كان يتسكّع في الطُّرُقات ليلًا، ينبش القمامة كقطٍّ جائع، ويفترش الرصيف ككلاب الشوارع. أهذا مَن كان يعدّه الناسُ من أعقلِ البشر؟ وقد تنبّأ له الكثيرون بمستقبلٍ باهر! ماذا حدث له؟ كيف حداه الشيطانُ إلى هذا المصير البائس؟
لا شيء ينتكس فجأةً أو مصادفةً؛ إنّها البذرة التي غرستها في أعماقك، ورويتها بمائك، وهذا طرحُك، وهذه ثمارُك.
الأمُّ امرأةٌ متسلّطةٌ تعشقُ المادة، والأبُ مقامرٌ منبطحٌ.
البيئةُ موسومةٌ بالوباءِ والعار؛ حتى الشيطانُ يستعيذ قبل الخوض في شوارعها. أهلُها منبوذون، كيهودِ أوروبا، أو كأنّها مستعمرةٌ للجُذامى.
وكما أنّ الخيرَ درجاتٌ، فإنّ الشرَّ دركاتٌ؛ فهناك شريرٌ يُحترم أو يُهاب، وهناك من دسَّ نفسَه في أسفلِ سافلين من القذارة، فخسر كلَّ شيء: لا مالَ، ولا صحّةَ، ولا علمَ، ولا عقلَ، ولا أدبَ، ولا احترامَ الناس، ولا حتى تعاطفَهم. هو فقط مثيرٌ للاشمئزاز. أولئك الذين وهبوا أنفسهم لإبليسَ من غير ثمن، فجعلهم تحت أقدامه، ينتعلهم في مستنقع أوساخه.

تربّى في بيت أبيه، صاحبِ المقهى البلدي، وهذا ما يفسّر حاله؛ إذ كان الأب يدير المكان وكرًا للقمار، فصار مرتعًا للفسقة والفجرة والمشرّدين والمنبوذين. رافق والده زمنًا، كونه الابن الأكبر، فنهل من ذلك المستنقع الآسن، وملأ رئتيه بدخان المخدّرات صبيًّا.
ولمّا شبّ، كان من الطبيعي—كعادة أقرانه وأضرابه—أن يتقلّد لقب “الأسطى ابن المعلم” بصيغته الشيطانية؛ فشرب الحشيش صار من شيم “الكبار”، لا ضير ولا عيب. وما كانت تخفيه جدران الستر أنّ المعلم وأبناءه ما هم إلا حلقة في خنصر امرأةٍ نهمةٍ للمال والجنس؛ تتزيّن بالمال، وتكسر بعلها—أو قل: تُذلّه—لعجزه عن تلبية احتياجاتها، فانسحق تحت كعب حذائها.
وخرج المولود على شاكلة أبيه: قارورةً شفافةً هشّة، ملأتها تلك “الرّبّة الجبّارة” بعُكر طباعها.
ومع أوّل محاولةٍ للهروب، أراد الصبيّ أن يمتهن غير مهنة أبيه، لعلّه يتخلّص من رِمّة الأمّ المعلّقة بعنقه، ولكن هيهات؛ كان الزمام محكمًا، والقبضة مشدودة: “الإرث إرثي، وأنت وروحك ملكي”.
ومع احتكاكه بعالمٍ غير عالم القضبان الإسمنتية، بعيدًا عن صخب المقامرين، لم تكن صدمةً واحدة، بل صدمات؛ ففي عالمٍ يكون فيه الرجال رجالًا، والنساء نساءً، تصدّع عقله بين أن يكون كما يحكي الناس، أو كما جُبل وطُبع. فكان الدخان يعرف طريقه إليه؛ يدسّه في جوفه لا في صدره، ويزفر صراعاتٍ دفينةً مع كل شهيق.
ومع اتّساع رقعة الفساد، وتنوّع المغيّبات، لجأ إلى كلّ جديد، لعلّه يجد المُسكِر الذي يُنسيه آلامه الدفينة، عساه يُخرج هذا الدخان يومًا كلماتٍ تنقذه من كفّ الظلام. ولكن هيهات؛ فالظلام لا يُمحى بالظلام.
بلغ الصبي مبلغ الرجال، وحان وقت الظهور كما يظهر أبوه “السيد”. تكفّلت الربّة الجبّارة باختيار شريكة حياته؛ فاختارت فتاةً جميلةً، رقيقةً، ضعيفةً، يتيمةً، عانت وذاقت الأمرّين.
صبرت، ثم ملّت.
وكان المسخ الذي بدا عليه أمارةُ الضياع ممزّقًا بين جحيمين: أن يظهر كما يظنّ الناس، أو يستكين لحدّ السكين.
اتّسعت رئتاه أكثر، وتعاطى أكثر، حتى سطع في سماء الضياع نجمٌ جديد: “الشابو”. ليس مخدّرًا، بل مُدمّر؛ جرعةٌ بلا إفاقة، يسبح فيها الغارقون في تيار الضياع الأبدي، خلف حدود المعقول، في تيه الأوهام، وعالمٍ منسوجٍ من خيوط الأوجاع.
رحلةٌ ذهابٌ بلا إياب.
لفافةٌ كأنّها رأسُ نوويّ، تُبيد الأرواح المعذّبة، وتُغرق غيرها في العذاب؛ لا تُبقي من الإنسان إلا صورةً باهتةً، لا تستبينها العين—بقايا كائنٍ كان يومًا هنا.
مسخَت الربّة الجبّارة صبيّها، وبدّد “الشابو” ما تبقّى منه، حتى صار كالغبار في مهب الرياح. ضاقت به نفسه، ووسِعته الشوارع؛ كأنّما وُلد إنسانًا، ثم مُسخ كلبًا أجرب، يعافه النسيم والنور.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.