الأفكار هي بمثابة البوصلة، والتي يستخدمها الإنسان لتصحيح مسار حياته، ولذلك أسلوب الفكر هو ما يحدّد سعادة أمّة أو شقاوتها، ووجودها أو اندثارها، وهو أيضًا ما يحدّد سلوكها وعاداتها وأفعالها.
الفكر هو ما يتولّد من أمر ما أو من أمور متنوعة أو أحداث لها أثر إيجابياتها وسلبياتها في حياة الإنسان. الإنسان هو ذلك الكائن الذي يتأثّر بمحيطه الذي يعيش فيه، وهناك توجد بؤرة التكوين لأفكاره ونشأتها. ونظرًا لتأثير البيئة على فكر الإنسان، فإنه مهما يفكّر بطريقة إيجابية فحياته تبدأ تنتعش وتحلو، ويكتسب بأسلوبه الفكريّ الجيّد مكانة ملموسة في مجتمعه، حيث يكون لأفكاره تأثير بالغ وقابلية للتطبيق في سياق التقدّم للمجتمع والبيئة، ولذا الأسلوب الفكريّ بطريقة إيجابية هو العمود الفقريّ لازدهار الحياة والأمة بأكملها.
وخير دليل على ذلك بأن اليابان نهضت وقامت من تحت الأنقاض والرّماد بعد ضرب هيروشيما وناجازاكي بالقنبلة النووية في الحرب العالمية الثانية، حيث تمّ تدمير كلّ شيء وتسويته على الأرض في حياة الإنسان الياباني، ولم تكن حيلة أمامه لمواصلة عيشه إلا أن الحياة الياباني لم تزل نابضة بالأمل، حيث أصحاب الفكر الرائد اجتمعوا على طاولة الطوارئ لإيجاد حلول للكارثة العالقة أمامهم، فتبنوا أفكارهم ونفضوا الغبار عن وجه الحياة حتى أصبحت اليابان من ضمن الدول المتقدّمة في صدارة القائمة اقتصاديًا وتكنولوجيًا. وعلى هذا الأساس فإن المجتمع الذي يتمتع بالتكافل والمشاركة في طرح الآراء والأفكار البناءة يحقق نجاحًا باهرًا في مناحي الحياة.
والسؤال الذي لا يزال في ذاكرتي هو: إلى متى يكون الإنسان ضحية لأفكاره؟!
فهيّا بنا لنعود لحظة إلى الوراء، حيث كان الاستعمار الأوروبي يتغلغل إلى كل الأراضي الخصبة لاستغلال ثرواتها ونهب خيراتها بفوهة البندقية. وعلى مر الزمن والعالم ينفتح لبعضه البعض بفضل التقدُّم التكنولوجيّ، علم الاستعمار أن البندقية لا تسمن ولا تغني من جوع، حيث الوسائل للإعلام، والتنقل، تسيطر تدريجيًا على ساحة الوعي والاتصال.
بعد ذلك بدأ يخطط لإرساء ومواصلة خططه النهبية والاستغلالية لضمان خبز العيش. ففطن الاستعمار إلى أن الأفكار أحدًّ من السيف وتهب مهب الرياح وتجعل الناس يقظين للحياة ورغد العيش، ومن هنا قرَّر على محاربة الأفكار لتضليل رأي الشباب وتجميد هممهم في الفكر الإبداعي من أي تحرّك تجاه مسار حياتهم عبر الغزو الفكريّ، وجعلهم أيضًا يندمجون في سفاسف الأمور من إهدار الأوقات في المراقص والملاهي لإظهار ما يسمونه بالمواهب من أمثال عرب أيدول. وهذا أثر وسائل الإعلام والتي لعبت دورًا بارزًا في ترسيخ الهوية الإسلامية لخدمة مصالحها، ولتنكيس أي راية نهضوية على أيدي العملاء من أبناء جلدتنا.
والجدير بالذكر، أن ثورة فكرية لمطالبة التغيير من شعب ما لا يمكن أن تنهض ما لم تنهض لاتجاه السلطة وموكليها. وفي حال تندلع الحروب في دولة من العالم الشرقي تتحوّل مصرعًا للدول العظمى ومختبرًا للأسلحة والأدوية، فعلى سبيل المثال حين كان الفيروس كورونا قد عمّ أرجاء العالم وحصد أرواح الملايين من البشر، أصبحت الحاجة ملحة لإيجاد لقاح لهذا الفيروس والحدّ من انتشاره تقدّمت فرنسا بفكرة تتمثّل في أنه لا بدّ من تجربة فعالية اللقاح على المجتمع الإفريقيّ.
