«طريقة عمل الكشك».. لكل زرعٍ حصاد ولكل شعبٍ عادة ولكل عادةٍ أوان

بسم الله الرحمن الرحيم، يسعدني في هذه اللحظات أن أفتتح مقالي هذا بكلمة الحق والصدق.

لكل زرعٍ حصاد، ولكل شعبٍ عادة، ولكل عادةٍ أوان. فمِنها المحمود، ومِنها المذموم، ومِنها المحايد.

وها نحن بصدد واحدة من أهم عادات إقليم شمال الصعيد، ولا نعلم على وجه التحديد متى ظهرَتْ، ومَن ابتكرها، وأظن ألَّا أحد يعلم ذلك، فكل ما نعلمه أنَّها طوَت خلفها أجيالًا لا يعلم عددها إلَّا الله، وهي تَمضي بثبات، وكلَّما تمرَّدَ عليها بعض أصحاب التطور والرُّقي، وجَدَت لها أنصارًا وأتباعًا مُخلصين في كل زمان ومكان يذودون عنها، ويدافعون بكل ما أُوتُوا من قوَّة، محاولين أن يُلبسوها ثوب التطور بكل ما تناله أيديهم: من الآلات والأفكار الحديثة.

وهذه الظاهرة هي ما تُعرَف في عُرْفِنا بمُسمَّى (الكِشْك).

اقرأ أيضًا: تعرف على الكشك الصعيدي ومراحل عمله

ففي هذا المَقال سنُسلِّط الضوء على المراحل التي يمر بها هذا المُكَوَّن، تابعُ معنا:

الكِشْك يتكون من عُنصرَين رَئيسين: القمح، واللَّبن الحامض، وكل منهما له مراحل، وعند مَزْجهما مراحل أُخرى.

العنصر الأول: اللَّبن: فهذا اللَّبن يُعد بعناية شديدة، ودقة عالية، حيث تستغرق المدة التي تُعد فيها الكمية المطلوبة عامًا أو أكثر، على حسب نَتاج الماشية، والتي تقوم على إعداد هذا هي ربة المنزل.

فأولا تأتي بزير من الفخَّار، وتضعه في أبعد وأنظف نقطة في المنزل، وتعتني به كما تعتني بأحد أبنائها، تضع أولًا في قاعه كميَّة من الملح الخشن، ثم بعد ذلك تأتي كل يوم بعد ما تُخرج اللَّبن من ماشيتها وتَخضُّه؛ لتُخرج الزُبد منه، والَّذي يتبقى من اللَّبن بعد إخراج الزُبد تضعه في الزير، وتظل هكذا إلى أن يَصير اللَّبن كالجُبن، أو هو أثقل.

فمتى اكتمل الزير يكون جاهزًا لإعداد الكِشْك، وقد يكون هناك أكثر من زير، فبعضها لحاجة المنزل، وبعضها للبيع؛ لأنَّ ليسَ كل الناس يصنعون هذا اللَّبن، فقط مَن يمتلكون الماشية.

اقرأ أيضًا: الصعيد المصري الذي شوَّهته الدرما

بعد ذلك تأتي الزبائن؛ للشراء: فبعضهم لا يُعجبه السعر، والآخر لا يُعجبه الطعم، إلى أن يأخذه صاحب النصيب، وبالطبع يأخذ اللَّبن فقط لا بالزير الفخَّار. وبعد إخراج اللَّبن من موضعه سواء عند مَن اشتراه، أو مَن صنعه، يضعونه في أكياس من القماش؛ ليُصَفَّ، لأنَّه قد يكون مملَّحًا، أو فيه بعض المرارة، فيُوضَع في هذه الأكياس وتُغْلَق بإحكام، وتُوضع على ألواح خشبيَّة، وتظل هكذا بضعة أيام، كل يوم تُفتَح ويُصَب بداخلها الماء النظيف وبعض الملح، وتُغْسَل من الخارج، إلى أن يُصَفَّى من كل الشوائب. هنا نترك اللَّبن عند هذه المرحلة، وننتقل إلى العنصر الآخر، وهو (القمح).

