في سعينا الدؤوب نحو فهم أنفسنا واستيعاب الكون الموضوعي من حولنا، نجد أن العقل البشري يسلك مسارات متباينة تلخصها الطبيعة في سلوك ثلاث حشرات.
إن التفكير الإنساني في جوهره لا يخرج عن كونه محاكاة إما لـ «العنكبوت»، أو «النملة»، أو «النحلة». هذا التقسيم الفلسفي العميق الذي أشار إليه الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون، ليس تشبيهًا مجازيًا، بل هو مرآة تظهر أنظمتنا الفكرية؛ فتتأرجح المعرفة البشرية بين العقلانيّة والانعزالية المطلقة، وبين التجريبية والإمبريقية التراكمية، وصولًا إلى المنهج الأنقى والأكثر نضجًا وهو «منهج النحلة» الذي يمثل قمة الإبداع والابتكار.
المناهج الثلاثة للتفكير البشري: بين جمود الدوغمائية وتراكم التجريبية
في سعينا نحو فهم أنفسنا وفهم الكون الموضوعي من حولنا، فإن الإنسان يقلد إحدى هذه الحشرات الثلاث: «العنكبوت، النملة، النحلة».
فنجد العنكبوت تمثل العقلانية والانعزالية المتولدة عن الفكر المحض؛ لأنها تعتمد فقط على الداخل باتكالها على نفسها، ولا تستند إلى ما هو في الخارج، فتنسج بيتها من مادتها، ولا تستعين بمن هم حولها، وهذا الذي يجعل بيتها واهنًا وحياتها هشة.
وهذا هو النوع الأول، وهو الشخص الدوغمائي، حيث يكون متزمتًا لمبدأ ما أو فكرة ما من غير وجود أدلة كافية، فيكون منطويًا على أفكاره ومعتقداته الخاصة التي تنطلق من ذاته وعمقه الداخلي، منعزلًا عن الواقع والمراجع الخارجية.
أما النملة فهي تمثل المنطقية والتجريبية المرتكزة على جمع التجارب كما هي، ولا تلحقها أو تتممها بأشياء جديدة، أو تعتاض بها حاجات أخرى، فهي تعتمد فقط على الخارج، وتبحث وتجمع طعامها ثم تكدسه وتستهلكه، وهذا هو النوع الثاني، وهو الشخص الإمبريقي، يبحث البحث الدؤوب والاستقراء، ثم يجمع الدلائل التراكمية ويجربها كما هي، دون أن يستبدلها أو يضيف عليها ليخرج بمعطيات جديدة.
أما النحلة فهي النموذج الأمثل للتفكير الإنساني؛ لأنها تسير مسارًا متوسطًا تعتمد فيه على الداخل والخارج معًا، حيث إنها تتنقل في الفضاء من زهرة إلى أخرى، وتجمع ما أخذته في داخلها من رحيق، ولكنها لا تكتفي بتكديسه، بل تمزجه وتضع بصمتها الإبداعية والابتكارية ليتخلق لنا عسل لذيذ ونافع وشفاء للناس.
إنني أعتقد أن التفكير الإنساني يسلك مسالك هذه الحشرات الثلاث، إما العنكبوت وإما النملة وإما النحلة، لكني أجد أن معظم طرق اشتغال العقل الإنساني محصورة ما بين «العنكبوت أو النملة» فقط.
وبذلك نستنتج أننا أمام نوعين من الأنظمة والنماذج الفكرية: إما التعصب والجمود الفكري، أو معرفة مقصورة ومكدسة، وهذا هو سبب سطحية الفكر الإنساني أنه لا يصدر عنه الإبداع! ولقد تحدث الفيلسوف الإنجليزي «فرانسيس بيكون» أن الفيلسوف إما كالعنكبوت، وإما كالنملة، وإما كالنحلة.

سيكولوجية الحشرات في القرآن الكريم والفلسفة الحديثة
ولا عجب أن الله سبحانه ذكر في مصحفنا ثلاث سور باسم هذه الحشرات الثلاث: «سورة العنكبوت، وسورة النمل، وسورة النحل» التي تمثل بالنسبة لي الفلسفة الحقيقية نحو فهم أنفسنا وسعينا في فهم الوجود الموضوعي من حولنا.
لأن نهج البشر له علاقة بها، فالعنكبوت تمثل الانحباس المعرفي واستخلاصه من الذات فقط، والنملة تمثل التراكم المعلوماتي الكفيف، في حين النحلة تمثل المنهج الأفضل وفق حشد الأدلة من الطبيعة وإنتاج معرفة ناجعة.
ولقد جاء في كتاب ربنا الكريم قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ﴾، ثم جاء في ختامها قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ وهي حث على التأمل العميق في سلوك النحل، الذي تبين أنه يصدر ذبذبات لتحفيز الأعضاء المتثاقلين على العمل عبر عملية هندسية بالغة الدقة تعتمد على استهلاك الشمع بحكمة متناهية، لبناء أكبر عدد من الغرف على شكل هندسي سداسي بزاوية دقيقة تبلغ 120 درجة تحديدًا لتخزين العسل المخلق.
بين غريزة النحلة ووعي الإنسان: الفارق الحقيقي في البناء والإبداع
مع العلم أن التفكير الإنساني يتفوق على سلوك النحل بأنه يبني في خياله قبل أن ينقل هذا البناء إلى حيز الوجود، في حين النحل يفعل ذلك غريزيًا، وهذا هو الفارق الحقيقي بين الإنسان والحيوان، مع وجود تشابه ظاهري في التنظيم والبناء الهندسي.
ولقد وصف الفيلسوف الشهير «كارل ماركس» هذا التباين قائلًا: «إن النحلة تخجل ببنيتها المعمارية كثيرًا من المهندسين، ولكن ما يميز أسوأ مهندس بشري عن أفضل نحلة، هو أن المهندس يبني المبنى في خياله قبل أن يبنيه في الواقع».
لذلك.. إن فشلت في أن تكون إنسانًا فكن كالنحلة في الأقل في مؤسسة اجتماعية منظمة، تؤدي مهمتك المتزامنة مع جميع المهام للوصول لأفضل وأجود أنواع العسل.
ولكن تذكر أن حياة النحل لم تتغير منذ آلاف السنين، فهي تبني الخلية بالطريقة نفسها منذ أن خلقها الله سبحانه، في حين الإنسان نجح في أن يبني برج تورليتيس في عرض البحر!
في الختام، يتبين لنا أن الوجود الإنساني يتأرجح بين الغريزة والوعي، وبين الثبات والتطور. إن تميز الإنسان الحقيقي -كما عبر كارل ماركس- يكمن في قدرته على صياغة وبناء أفكاره في خياله أولًا قبل تحويلها إلى واقع ملموس، وهو ما يمنحنا القدرة على التطوير المستمر وتشييد المعجزات الهندسية كـ «برج تورليتيس» في عرض البحر، في حين يظل النحل أسيرًا لغريزته الهندسية الثابتة منذ آلاف السنين.
وإذا كان التدبر في آيات الله يدعونا للتفكر في هذا النظام الدقيق، فإن الرسالة الأهم هي ألا نسجن عقولنا في انحباس العنكبوت، ولا نغرق في تكديس النمل الكفيف.
شاركونا آراءكم في التعليقات بعد قراءتكم للمقال: أي من المناهج الثلاثة تشعرون أنه يمثل طريقة تفكيركم الحالية؟ وكيف يمكننا تحويل مجتمعاتنا ومؤسساتنا لتصبح خلايا نحل تنتج الإبداع والمعرفة النافعة؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.