عند الثالثة، لبست الأسود وللمرة الأولى أرتدي بها الطرحة، وذهبت للقاء الحبيب، بل وداعه ولم أرمق سوی سيارة الإسعاف وهي تسرع لترميه وترحل من جديد.

أنزل عنقودي وهذه المرة على سرير وليس به نفس، ولجسده رائحة كمسك كورد لا أدري، وحملوه وبسرعة البرق في حفرة ضيقة وضعوه، لم أودعه ولم أقبله، ما هذا الشيء؟، لم أشعر بشيء سوی ما كان يغطي أبي من غطاء أبيض، وأنا أحمله وأُهرول لعنقودي الأخضر، وأرتمي بحضنها، ولم أفق إلا في اليوم التالي.

ذهبت ومرت الأيام، وأنا أنتظر لقائك خلف الباب وأجفاني لم تذق طعم النوم، وأری محياك يفتح الباب بكل ليلة وتهديني قبلة، وأذهب ورائك للباب ولا أراك إلا سراباً، وأنتظر بالباب لأفاجئك بقولنا في نفس اللحظة "عمري"، وتأخذني بحضنك وأشتم عبقك، من سبع سنوات لطفلة بعمر الثلاثين أنتظر مجيئك.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

أمل الجحي - Apr 13, 2021 - أضف ردا

إن قرائتي لبضع اسطرك هذه جعلتني أعيش الحالة نفسها وأتخيل نفسي مكان الطفلة كم هو صعب المرور من هذه التجربة والأصعب توثيقها. شكرا.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
May 11, 2021 - معاوية الذهبي
May 10, 2021 - ALHAMAIONY #الهمايوني