فبالنسبة للقمح: أولًا: تُحْضَر الكميَّة المطلوبة لكل بيت على حسب الاستهلاك، وعلى أساسها تُقَدر كمية اللَّبن، فيُنقح ويُنَظَّف جيدًا، ثم يُسْلَق حتى يصير "بليلة"، ثم يُنشَر في الشمس حتى يجف، ثم يُؤخَذ لِيُدَش، والدَّش هذا يعني التكسير، ليسَ الطحن، ثم بعد ما يُدَش تُنْفَخ منه القشرة، ثم بعد ذلك يكون جاهزًا للمزج.

هنا نقطةُ اللِّقاء، فبعد ما انتهينا من إعداد القمح، نرجع إلى اللَّبن الذي تركناه في الأكياس القماشيَّة، ونأخذه ونُذيبه في الماء حتى يكون مائعًا قليلًا، ثم نَخْلط عليه القمح الذي صارَ "دَشيشة" كما تُسَمَّى في عُرفِنا، حتى يتشرَّب القمح باللَّبن، ثم نتركه بضع ساعات، ثم نرجع إليه ونقوم بِفَلِّه من بعضه، ثم بعد ذلك يُعد له غُرفة من أدفأ غُرَف البيت، ويُعَد له فراش كثيف جدًا، وبعض الناس يضعون تحت الفراش تبنًا، فهذه الغُرفة تكون أشبه بحَضَّانة البيض.

ثم يسهرون أمامه؛ لكي لا يختمر أكثر من اللَّازم، وكل مدة ينظرونه، حتى يفور، ويُصبح كما يُسَمَّى "بالحَم".

ثم يأتي بعد ذلك دور أصحاب السواعد القويَّة، يأتون من أجل مَلْك هذا الحم، يقعد الرجل أمام وعاء مُتسع فيه كمية من الحَم، ثم يعجن في ذلك الحَم بكل ما أُتي من قوَّة، ويكون بجانبه بعض اللَّبن المائع الَّذي تَبقَّى من اللَّبن الحامض، يَصب ويَملك، حتى يصير الحَم عجينًا.

انتهت مهمة الرجال. وقد ظهرَت حديثًا مكينة للمَلْك تحل محل الرجال وتُنجز.

اقرأ أيضًا: رحلة في صعيد مصر وأفضل الأماكن السياحية فيها

ثم بعد ذلك تأتي مرحلة التكوير التي تُسَمَّى "بالبعرمة" أي التكوير، تأتي النساء من كل فَجٍّ عميق لأجل هذه المرحلة، وتُوزع المهام عليهن: فمنهن مَن يعمل في التَكوير، ومِنهن مَن يُقطِّع القطع التي سَتُكَوَّر، ومِنهن مَن يصعد إلى سطح البيت لنشر الكِشْك الذي تَمَّ تكويره على المفارش النظيفة، ومِنهن مَن يطهو الطعام، إلى أن ينتهي العجين. ويستغرقون في ذلك يومًا أو بعض يوم، أو أكثر، على حسب الكميَّة.

ثم يظل الكِشْك في الشمس إلى أن يجف، قد يستغرق بضعة أيام أو أكثر على حسب حرارة الشمس، فيُغطَّى لَيلًا، ويُكشَف نهارًا؛ لاتقاء دواب اللَّيل، ثم بعد ذلك يُجمع، ويُوَزَّع منه على الجيران والأقارب، والباقي يُخَزَّن لقوت البيت.

 ومكان التخزين قديما كان يُوضَع فيما يُسمَّى "بالصَومعة"، وهي أشبه بالزير، ولكنَّها ليست من الفَخَّار، فالقليل مَن يملكون هذه الصوامع هذه الأيام، يضعونه في أغلِفة من البلاستيك.

ومع العلم أنَّ أي شخص وضع يده في عمله طوال تلك المراحل أو بعضها، فلا يُمكنه أن يضع يده في عمل إلَّا بعد غسل يده بصَابون بدون رائحة.

وأخيرًا صار بين أيدينا مُكَوَّن خالٍ تمامًا من الدسم، فاللَّبن طُرِحَت منه الزُبد التي هي خيره، والقمح أيضًا نُزِعَ منه النشا، فهو مناسب جدًا للذين يُريدون تخفيف الوزن. وفي النهاية يُؤكَل بكل سهولة.

كل كِشْك وأنْتم بخير.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة