ضريبة التفاؤل وعوائد المُعاناة!

أبلغ من العمر الآن أربعة عشر عامًا ونيف، وها أنا في أحضان الأزقة وزحمة الشوارع أجول بنظري نحو أعيُن المارّة لعلّي أجدُ فيهم مَن يشتري مني بعضًا من الليمون لآخذ بثمنه خبزًا أستمد منه قوتي.

أعلم بأن الدنيا لم تنصفني بل جعلت مني شخصًا فقد أُمه وهو لايزالُ رضيعًا.

تركتني أمي وسط أخ وحيد وأب لا يعرف للأُبوة شيئًا، كنتُ أرى أبي مرّة كلّ ثلاثة أيّام، فبعد أن تزوج ورفضت زوجته أن نسكُن معها، بات يأتي إلينا في مرّات قلائل يحمل معه بعضًا من الطعام لا يكفي لإشباع قطة.

لم يكُن لي أقارب أو لم أكُن أعرفهم؛ فوالدي دائمًا يرفُض أن يُخبرنا السبب من وراء ذلك.

بات أبي دائم الغضب، كثير الضرب وضيق الخلق، كان يؤلمنا بضرب يكسر العظم ويسيل الدم، ومِن ثُمَّ مضت فترة طويلة على غياب والدي لدرجة أننا لم نعد نذكره، آه لا يهم، فيبدو أنه غاب للأبد.

لكن يا رباه، كم تحرقني دمعتي كلما رأيت أبًا ليّن القلب يحنو على أطفاله، فأين أنا من نعيم الأب؟

كان رفيقي الوحيد هو أخي، ولأنّي لم أدخل المدرسة فكنت أتلقّى كل تعليمي منه إلى أن ترك أخي المدرسة وقرر العمل، كان أخي يعود منهكًا من عمله المُتعب الذي لطالما سعى لأجل الحصول عليه، كنتُ أرى آثار الهم تطفو فوق عينيه وتزداد يومًا بعد يوم، يوصيني دائمًا بألّا أتعب ولا أشقى، وهو سيقوم بكل شيء، كان يردد ذلك دومًا بكل أمل غير مبالٍ بصعوبة حالتنا المادية والجسدية والنفسية أيضًا.

وفي ليالي الخريف الحزين وبينما كُنا نيام سقط الحائط علينا، ولأن أخي أنقذني؛ فبُترت يدي ونجوت أنا ولكن مات أخي، لم أجد من يواسيني ويقدم العزاء لي، فما المدفون إلا كُلّي، وما المقبور إلا صبري وسعادتي، وما الموءود إلا أحلامنا وأمانينا.

رحل أخي وتركني عارِيًا في برد الحياة القارس أبحث عن دفء أخٍ رحل بلا عودة. 

فأنا اليوم بلا أم وأب وأخ، وبلا يدٍ أيضًا، أنا هنا وحدي.

يا ترى هل سيتغير الوضع أم سأبقى على حالي للأبد؟

آه، لا أدري فأقصى طموحي أن أجد لحافًا يضُمني، وطعامًا يملأ معدتي، آه رغم أنّي أملك من التفاؤل والأمل ما يكفي للعيش بسعادة طيلة الحياة، ولكنّي لازلتُ أتعثر وأصطدم بعتبات محطاتها. 

عمري الآن أربع وعشرون سنة أو ينبغي القول أربعة وعشرون وجعًا ووحشة.

ضجرُ الحياة يُضيق الخِناق فما بالك بامرئ مثلي؟

ولأني لم أجد عملًا جسديًا ينفع مع من له يدٌ واحدة مثلي، فقررت أن أُكمل تعليمي، أو إن صح القول أن أبدأ تعليمي.

وأنا اليوم طالب عِلم في الصباح وفي المساء عاملٌ متجوّل، تارة أُنظف وتارة أُلمع الأحذية وتارة نادل، رسبت مجددًا في امتحانات الشهادة الثانوية، كان يصعُب علي أن أدرس وسط مضايقات من هم أصغر سِنًا مني، ووسط الشوارع والكلاب الضّالة وبعض المتسولين، وزاد الأمر سوءًا حالتي الصحية التي تدهورت كثيرًا إثر اشتياقي للطعام ولشربة ماءٍ نقي.

لكن كان علي ألا أتخلى عن حلمي، وكان لزامًا عليّ أن أكون مُبرمجًا إلكترونيًا، فلطالما كانت أسمى أحلام الصغِر أن أمتلك لعبة إلكترونية واحدة فقط، لذلك تجاهلتُ الكثير من الكلام السلبي والمُحبط، ونظرتُ إلى الإيجابية فقط، وبعد الكثير من المحاولات الفاشلة ها أنا الآن قد نجحتُ، وبحمد لله التحقتُ بكلية الحاسوب.

ولكن، مَن أنا؟ 

أين أصلي وهويتي؟ 

يتلعثمُ لساني كلما سألني أحد عن أهلي وعشيرتي؛ بِتُّ أتجنب الساحات، وأعتزل بمفردي خوفًا من جواب عقيم، أجلس لمحاضرتي فقط ثم أُغادر الحرم الجامعي فورًا وأذهبُ للعمل.

لكن يا الله، مَن أكون أنا؟

كان على عاتقي مهمة البحث عن أصلي وقبيلتي، فمِن أين أبدأ إذن؟

أكتب هذه المذكرة وقد بلغ عمري أربعٌ وثلاثون خيبة، ها أنا ذا في غربتي، غريبٌ أتخبط بموانئ غير موانئ بلادي، غريب أجول وحدي شوارع غير شوارع بلادي؛ بلا حضن دافئ يضُمني، أو صديق صادق أشكو له همي.

كل ما أملكه في يدي الآن شهادة تخرج فقط، لكنّي فقدتُ الكثير، الكثير جدًا.

لا أحمل في جيب ذاكرتي إلا الشيء القليل من بقايا وجه أخي، و.. وهي.

أذكر ذلك اليوم الذي رفضني فيه والدُ مريم بعد أن تقدمتُ لخطبتها ثماني مرات، وكان يعلل ذلك بعدة أسباب، بعد أن يحيطني بسيل من التفسيرات والحُجج، كان لدي أمل دائمٌ بأنها سوف تكون لي، ولكنه تبخر بعد زواجها، وقتها حلّ بجوفي ذات المأتم عند وفاة أخي، وبداخلي نكس سواد الحِداد ذاته.

كانت الحياة تضيق حتى يتراءى إليّ أنها لا تسعني، رحت أجوب الشوارع بلا وجهة وبلا مأوى، قابلتُ رجلًا ودار بيننا حديث تعارفي، وصار يثني علي ويمتدحني بأسمى العبارات والتبجيلات عن قوتي وصبري وشغفي وإيماني، كان يبدو عليه أنه رجل صالح، لكنّي لم أكترث لما حدث في ليلة التعارف؛ فلحظات التعارف لن تكشف لك إلا جُزءًا بسيطًا من شخصياتهم، عرض عليّ العمل معه على شراكة ثم نقتسِمُها فيما بيننا، لكنه فرّ وهرب كحال كل مُجرم خادع.

أما عن أمر عشيرتي وأهلي فشاءت الأقدار أن أجدهم، ولكن بعد أن حلّ الجفاء وقُطعت أواصر المحبة، لم يحزنني الله يومًا، ولكنّها الدنيا جعلتني اليوم في مكان غريب أغترب.

أربعون عامًا، يا له من رقم هائل، ولكن الإنجاز عظيم وكرَم الله أعظم، أقوم الآن بفتح فروع لشركتي في أماكن متعددة.

فبعد أن أنهيتُ الدراسات العُليا في عِلم تقنية المعلومات، بدأتُ بإنشاء شركتي الخاصّة، فشلتُ ثلاث مرّات في إنشائها، ولكنّي في المرّة الرابعة نجحت وكان النجاح عالميًا.

لم يكن الأمر سهلًا، ولكن بالصبر والكفاح سهُل، وأيقنت أن سر النجاح هو الثباتُ على الهدف، واستخلاص العبر من الفشل، وتأكدت أن الإخفاق بشرف خير من النجاح بفشل.

أما عن خوفي فقد كسّرتُ حواجز الخوف والرهبة من الناس وحواراتهم اللانهائية، وصرت أتحدث عن حياتي مرفوع الرأس بلا خجل أو ذلة، وصرت محاضرًا مؤثرًا لدى كثير من المنصات العالمية.

أما يدي فقد تأقلمتُ بالعيش معها وعند الضرورة أرتدي يدًا صناعية صممتُها خصيصًا لي، أما قلبي فقد فاضت ضفافه أنهارًا وأزهر بها كل ما بداخلي؛ فبمُعجزة ما تطلّقت مريم، ووافق والدها على زواجنا، فسُبحان الذي بقُدرته قد لان قلبه واستحال كل ما كان يحمله من رفضٍ إلى قُبول ومحبة، فبعد سنين عِجاف ها نحن الآن والِدان لمُحمد وفاطِمة.

بقلم الكاتب


أبحثُ عن نّصٍ يأوينِي، عن حُروف تجعلُني اتنفسُ من جَديد!


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

أبحثُ عن نّصٍ يأوينِي، عن حُروف تجعلُني اتنفسُ من جَديد!