ولذا تصبح الأمة ضحايا لأفكار قادتها والأوطان خاوية على عروشها، حيث يكون الفساد، والحروب، والجوع، والقحط، والتقميع، والتشريد، والتطبيع العلني مع الكيان الصهيوني سيّد الموقف. وهو ما جعل المستبد متوجًا من قبل وكلاء لا من شعبه، ممّا أدّى إلى تهجير الأدمغة المبدعة من الديار فرارًا من قبضة وقفص المستبد إلى أجواء يتعاطى فيها حرية الفكر والإبداع والابتكار، وبالتّالي تستفيد دول المهجر من فيض قلم هذه الأدمغة وفكرتها وموهبتها والتي يمكن من خلالها أن تحول الجرداء إلى طبيعة خلّابة تتنهد فيها الحياة وتنبت زهرة الأمل. هكذا يكون مصير أمّة بأكملها لا ترتاد أفكار قادتها إلى سيادة الدستور والوطن والشعب إيمانًا منها البقاء على كرسي الحكم. كل هذا نتيجة لمزاولة أفكار سلبية سواء استبدادية وأخلاقية ممّا جعل الأمة في انتكاستها وسباتها.
ولعلّ من بين العوامل التي تؤثر سلبًا على المجتمع وروّاده أسلوب التربية والتفكير للناشئة، لأن التربية تُعدّ تمهيدًا لمستقبل الأجيال حيث يكون تأثير الوالدين فعالًا في أسلوب تفكيرها بطريقة إيجابية أو سلبية، ولهذا تتكون حياة الإنسان وسلوكه في سياق الانعكاس لسلوك الوالدين، وأسلوب تعاملهما معه. فمثلًا إذا كان الآباء والأمهات يلقون أعباء الأوامر المتتالية على كاهل الطفل فإنه يعيش دائمًا بضغط، شديد ويستشعر أنه في سجن مشيّد من استنشاق رائحة الفكر الحر والمشاركة في الرأي، وبالتّالي تتولّد من هذا الأمر مواقف وأفكار متطرفة يتخذها في مرحلة المراهقة لتحديد مصير حياته بعيدًا عن دائرة الإدارة للآباء والأمهات ليصبح ضحية للأفكار. فهذا الخراب والتطرُّف والإرهاب الإيديولوجيّ والذي يشهده العالم ما هي إلّا نتيجة سوء التربية والنشأة.
البيئة والمحيط الذي يتربى فيها الإنسان لها أثرها البالغ أيضًا في حياته، حيث يندمج مع الأصحاب والناس حوله بطباعها المختلفة، يستلهم منها الأفكار والعادات والتقاليد بإيجابياتها وسلبياتها، فيتأثر بها وتتكون حياته منها، ولذا فإن المجتمع الذي يمارس أفكارًا لا يمت بصلة بعاداتها ولا يتماشى مع قيمها تهوي في قعر هوة التخلُّف والانهيار مثل ممارسة العصبية، والقبلية، والعنصرية، والأنانية، وغيرها من الأفكار السلبية التي تقوض أركان النهضة والتقدُّم.
فالأجيال تنشأ وفق تقاليدها وقيمها والتي يمارسها الأعيان وروّاد المجتمع ويكون طباعها، لأنه من شب على شيء شاب عليه.
فمراكز الفكر والتوعية تلعب أيضًا دورًا مهمًا في التأثير الفكري للأمة، وتتصدّر القائمة حيث يجب أخذها بعين الاعتبار ووضع الإستراتيجية لها في الخدمة لصالح الوطن والمجتمع، لأن الأفراد تنهل منها قوتها الفكرية والإيدلوجية. وفي حين تم تسديد الفكرة نحو الصواب فإن الإيمان المطلق من أمّة ما بأفكارها والنضال لأجلها هو ما يحدّد مصيرها هاتفة بإرادتها الفولاذية "سلميتنا أقوى من الرصاص". وهذا الهتاف سيتحقق بلا محالة عاجلًا أم آجلًا. فعلى سبيل المثال الانقلاب الفاشل في تركيا عام 2016م لم يكن تقويض أركان مخططاته إلّا بإرادة الشعب التركيّ وتلاحمه الفكريّ في تحديد مصيره نحو الاستقرار والازدهار، حيث لم تكن دبابات العملاء تستطيع أن تفعل شيئًا تجاه موجة الأفكار للتحرُّر.
إليكم قصّة "الحبل الصغير والفيل"
ذات يوم زار أحد الأشخاص حديقة للحيوانات فرأى فيها فيلًا مقيدًا بالحبل الصغير لا يتحرّك ولا يطلق سراحه بنفسه، فسأل مدرب الفيل: لماذا هذا الفيل بقي في مكانه بقوّته وضخامته مع أنه يستطيع أن يقطع ذلك الحبل، فأجاب المدرب بأنه كان يقيد الفيل بالحبل الصغير منذ صغره، فتكيَّف بالوضع واعتقد أنه لا يمكن أن يتحرّر من القيد وأصبح رهينًا بوضعه.
فكم منّا قيدته الأفكار البائسة وأصبح ضحية لها مع بساطة العزم للتحرّك وإحلال التغيير في حياته.
يقول إبراهيم الفقهي "راقب أفكارك لأنها ستصبح أفعالًا وراقب أفعالك لأنها ستصبح عادات وراقب عاداتك لأنها ستصبح طباعًا وراقب طباعك لأنها ستحدد مصيرك" كله هذا حتى لا نكون ضحايا لأفكار.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.