ضميرك الغائب


دخل " مروان " إلى شقته ليلاً في وقت متأخر، وهو يدندن ببعض الموسيقى، ومزاجه بحالة جيدة للغاية، توقّف للحظات يتساءل بينه وبين ذاته عن سبب ذلك الظلام الذي يغزو أركان الردهة، بتلقائية أنار الضوء وهو يكمل تلك المعزوفة التي تصدر من فمه، تفاجأ حينما وجد زوجته تجلس وحدها وهي التي تخاف الظلام أكثر من أي شيء، تحرّك سريعاً نحوها، بلهفة واضحة سألها:

- سلمى! لماذا تجلسين هكذا؟ ما بك حبيبتي؟ قلق قلبي كثيراً، هل حدث لكِ مكروه؟

فرّت دمعة هاربة من مقلتها لتهبط على وجنتها معلنة له عن أذًى حقيقي تتعرّض له زوجته، اقترب منها بسرعة ليجلس بجوارها، أحاطها بيديه محاولاً أن يضمّها إلى صدره، هبّت واقفة وهي تزيحه من جوارها بحزن، غمغمت بصوت ضعيف:

أتعلم؟ كلّما حاول عقلي أن يستجمع الأمر تشتّت أكثر فأكثر، كيف لك أن تكون بارعاً في التمثيل هكذا؟

ضيّق ما بين حاجبيه بعدم فهم، نهض ليحاذيها في وقفتها، قال بتساؤل:

- ماذا تقصدين؟ هلّا تحدثتِ بشكل أوضح على الأرجح هنالك سوء فهم أو شيء حدث دون قصد مني!

- كفّ عن ذلك، يكفيك خداع ومراوغة، أنا أعلم كل شيء، وليس الآن فقط، مروان انا أعلم منذ فترة، لكن أعلن قلبي العصيان على عقلي وتفكيري، مازال يخبرني أن للقصة بقية.

- سلمى، أنا حقّاً لا أفهم ما تقصدين أبداً، من فضلكِ قومي بالتوضيح.

تنهدت بحسرة قبل أن تقول بانكسار:

- فقط أخبرني كيف يكون قلبك ملكاً لها ولي في الوقت ذاته؟ كلّما نظرت إليك أودّ كثيراً معرفة الإجابة، تأخذني بين أحضانك، ويتفوّه فمك بمعسول الكلام، كلّ ليلة تعمل جاهداً على إسعادي، لم يتغيّر بك أي شيء، كيف لك أن تكون هكذا؟ ليتك تركتني وذهبت إليها، لكنّك ما زلت هنا بيني وبينها، وهذا هو الجرح الذي شقّ قلبي نصفين، إنّك تخونني كل لحظة، وقررت أن تجعلني أعيش كالمغفلة التي تجري المياه من تحتها.

ابتلع ريقه بصعوبة، حاول أن يلمس كفّيها بهدوء علّه يستطيع أن يجعلها تسكن وتهدأ، هتف بحذر:

- ما الذي تقولينه سلمى، هل جننتِ؟ من أخبركِ بكل تلك الافتراءات، إنني حقاً بريء منها كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب.

صرخت وهي تبعد كفوفه عنها، قالت بغضب:

- كفاك! ألا تشبع يا رجل من الكذب، كذبة تلو أخرى، ألا تمل؟ لأنه كلّ ما يهمك هو من أخبرني، حسناً سأخبرك، إنها عيني التي رأتك، أذني التي سمعتك، أتحسب انهم سيضللونني؟ رأيتك ممسكاً بيديها كما تمسك بيدي تماماً، سمعتك تبثها بارق الكلمات مثلما تبثني إياها.

أغمض عينيه بقهر قبل أن يجيبها برجاء:

- أستطيع ان أحبكما بنفس القدر، لا أستطيع الاستغناء عن إحداكن، أخبريني، هل قصّرت معكِ بشيء ولو بسيط؟ ها أنا مروان الذي عهدته في الماضي والحاضر، سيّان، لم يتغيّر ما بي ولو قطرة صغيرة، وقبل قليل أخبرتني أنتِ بذلك، فما الذي يمنع إذن في أن تكون الحياة بسيطة؟ لكِ حق ولها حق، وبين هذا وذاك أنا مثلما أنا.

غصّة اجتاحت صدرها فكبّلت لسانها، استطاعت أخيراً تحرير الكلمات فقالت بتساؤل:

- أخبرني أنت، هل تقبل أن يشاركك أحدهم بي؟ هل تقبل أن أحبّ شخصاً آخر بنفس المقدار الذي أحبك به؟ أن تنظر عيناي إليه مثلما أتطلع عليك؟ أن يطلق لساني كلمات تصل إلى قلبه ومثلها إلى قلبك؟

برزت عروق رقبته، وخشن صوته وهو يصرخ بها بغضب بالغ:

- احذري من قول المزيد، وإلا كانت العواقب وخيمة، أي هراء هذا الذي تتفوهين به دون أن يمرّ على عقلك؟ هل يكون الرجل كالمرأة؟ لا يمكن بالطبع.

قاطعته بغضب أشد، وهي تنظر في عينيه مباشرة:

- يا لك من أناني متعجرف، لم تقبل الشعور المميت على نفسك بحجة رجل وامرأة، ونسيت أنه يؤلم القلوب، ذاك جرح بالغ الأثر أكان الجسد جسد رجل أو امرأة، إنه يمسّ القلوب يا عديم الشعور، هل تعلم بما كنت أشعر وأنا بين أحضانك عندما علمت بأمر تلك المرأة الأخرى أو الزوجة الثانية، لأكون واضحة مع نفسي، كنت أضع رأسي على صدرك، واستمع إلى دقاته، وأتساءل: هل يدقّ لها بنفس المقدار الذي يدق لي به؟ أنا أكون بين أحضانك شاردة، هل هي هنا معنا أم تتركها بالخارج وتخرج لالتقاطها مجدداً بعد أن تقذفني من جانبك؟ من المفترض أن أشعر بالأمان لوجودك بجواري، لكنني أشعر بتلك الوحدة تجتاحني لتخبرني بألم مميت، إنني لست الأولى أو الوحيدة لديك مثلما أنت الأول والوحيد بالنسبة لي.

سلمى...

قاطعته بصوت باكٍ:

- ليتك خيّرتني هل أقبل أم أرفض؟ ليتك تركت لي حرية القرار؟ أكره أن أكون مغفلة حمقاء يعلم جميع من حولها أنّ زوجها قام بضمّ فرد جديد لمحيطه، وأنا آخر من يعلم عن ذلك.

مثلما لم تترك لي حرية الاختيار أنا أيضاً سأفعل، لن أترك لك القرار، ولن أخيّرك بيني وبينها، لن أقول لك إمّا أنا أو هي، لن أدخل بتلك المقارنة البغيضة، هنيئاً لك يا زوجي العزيز، أتمنّى لك مزيداً من السعادة مع زوجتك الجديدة، وأنت أيضاً حاول أن تتمنى لي رجلا يتّقي الله فيّ، ويعرف قيمة ما يقتنيه بين يديه.

بقلم الكاتب


كاتبة روائية مصرية صدر لي العديد من الاعمال الالكترونية واول اعمال الورقية في معرض الكتاب 2022 ان شاء الله ابلغ من العمر 27 سنة شغوفة بالكتابة والابداع


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتبة روائية مصرية صدر لي العديد من الاعمال الالكترونية واول اعمال الورقية في معرض الكتاب 2022 ان شاء الله ابلغ من العمر 27 سنة شغوفة بالكتابة والابداع