نبوءة طريفة الخير وسقوط سد مأرب بين الأسطورة والعبرة

في قديم الزمان، كانت مملكة سبأ تُعدُّ من أعظم الممالك التي عرفها التاريخ، بل قيل إنها كانت الجنة على الأرض، حيث انتشرت فيها البساتين والخيرات، وأنهار العسل، وأشجار الفاكهة التي لا مثيل لها. 

ومن بين عجائب هذه المملكة كان سد مأرب، ذلك الصرح العظيم الذي حوَّل الصحراء إلى جنان خضراء، وجعل سبأ مملكة لا تُضاهى في ثرائها وعظمتها. لكن وراء هذا الرخاء كانت هناك قصة تحذيرية، قصة تُروى عن الكاهنة طريفة الخير التي رأت في منامها نبوءةً غريبة تنذر بدمار المملكة، فهل كان يمكن إنقاذ سبأ قبل فوات الأوان؟  

الرؤيا المفزعة ونذر الدمار  

ذات ليلة، رأت طريفة الخير، كاهنة الملك عمرو بن عامر، حلمًا مرعبًا: سحابة سوداء عظيمة تغشى المملكة كلها، فإذا بالبرق يضرب كل شيء في طريقه، فيحترق ويتهدم، حتى انهارت المدينة بِرُمَّتها. استيقظت طريفة مذعورة، وعرفت أن هذا الحلم ليس أضغاث أحلام، بل إنه إنذار إلهي باقتراب كارثة عظيمة.

طريفة الخير كاهنة الملك

وفي طريقها إلى القصر، لاحظت علامات غريبة: يرابيع صغيرة تغطي أعينها كأنها تختبئ من شيء مخيف، وسلحفاة مقلوبة على ظهرها تتعذب، وأشجار النخيل تميل دون ريح، وكأنها تئن من ألم قادم. كل هذه العلامات جعلتها تُسرع إلى الملك وتنقل له تحذيرها: «إن الشجر لتالف، وسيعود الماء لما كان في الدهر السالف!».  

الملك والحيرة والجرذ الذي حفر السد  

استغرب الملك عمرو بن عامر من كلام طريفة، لكنها أقسمت له بأن الكارثة قادمة لا محالة، وأخبرته أن العلامة الأخيرة ستكون رؤية جرذٍ عظيم يحفر في السد. فذهب الملك بنفسه إلى السد، وإذا به يرى جرذًا ضخمًا يحفر بقوة حتى يكاد يقلب الصخور! عندها أيقن أن نبوءة طريفة صادقة.

وحين سألها عن موعد الكارثة، أجابته بأنها ستقع قبل سبع سنين، لكنها لا تعرف اليوم بالضبط. وفي تلك الليلة، حلم الملك نفسه برؤية سيل العرم، وأُخبر في منامه أن العلامة النهائية ستكون ظهور حصى صغير في سعف النخيل. وعندما تحققت هذه العلامة، أدرك أن الهلاك قريب، فبدأ يستعد للرحيل.  

الهروب الكبير وسقوط الجنة  

أخذ الملك عمرو بن عامر عائلته وأتباعه، وبدأ يبيع أراضيه بحيلة ذكية، حتى لا يشك الناس في نيَّته بالهروب. ثم غادر سبأ مع من تبعه من القبائل، فتفرقوا في الأرض، فمنهم من ذهب إلى شمال الجزيرة العربية، ومنهم من هاجر إلى بلاد الشام وفلسطين.

وبعد مدة قصيرة، انفجر سد مأرب تحت ضغط المياه، فجرف سيل العرم كل شيء في طريقه: القصور، والبساتين، والناس الذين بقوا. وتحولت جنات سبأ المورقة إلى أرض قاحلة، وكأن نارًا قد اجتاحتها. وهكذا تحققت نبوءة طريفة الخير، ونجا أولئك الذين آمنوا بالتحذير واتخذوا الاحتياطات.  

انفجار سد مأرب

بين التاريخ والأسطورة والعبرة الخالدة  

على الرغم من أن القصة تحمل طابعًا أسطوريًا، فإنها تظل درسًا إنسانيًا عميقًا عن عواقب الإهمال والغرور. فسد مأرب لم ينهر بين ليلة وضحاها، بل كان نتيجة تراكمية لفساد الحكام وإهمال الصيانة. أما نبوءة طريفة، فتعلمنا أن العلامات الصغيرة قد تكون إنذارًا لأخطار كبرى، وأن الحكيم هو من ينتبه إليها قبل فوات الأوان.

ولا تزال قصة سقوط سبأ تتردد في التراث العربي والإسلامي، ليس فقط بوصفها ذكرى لمملكة عظيمة زالت، بل أيضًا كـتحذير من أن كل حضارة، مهما بلغت قوتها، يمكن أن تنهار إذا غرَّها الرخاء ونسيت العدل.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.